القسامة في الفقه الإسلامي
|
رجاء بنت صالح باسودان*
أضيف فى 1433/12/22 الموافق 2012/11/07 - 05:54 م

المقدمة

لقد قرّرت الشريعة الإسلامية المحافظة على الضروريات الخمس – الدين ، النفس، العقل ، العرض ، المال – وشرعت لذلك أحكاماً تحقق المحافظة على تلك الكليات .  ومن الأحكام الخاصة بالمحافظة على النفس : القسامة ، حيث أن موضوعها مهم جداً لتحقيق الأمن والقضاء على المفسدين .  وقد اخترت البحث في هذا الموضوع – الذي لا يشهد تطبيقاً له – إحياءً لهذا الحكم الشرعي بنشر العلم حوله للاستفادة منه .  بالإضافة إلى كون موضوع القسامة مستثنى من باقي قواعد الشريعة العامة في بعض أحكامه .

وقد كان منهجي في البحث : دراسة مواضيع البحث في كل فصل ومناقشتها ، وبيان المقصود منها ، ثم عرض آراء الفقهاء المتعلق بها ومناقشتها بالأدلة وبيان الراجح منها والرد على المخالف ، كما حرصت على تتبع آراء المذاهب الأربعة من أمهات الكتب ما أمكن .

وربما تكون قلة المراجع المفصّلة لموضوع القسامة من أبرز الصعوبات التي واجهتني عند إعداد  البحث .

أما خطة تقسيم البحث – بعد المقدمة – فكانت كالتالي :

الفصل الأول : حقيقة القسامة ومشروعيتها ، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : حقيقة القسامة

المبحث الثاني : الاختلاف في مشروعية القسامة

الفصل الثاني : شروط القسامة ، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : شروط القسامة المتفق عليها

المبحث الثاني : شروط القسامة المختلف فيها

الفصل الثالث : كيفية القسامة وما يثبت بها ، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : كيفية القسامة

المبحث الثاني : ما يثبت بالقسامة

الخاتمة : وفيها أهم نتائج البحث .

آمل أن أكون قد وفقت في إعداد البحث ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

الفصل الأول :  حقيقة القسامة ومشروعيتها

المبحث الأول : تعريف القسامة

المبحث الثاني : الاختلاف في مشروعية القسامة

المبحث الأول :  حقيقة القسامة

المطلب الأول :  تعريف القسامة

لغة :  

قال ابن منظور نقلاً عن ابن سيده : القسامة : الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون ، ويمين القسامة منسوبة إليهم ، وفي حديث : " الأيمان تقسم على أولياء الدم " .  وقال أيضاً نقلاً عن ابن زيد : جاءت قسامة الرجل ، سمى بالمصدر ، وقتل فلان بالقسامة أي باليمين ، وجاءت قسامة من بني فلان وأصله اليمين ثم جعل قوماً . 

وقال أيضاً نقلاً عن الأزهري : "القسامة اسم من الإقسام وضع موضع المصدر ثم يقال للذين يقسمون قسامة" [1].

وفي الصحاح : "هي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم" [2]. 

والقسامة : مصدر أقسم قسامة ، ومعناه : حلف حلفاً .  قال القاضي: "هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة .  قال : وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر" [3]. 

ذكر الإمام الكاساني في تفسيرها : القسامة في اللغة تستعمل بمعنى الوسامة وهو الحسن والجمال ، يقال فلان قسيم أي حسن جميل وفي صفات النبي صلى الله عليه وسلم قسيم وتستعمل بمعنى القسم وهو اليمين [4].

وقد اشتهرت القسامة بهذا المعنى وهو الأيمان التي يكلف بها أولياء الدم في حال عدم استطاعتهم تقديم البينة الواضحة التي يثبت بها القتل على القاتل [5]. 

اصطلاحاً :  المراد بالقسامة عند الفقهاء

أولاً : الحنفية

هي اليمين بالله تبارك وتعالى بسبب مخصوص وعدد مخصوص وعلى شخص مخصوص وهو المدعى عليه على وجه مخصوص وهو أن يقول خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً فإذا حلفوا يغرمون الدية [6].

ثانياً : المالكية

صفتها أن يحلف أولياء الدم خمسين يميناً في المسجد الأعظم بعد الصلاة ثم اجتماع الناس أن هذا قتله [7]. 

وقال مالك رحمه الله : إن كان هناك لوث يستحلف الأولياء خمسين يميناً فإذا حلفوا يقتص من المدعى عليه [8]. 

