المصالح المرسلة
|
د/ نايف بن جمعان الجريدان
أضيف فى 1434/07/15 الموافق 2013/05/25 - 05:24 م

جاء الحديث عن المصالح المرسلة عند العلماء في أصول الفقه كدليل من الأدلة المختلف فيها، وجاء ذكرها كذلك عند علماء السياسة الشرعية، كأحد الأدلة التي يستنبط بها الحكم على مسألة أو واقعة نزلت بالأمة، وغير ذلك من العلوم التي ورد ذكرها فيها، وفيما يلي نبذة يسيرة عن هذا المصطلح:
أولاً : تعريف المصلحة لغةً :
مأخوذة من الصلاح وهو ضد الفساد .
قال ابن فارس : ( الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد ، يقال : صلح الشيء يصلح صلوحاً ، ويقال : صلَح _ بفتح اللام _ ، وحكى ابن السكيت صلُح يصلُح ، ويقال : صلح صُلوحاً ..)
وقال ابن منظور : ( والمصلحة : الصلاح ، والمصلحة واحد ة المصالح ، والاستصلاح : نقيض الاستفساد ، وأصلح الشيء بعد فساده : أقامه )
ثانيا : تعريف المصلحة اصطلاحاً :
1 / فقال الغزالي : المصلحة ( المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم )
2 / وقال الخوارزمي في تعريف المصلحة هي : ( المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق )
3 / وقال الطوفي : ( هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة )
ثالثاً : تعريف المصلحة المرسلة وأسماؤها :
تعريفها : ( هي كل منفعة لم يشهد لها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء وكانت ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية )
وتسمى المصلحة المرسلة بـ ( المناسب المرسل ، والاستصلاح ، والاستدلال ، والقياس المرسل ) ولكل اسم من هذه الأسماء نظر خاص .
خامسا : أقسام المصلحة :
تنقسم المصلحة بعدة اعتبارات  من أهم هذه الاعتبارات اعتبارين مهمين:
الاعتبار الأول :
تقسيمها باعتبار قوتها في ذاتها وتنقسم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام :
أ – مصلحة ضرورية ( وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم وحصول الخسران ) والضروريات هي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل وزاد بعضهم العرض والمراد حفظ هذه الضروريات من جانب الوجود ومن جانب العدم .
ب – مصلحة حاجية ( وهي ما يفتقر إليهامن حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ) كرخص السفر والمرض ، وإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال في المأكل والمشرب والملبس والمسكن ، وكالبيع والقرض والقسامة ، وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع ونحو ذلك .
ج – مصلحة تحسينية وهي ( الأخذ بما يليق من محاسن العادات والتجنب للأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ) ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق كالطهارة وستر العورة وأخذ الزينة والتقرب بنوافل العبادات وكآداب الأكل والشرب واللباس ، وعدم الإسراف او التقتير في المآكل والمشارب والملابس ، وكمنع قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد .
الاعتبار الثاني :
 تقسيمها من حيث اعتبار الشارع لها وتنقسم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام :
أ – المصلحة المعتبرة شرعاً وهي التي شهد الشرع باعتبارها ، وقام الدليل على رعايتها من نصٍ أو إجماع .
مثالها : تحريم شرب الخمر لحفظ العقل فحفظ العقل مصلحة ومقصد شرعي معتبر ، ومثل وجوب القصاص في القتل العمد العدوان لحفظ النفوس فحفظ النفس مصلحة ومقصد شرعي .
حكمها : هذا النوع من المصالح حجة باتفاق .
ب – المصلحة الملغاة شرعاً وهي التي شهد الشرع ببطلانها وعدم اعتبارها بنص او قياس ويسميها البعض " المناسب الغريب " ومن أمثلة هذا النوع :
1 – القول بتساوي الأخ وأخته في الميراث للأخوة التي تجمع بينهما لكن هذا المعنى ملغى بقوله تعالى :  وإن كانوا إخوةً رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين  .
2 – ما حكاه الغزالي والآمدي والشاطبي وغيرهم من أن عبد الرحمن بن الحكم وقع على أهله في نهار رمضان فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته فقال يحيى بن يحيى الليثي : يكفر ذلك صيام شهرين متتابعين فلما برز ذلك من يحيى سكت سائر الفقهاء حتى خرجوا من عنده فقالوا ليحيى : ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك من أنه مخير بين العتق والطعام والصيام ؟ فقال لهم : لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود .
فهذه الفتوى مناسبة في الظاهر لكنها غير صحيحة لأنها تخالف النص الصريح وهو حديث أبي هريرة  في الصحيحين في الذي وقع على أهله في نهار رمضان .
3 – ومن ذلك ما يظنه بعض الناس من تحقيق مصلحة اقتصادية من تصنيع الخمور وبيعها على غير المسلمين فهذه المصلحة ملغاة لحديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي  قال : " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ... " الحديث .
ج - المصلحة المسكوت عنها وهي ما سكتت عنها النصوص الخاصة فلم تشهد لها باعتبار ولا بإلغاء وهي نوعان :
النوع الأول : أن يكون هذا المعنى ملائماً لتصرفات الشارع بأن يكون له جنس معتبر في الشرع في الجملة بغير دليل خاص وهذا هو المصلحة المرسلة أو الاستدلال المرسل أو المرسل المعتبر ، ومن أمثلته جمع الصحابة للمصحف كما سيأتي ، وهذا هو الذي ذكر فيه الخلاف كما سيأتي بيان الخلاف فيه.
النوع الثاني : أن يكون هذا المعنى غير ملائم لتصرفات الشارع وهذا النوع ليس بحجة باتفاق كما ذكر الشاطبي في الاعتصام ، وهو ملحق بالنوع الثاني وهو المصالح الملغاة ؛ لأنه وإن لم يشهد له نص خاص بالإلغاء إلا أن مجموع النصوص تشهد له بذلك لمخالفته لمقصود الشارع من جهة المعنى .
ومن أمثلته منع المريض مرض الموت من الزواج وفسخ نكاحه إن وقع على تفصيل عند المالكية ، فزواج المريض مصلحة لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار أوالإلغاء ، ولكنها مخالفة لمقصود الشارع ؛ لأنه بزواجه أدخل على الورثة وارثاً جديداً وهذا يضر بهم .
 
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
بيت الزكاة الإلكتروني يقدّم خدمات آلية للتيسير على عملائه
يقوم بيت الزكاة - كتنفيذ لإحدى أهم استراتيجياته- باستخدام شتى التقنيات الحديثة في وسائل
مفتي فلسطين يحرم بيع الأراضي الفلسطينية للاحتلال
أكد الشيخ "محمد حسين" المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية على تحريم بيع الأرض وتسريب العقارات بالبيع
خطيب المسجد النبوي يحذر من إهمال محاسبة النفس
تحدث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ حسين آل الشيخ في خطبة الجمعة أمس, عن محاسبة النفس....
تواطؤ التجار على الاحتكار
اختلف الفقهاء في تحديد حقيقة الاحتكار
أشهر المؤلفات في القواعد الفقهية
يمكن أن نسرد لك أخي الباحث الكريم أهم وأشهر المؤلفات في علم القواعد الفقهية
اقتداء المأموم بالمأموم
لأصل عدم الفرق بين الفرض والنفل في ذلك، إلا بدليل يقتضي التخصيص
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م