الأحكام الفقهية المتعلقة بصلاة العيد
|
أ.د. حسن عبد الغني أبوغدة*
أضيف فى 1434/12/07 الموافق 2013/10/12 - 04:41 م

معنى العيد ومشروعية صلاته: العيد مشتق من العَوْد، وذلك إمَّا لتكرُّره كل عام، وإما لعَوْد السرور بعَوْدِه، أو لكثرة ثواب الله تعالى وعوائده على عبيده فيه؛ لأن عيد الفطر يأتي بعد صيام شهر رمضان، وعيد الأضحى يأتي بعد الحج.
وقد شرعت صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى في السنة الثانية من الهجرة، حيث صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين صلاة عيد الفطر، ثم صلاة عيد الأضحى.
روى أبو داوود وأحمد والحاكم وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكان لأهلها يومان يلعبـون فيهما، فقال: (ما هذان اليومان؟ قالوا: يومان كنَّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر).
وبناء على هذا، لا يجوز استحداث مناسبات يطلق عليها مصطلح " العيد " بالمعنى الشرعي، الذي يُقصَد به التعظيم والتقديس ونيل الثواب، كعيد الشجرة، وعيد الحب، وعيد الاستقلال، وعيد الشرطة، وعيد المولد النبوي...كما لا يجوز تقليد غير المسـلمين والاحتفال بأعيادهـم ومناسـباتهم، كاحتفالهم برأس السـنة، أو ما يسمى: " عيد الميلاد " أو " الكريسماس ". قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا..}. المائدة/48.  
أما مشروعية صلاة العيدين فقد جاء فيها قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ...}.الكوثر/2. والمقصود بالصلاة صلاة عيد الأضحى. وروى الشيخان: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيكون مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعِظُهم ويأمرهم).
حكم صلاة العيد: هي فرض على الكفاية عند الحنابلة، وواجبة عند الحنفية، وسنة مؤكدة عند المالكية والشـافعية، ولعل القـول بالوجوب أولى للآية: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ...}. الكوثر/2.
وقت صلاة العيد: يبتدئ وقتها عند الشافعية إذا طلعت الشمس، وعند غيرهم إذا ارتفع قرص الشمس عن سطح الأرض قدر رمح ـ أي: بعد طلوعها بحوالي ربع سـاعة ـ وهو الوقت المستحب عند الشافعية، ويستمر وقتها عند الجميع إلى ما قبيل صلاة الظهر، واحتج الشافعية بما رواه البخاري من حديث: (إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي...). واحتج غيرهم بحديث مسلم عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: (ثلاث أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن... حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ...). وقول الجمهور أولى؛ لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على صلاتها في ذلك الوقت.
وقال الفقهاء سوى المالكية: لو تُركتْ صلاة العيد في اليوم الأول لعذر أُديِّت في اليوم الثاني في وقتها؛ لما رواه أبو داوود والدارقطني وحسنه عن بعض الأنصار قالوا: غُمَّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم راو الهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم  الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غداً لعيدهم.
كيفية صلاة العيد: هي ركعتان بلا أذان ولا إقامة؛ لما رواه الشيخان عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم قالا: ( لم يكن يُؤذَّن يومَ الفطر ولا يوم الأضحى ). واستحسن الشافعية وآخرون أن ينادى لها: الصلاة جامعة.
يبدأ الإمام الركعتين بتكبيرة الإحرام، ويقرأ دعاء الافتتاح، ثم يكبر ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام ـ عند الحنابلة والمالكية ـ يرفع عند كلٍ منها كفَّيه محاذاة كتفيه كتكبيرة الإحرام، ويسكت بين كل تكبيرتين قليلاً، وإن شاء قال: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر "، ثم يجهر بقراءة الفاتحة وبعض الآيات. والسنة أن يقرأ سورة " الأعلى "، ثم يركع ويسجد، وفي الركعة الثانية يكبر للقيام، ثم يكبر خمس تكبيرات، يسـكت بين كل تكبيرتين قليلاً أو يسـبِّح الله ويحمده كما سبق بيانه، ثم يبدأ بقراءة الفاتحـة وبعض الآيات، والسنة أن يقرأ سورة " الغاشية ". واستدل الحنابلة والمالكية لهذا بما رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه والبيهقي: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر في العيدين يوم الفطر ويوم الأضحى سبعاً وخمساً: في الأولى سبعاً، وفي الآخرة خمساً سـوى تكبيرة الصلاة ).  وهو المروي ـ كما ذكر البيهقي ـ عن عدد من الصحابة منهم ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال الشافعية: يكبر الإمام تكبيرة الإحرام، ويقرأ دعاء الافتتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة وسـورة " الأعلى "، وفي الركعـة الثانية يكبر للقيام ثم يكبـر خمس تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة وسـورة " الغاشـية ". واستدلوا بما رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين: في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة ).
وقال الحنفية: يكبر الإمام تكبيرة الإحرام، ويقرأ دعاء الافتتاح، ثم يكبر ثلاث تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة والأعلى. وفي الركعة الثانية يكبر للقيام، ثم يقرأ الفاتحة والغاشية، ثم يكبر ثلاثاً، ثم يركع ويسجد... واستدل الحنفية بما رواه أحمد وأبو داوود ـ وسكت عنه ـ أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة رضي الله عنهما: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً تكبيرَهُ على الجنازة، فقال حذيفة: صدق. وفي رواية أخرى: ويوالي بين القراءتين.
وأوَّل الجمهور الموالاة بين القراءتين في هذا الحديث بحملها على أنه والى بين الفاتحة والسورة؛ لأن قراءة الركعتين لا يمكن الموالاة بينهما.
