مصطلح الدية
|
د.نايف بن جمعان الجريدان
أضيف فى 1434/01/18 الموافق 2012/12/02 - 09:40 ص

أولا : تعريف الدية لغة

الدية لغة مصدر ودي يدي، تطلق على المال المؤدى للمجني عليه أو وليه، وأصلها ودية، فحذفت الواو وأثبتت الهاء بدلاً عنها، كالعدة من الوعد، والزنا من الوزن، تقول: وديت القتيل أدية دية وودياً. إذا أعطيته ديته[1].

قال ابن منظور: الدِّيةُ هي حَقُّ القَتِيل وقد ودَيْتُه وَدْياً الدِّيةُ واحدة الدِّيات والهاءُ عوض من الواو تقول ودَيْتُ القَتِيلَ أَدِيةَ ديةً إِذا أَعطيت دَيَتَه واتَّدَيْتُ أَي أَخذتُ دِيَتَه وإِذا أَمرت منه قلت دِ فلاناً وللاثنين دِيا وللجماعة دُوا فلاناً وفي حديث القسامة فوَداه من إِبل الصدقة أَي أَعطى دِيَته ومنه الحديث إِن أَحَبُّوا قادُوا وإِن أَحَبُّوا وادُوا أَي إِن شاؤوا اقتَصُّوا وإِن شاؤوا أَخَذوا الدِّية وهي مفاعلة من الدية التهذيب يقال ودى فلان فلاناً إِذا أَدَّى ديته إِلى وليه[2]

ثانيا : تعريف الدية في الاصطلاح

يراد  بالدية عند جمهور الفقهاء: المال المؤدى إلى المجني عليه أو وليه بسبب الجناية على النفس أو ما دونهاوقد عرفها بعض المالكية بأنها: مال يجب بقتل آدمي حر عن دمه أو بجرحه مقدراً شرعاً لا باجتهاد[3].

وعرفها بعض الشافعية بأنها: المال الواجب بالجناية على الحر سواء كانت في النفس أو طرف[4].

ويراد بها عند جمهور الأحناف: المال المؤدى بسبب الجناية على النفس، أما ما وجب بسبب الجناية على ما دون النفس، فيراد به الأرش[5].

ولعل الراجح هو رأي جمهور الفقهاء، يقوي ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق الدية على المال الذي يدفع في مقابل الجناية على الأعضاء، من ذلك حديث:"دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشرة من الإبل لكل إصبع". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح[6].

وعلى نهج الجمهور نجد أن البخاري ترجم بباب: دية الأصابع[7].

ويراعي أيضاً أن فريقاً من الفقهاء اعتبر الدية في الحر والقيمة في العبد، بينما خالف ذلك آخرون[8].

مشروعية الدية

دل على مشروعيتها في العمد والخطأ وشبه العمد وفي النفس وما دونها نصوص كثيرة لسنا بحاجة إلى ذكرها كلها، ولكن نكتفي بما يلي:

1-     من الكتاب قول الله تعالى: {ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلا خَطَئاً ومَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلا أَن يَصَّدَّقُوا}[9].

وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ ورَحْمَةٌ}[10].

فقد أخرج البخاري عن قتيبة بن سعد عن سفيان عن عمرو عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى".

قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل في العمد الدية.

والإتباع بالمعروف يتبع الطالب بمعروف ويؤدى إليه المطلوب بإحسان.

ذلك تخفيف من ربكم ورحمة: أي مما كتب على من كان قبلكم[11].

ويقول القرطبي: قوله تعالى: "ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ ورَحْمَةٌ" لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفاً لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا[12].

وقد تكفلت السنة ببيان قدر الدية بكمها وكيفها. وقد عرفت الدية عند العرب، وكانوا يتعاقلون فيما بينهم، وعد ذلك من جميل أفعالهم، ومكارم أخلاقهم، وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

غير أنه يراعى أن العرب في الجاهلية لم يأخذوا بالدية مرة واحدة قد كانت القاعدة عندهم القتل أنفى للقتل، فالقاتل يجب أن يقتل حتى لا تقع جريمة أخرى، كذلك لم يكن للثأر عنهم حد يقفون عنده، بل كان من الممكن قتل أي فرد من جماعة القاتل وأي عدد يتمكنون منه...الخ، وكان يتسم بالقسوة والتشفي، وقد أدى ذلك إلى قيام حروب طاحنة بين العشائر العربية في جاهليتهم عرفت بأيام العرب.

ولم يعرف العرب في جاهليتهم القصاص بمعنى المساواة بين الجريمة والعقوبة إلا في حالة واحدة، وهي الحالة التي تخلع فيها العشيرة الجاني وتطرده من حمايتها إذ يحق لعشيرة المجني عليه في تلك الحالة أن تقتص منه أو تسترقه.

وقد تبين للعرب أن الأخذ بالثأر، وإن كان يشفي غليل العشيرة غير أنه لا يعوضهم ما فاتهم وكثيراً ما يؤدي إلى الخراب والدمار لذلك التجأوا إلى الدية، وكأن ذلك يتوقف على محض إرادة المجني أو عشيرته.