ثالثاً : الشافعية

قال الخطيب الشربيني في شرحه منهاج النووي - رحمهما الله – أن القسامة هي اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم مأخوذة من القسم وهو اليمين ، وقيل اسم للأولياء [9].

رابعاً : الحنابلة

ذكر ابن قدامة أن المراد بالقسامة : الأيمان المكررة في دعوى القتل[10].

بالنظر إلى التعريفات السابقة للفقهاء نرى أنها متشابهة ، وتدل على أن القسامة عبارة عن أيمان يحلفها أولياء القتيل ، ماعدا الحنفية الذين يرون ابتداء المدعى عليه بالحلف .

المطلب الثاني : الحكمة من مشروعية القسامة

شرعت القسامة حوطة للدماء ، وذلك أن القتل لما كان يكثر وكان يقل قيام الشهادة عليه لكون القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات جعلت هذه السنة حفظاً للدماء [11].

وقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله -: "أن القسامة من الحدود لا من الحقوق ، فلولا القسامة في الدماء لأفضي إلى سفك الدماء ، فيقتل الرجل عدوه خفية ، ولا يمكن لأولياء المقتول إقامة البينة واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين" [12]. 

وذكر الإمام مالك بن أنس أهميتها فقال : إنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق أن الرجل إذا دين الرجل استثبت عليه في حقه ، وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس ، وإنما يلتمس الخلوة ، قال : فلو لم تكن القسامة إلا فيما ثبت فيه البينة وعمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدؤون بها ليكف الناس عن القتل وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك [13]. 

ويوضح الإمام الكاساني سبب وجوب القسامة بأنه التقصير في النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ كان مقصراً بترك الحفظ الواجب فيؤاخذ بالتقصير زجراً عن ذلك وحملاً على تحصيل الواجب ، وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ [14]. 

ولقد كان من حرص الشريعة على حياطة الدماء ما دعا أحمد إلى القول بأن من مات من زحام الجمعة أو في الطواف فديته في بيت المال وبمثل هذا قال إسحاق وعمر وعلي[15].

 

المبحث الثاني :  الاختلاف في مشروعية القسامة

ذهب جمهور الفقهاء - ومنهم فقهاء المذاهب الأربعة – إلى شرعية القسامة وأنها طريق من طرق الإثبات في جريمة القتل ، كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام .  بينما يرى بعض الفقهاء عدم مشروعيتها – ومنهم سالم بن عبد الله ، وأبو قلابة ، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه ، وابن علية وسليمان بن يسار والحكم بن عتيبة [16].

المطلب الأول : أدلة القائلين بشرعية القسامة

الدليل الأول : 

عن سهل بن حثمة – رضي الله عنه – قال : "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر ، وهي يومئذ صلح فتفرقا ، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه ثم قدم إلى المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب عبد الرحمن يتكلم ، فقال : " كبّر كبّر " وهو أحدث القوم فسكت ، فتكلما ، فقال : " أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم ؟ " قالوا : كيف نحلف ولم نشهد شيئاً ولم نر ؟ قال : " فتبرئكم يهود بخمسين يميناً " ! فقالوا : كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده" [17]. 

وفي رواية : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته " قالوا : أمر لم نشهده كيف نحلف ؟ قال : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " ، قالوا : يا رسول الله قوم كفار "، وذكر الحديث بنحوه .

ويفيد هذا الحديث بأن الأولياء إذا تعذرت عليهم البينة وحلفوا خمسين يميناً على رجل معين أنه هو القاتل ، مع وجود لوث [18]. 

الدليل الثاني :

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن - رسول الله صلى الله - عليه وسلم قال : "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة " [19].

ويفيد هذا الاستثناء شرعية القسامة والتأكيد عليها .

الدليل الثالث :

عن أبي سلمة عن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن أناس من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها رسول الله - صلى الله عليه - وسلم بين أناس من الأنصار من بني حارثة في قتيل ادعوه على اليهود [20].

الدليل الرابع :

أن حدوث القتل بمحل لوث قرينة على ترجيح دعوى الأولياء القتل على من يتهمونه به ، فإذا انضم إلى ذلك حلفهم خمسين يميناً أن قاتله فلان بناءً على غلبة ظنهم قام ذلك مقام البينة إذا تعذرت ، فإذا جود القتيل في محلة أعدائه أو قريتهم وانحصرت شبهة القتل فيهم كان ذلك داعياً للأخذ بالقسامة لئلا تهدر الدماء ويترك الحبل على الغارب للمجرمين يعيثون في الأرض الفساد [21].