وقال محمد بن الحسن: إن الناس اختلفوا في التكبير في العيدين، فما أخذتَ به فهو حسن، وأفضلُ ذلك عندنا قول أبي حنيفة رحمه الله.
ويقال لهذه التكبيرات: التكبيرات الزوائد، وهي سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلو نسيها  المصلي صحت صلاته.
خطبتا العيدين: يسن بعد الفراغ من صلاة العيد إلقاء خطبتين، أحكامهما كما يلي:
1ـ كونهما عقب ركعتي العيد: وهما عكس خطبتي الجمعة اللتين تكونان قبل ركعتي الجمعة؛ وذلك لما رواه الشيخان: (كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يصلون العيدين قبل الخطبة ). ولو قُدِّمت الخطبة لم يُعتدَّ بها وتُستدرك بعد الركعتين.
2ـ في خطبة العيد تكبير وتذكيـر ووعظ: روى البيهقي وابن أبي شـيبة أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - رضي الله عنه - قال: السنة أن تفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع، يفصل بينهما بجلوس.
أما محتوى الخطبة فهو كما ذُكِر في أحكام خطبة الجمعة، حيث يعظ الإمام الناس، ويأمرهم بتقوى الله تعالى، وصلة الرحم، ويذكرهم في الأضحى بفضل الأضحية وأحكامها.
سنن وآداب أخرى في العيدين: يشرع في العيدين فعل السنن والآداب التالية:
1ـ التكبير بصوت مسموع: وذلك ليلة العيد، ووقت الخروج إلى صلاته، وفي المنازل والطرق والمساجد والأسواق؛ لقوله تعالى:{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ...}. البقرة/185. وصيغة التكبير عند الحنابلـة: " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمـد ". وقال غيرهـم: يكبر في الابتـداء ثلاثاً.
ويتأكد في عيد الأضحى التكبير عقب الصلوات، من صبح يوم عرفة حتى عصر آخر أيام التشريق، أي: اليوم الثالث الذي يلي يوم الأضحى. روى الحاكم والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم عرفة من صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق. قال ابن حجر: فيه ضعف، لكنه صح موقوفاً عَلَى علِيٍّ - رضي الله عنه -
2ـ الاغتسال والتطيُّب وحُسْن المظهر: يسن يوم العيد الاغتسال، والتطيُّب، ولبس الإنسان أحسن ما عنده من الثياب، والتبكير إلى الصلاة، لما تقدم في صلاة الجمعة. وأن يأكل شيئاً في عيد الفطر قبل خروجه إلى الصـلاة، روى البخاري: كان رسـول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات.
3ـ خروج النساء متسترات إلى صلاة العيد: ورد في هذا أحاديث وآثار، منها حديث الشيخين عن أم عطية رضي الله عنها قالت: ( أمرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نُخْرجَهن في الفطر والأضحى: العَواتقَ، والحُيَّضَ، وذواتِ الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الناس، ويشهدن الخيرَ ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جِلْباب؟ قال: لتُلْبِسْها أختُها من جلبابها ).
4ـ  مخالفة طريق الذهاب إلى الصلاة ماشياً: يسن الذهاب لصلاة العيد مشياً إن كان موضع الصلاة قريباً، وأن يعود من طريق أخرى؛ وذلك ليتسنَّى له السلام على أكثر عدد ممكن من الناس، لما رواه البخاري: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالـف الطريق ).
5ـ أداء صلاة العيد في المسجد أو المصلى: يسن أداء صلاة العيد في المصلى في ظاهر البلد، إذا كان لا يشق على الناس، لما تقدم في حديث الشيخين عن أم عطية رضي الله عنها، ولما رواه البيهقي والحاكم والشافعي: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس.  أما في مكة المكرمة، فإن صلاة العيد في المسجد الحرام أفضل؛ لأنه خير البقاع.
وذكر الفقهاء: أنه يجوز أداء صلاة العيد في داخل البلد في مكان جامع مستوعِب لأكثر عدد ممكن من الناس؛ لما في ذلك من تكثير سواد المسلمين، وتسهيل التقاء بعضهم ببعض.
6ـ عدم التنفُّل في موضع الصلاة قبل صلاة العيد أو بعدها: وهذا قول الحنابلة؛ لئلا يظن العامة أن لصلاة العيد سنة راتبة، روى البخاري: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين، لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما ).  
وقال الشافعية: لغير الإمام التَّنَفُّل قبلها؛ لحديث مسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ). وقال الحنفية: له ولغيره التنفُّل بعدها.
والأولى ما ذهب إليه الحنابلة؛ للحديث الذي ذكروه، ولما رواه ابن ماجه بإسناد حسن وصححه الحاكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين.
 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
باحثة: شعارات العنف ضد النساء انبعثت من دول تدعو للإباحية
د. نوال الغنام:اتفاقية العنف ضد المرأة أخذت اسماً ووصفاً مخادعاً، يحمل في طياته دعوة للانحلال، وتفكك الأسرة
د. الفوزان : إتباع محاسن الأخلاق يقود المسلم إلى التقوى
وأضاف فضيلته أن إتباع محاسن الأخلاق يقود المسلم إلى التقوى....
فقيه :القدر المباح للخاطب رؤيته من المخطوبة الوجه والكفان
الخِطبة هي الفترة التأسيسية المهمة للحياة الزوجية
هل تقرأ القرآن وهي حائض؟
لا تجوز قراءة القرآن للحائض والنفساء والجنب
صلاة العيد
هي ركعتان بلا أذان ولا إقامة؛ لما رواه الشيخان عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم قالا: "لم يكن يُؤذَّن يومَ الفطر ولا يوم الأضحى"...
سنن وآداب العيد
يشرع في العيدين فعل السنن والآداب التالية:...
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م