وكان منهم من يعيب أخذ الدية ولا يرضى إلا بالثأر، وفي ذلك يقول قائلهم:

إن الذي تحلبونــه دم             غير أن اللون ليس بأشقرا

وهذه امرأة من ضبة تحذر أهلها أخذ النياق دية وتحضرهم على الثأر:

ألا لا تأخـذوا لبناً ولكن             أذيقوا قومكم حد السـلاح

فإن لم تثأروا عمراً بزيد             فلا درت لبون بني رماح

ذلك أنهم كانوا يعتبرون ذلك دليلاً على الجبن والخوف من القاتل.

ولم يصل الأمر بالعرب إلى أن تصير الدية إجبارية، وإنما ظلت اختيارية لعدم وجود سلطة عليا فوق سلطة العشائر تستطيع إجبار المتخاصمين على قبول التصالح أو الخضوع إلى حكم المحكمين.

وكانت الدية تختلف من عشيرة إلى عشيرة أخرى ومن طبقة أخرى داخل العشيرة، وكان ينظر إلى الرجل المقتول ومكانته في تقدير الدية.

وكان مقدار الدية العادية لدى قريش عشرة من الإبل ، ثم ارتفع هذا العدد إلى مئة بعد نذر عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم –على ما هو مشهور- وقيل: أول من جعلها النضر، وقيل أبو سيارة الذي أجار الحجاج أربعين سنة في الجاهلية من المزدلفة إلى منى، وجاءت الشريعة مقررة لها[13].

أما دية الأمراء فكانت تصل إلى ألف بعير، ودية الحليف على النصف من النسيب من أبناء العشيرة[14]، وعموماً فلم تكن هناك قواعد عامة للدية عند العرب في الجاهلية يمكن عن طريقها تحديد كل حالة على حدة، فجاء الإسلام ونظم ما يتعلق بالدية مما لا يدع مجالاً للاختلاف، وهذا ما يبين مدى اهتمام الإسلام بالنفس البشرية والتي بين الفقهاء أنها أحد مقاصد الشرع الإسلامي[15].

المراجع والهوامش



[1] لسان العرب 15/373، مواهب الجليل 6/257، البهجة شرح التحفة للتسولي 2/375.

[2]لسان العرب 15/383

[3] فيخرج ما يجب بقتل غير الآدمي من قيمة فرس، وما يجب بقتل ذي رق من قيمته، والحكومة. انظر: مواهب الجليل 6/257، البهجة شرح التحفة للتسولي 2/375.

[4] مغني المحتاج 4/53، كفاية الأخيار 2/311، وانظر الجامع للقرطبي 5/315، شرح موطأ الزرقاني 4/33، الروض المربع 3/276، فتح الباري 12/187.

[5] انظر رد المحتار 1/573، تكملة فتح القدير 8/307، الفتاوى الهندية 6/24.

[6] انظر سنن الترمذي مع شرح التحفة. كتاب الديات 4/648، مسند أحمد 1/289، سنن أبي داود –مع العون- الديات 12/300-309.

[7] انظر: فتح الباري 26/48، كتاب الديات ومسند أحمد 2/535، جـ5/327، والمذهب 2/206، المغني 8/37.

[8] انظر: حاشية الدسوقي 4/244، مغني المحتاج 4/51، حاشية الشرواني 8/451، والمغني 8/3، المحلي 12/417، وانظر الغارمون ودفع الديات من مال الزكاة، الندوة الثانية لقضايا الزكاة المعاصرة المنعقدة بالكويت في ذي القعدة 1409هـ-يونيو1989م، بحث للدكتور على القرة داغي.

[9] سورة النساء آية 92.

[10] سورة البقرة آية 178.

[11] نيل الأوطار 7/148، وانظر تفسير القرطبي 2/255.

[12] تفسير القرطبي 2/244.

 [13] مغني المحتاج 4/53.

[14] الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي، د/ عوض أحمد إدريس ص53 وما بعدها بتصرف.

[15] المستصفى للغزالي جـ1ص286، 287.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
سماحة المفتي :القول على الله بلا علم كبيرة من كبائر الذنوب
أكد سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية أن القول على الله بلا علم كبيرة من كبائر الذنوب، وهي مفسدة تلي الشرك بالله
باحث شرعي: إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد واجب
الباحث الشرعي فضل الله ممتاز:إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد واجب، ومن نسي فلا شيء عليه سوى إخراجها بعد ذلك
سماحة المفتي: الأولى أن نعطي الزكاة لمن نعلم فقره وحاجته من المتعففين
المتسولين يختلفون، فيهم مستحق، وفيهم مدعٍ متقول، والأولى أن نعطي الزكاة لمن نعلم فقره وحاجته من المتعففين
اقتداء المقيم بالمسافر
يجوز اقتداء المأموم المقيم بالإمام المسافر
مشروعية صلاة الجنازة للنساء
صلاة الجنازة مشروعة للرجال والنساء ، وهي فرض كفاية
وصف المرض بالخبيث والمستعصي
عدم قدرة الإنسان على علاج المرض ليس دليلا البتة على تعذر العلاج
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م