المطلب الثاني : أدلة القائلين بعدم مشروعية القسامة

الدليل الأول :

ما رواه عبد الرزاق عن معمر قال : "قلت لعبيد الله بن عمر : أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة ؟ قال : لا ، قلت : فأبو بكر ! قال : لا ، قلت : فعمر ! قال : لا ، قلت : فكيف تجترئون عليها ، فسكت ، قال : فقلت ذلك لمالك فقال : لا نضع أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الختل (الحيل) لو ابتلي بها أقاد بها" [22].

الدليل الثاني :

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء الرجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " [23].

ويفيد هذا الحديث عدم مشروعية القسامة ، وجعل الأيمان على المدعى عليه فقط عند تعذر البينة مخالف لأحكام القسامة .

الدليل الثالث :

أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء ، وأن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر [24]. 

الدليل الرابع :

قوله - عليه الصلاة والسلام - لصاحب من أصحابه اختصما : " بينتك أو يمينه " [25].

 

الدليل الخامس :

مخالفة القسامة للأصل الشرعي بأن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً أو شاهد حساً وإذا كان كذلك ، فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل ، بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر [26]. 

وقد روى البخاري عن أبي قلابة "أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوماً للناس ثم أذن لهم فدخلوا فقال : ما تقولون في القسامة ؟ قالوا : نقول القسامة القود بها حق وقد أقادت بها الخلفاء ، قال لي ما تقول يا أبا قلابة ؟ ونصبني للناس ، فقلت : يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب ، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه أكنت ترجمه ؟ قال : لا ، قلت : أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه ؟ قال : لا ، قلت : فوالله ما قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحداً قط إلا في إحدى ثلاث خصال : رجل قتل بجريرة نفسه فقتل ، أو رجل زنى بعد إحصان ، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام" [27].

المطلب الثالث : المناقشة والترجيح

الموضوع الأول : مناقشة أدلة القائلين بمشروعية القسامة

ردّ النافون للقسامة على أدلة الجمهور بما يلي :

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بالقسامة وإنما كانت حكماً جاهلياً فتلطف لهم ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام ، ولذلك قال لهم : أتحلفون خمسين يميناً ، أعني لولاة الدم وهم الأنصار ؟ قالوا : كيف نحلف ولم نشاهد ؟ قال : فيحلف لكم اليهود ، قالوا : كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ قالوا : فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشهدوا لقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي السنة [28].

ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عرض على الأنصار أن يحلفوا خمسين يميناً فامتنعوا ثم بيّن لهم أن لهم على اليهود خمسين يميناً يحلفها خمسون منهم فبينوا للرسول عليه الصلاة والسلام أنهم لا يقبلون أيمانهم وهذا يدل على مشروعيتها إذ لا يصح أن يحمل هذا التصرف منه على العبث والألغاز التي لا يرشد إليها الكلام بمجرد الظنون والأوهام [29]. 

وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرض إلا ما كان حقاً وعدم الحكم في القضية سببه إباء الأولياء عن الحلف مع وجود القرائن التي تدين اليهود ، وإباؤهم عن قبول أيمان اليهود إذ ليس لهم عندهم إلا ذلك [30].

أن حديث سهل بن حثمة في مقتل عبد الله بن سهل – رضي الله عنهما – مضطرب والاضطراب علة مانعة عن العمل به فيكون مردوداً [31].

ويجاب عن ذلك بأن الروايات التي لم يذكر فيها عدد الأيمان وعدد الحالفين مجملة ، والروايات التي جاء فيها عدد الحالفين وعدد الأيمان مفسرة لهذا الإجمال ، وذلك أن القصة واحدة فيكون المفسر مبيناً للمجمل فيحدد معناه ، وبهذا تجتمع الروايات وإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه [32]. 

الموضوع الثاني : مناقشة أدلة القائلين بعدم مشروعية القسامة

ردّ القائلون بالقسامة على من منعها بما يلي :

حديث عبيد الله بن عمر أنه لا يعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقاد بالقسامة ولا أبا بكر ولا عمر لا يصلح دليلاً على عدم المشروعية فإن عدم علمه لا ينفي مشروعية القسامة بالأحاديث الواردة فيها ومن علم حجة على من لم يعلم  [33]. 

-         الاستدلال بحديث : " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء ...."، وبحديث : " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " لرد الأخذ بالقسامة غير سديد وذلك لوجهين :

1-     أنه لا يمكن القول بأن الأخذ بالقسامة فيه إعطاء للناس بدعواهم بل إعطاء لهم بدليل شرعي ، وهو دليل القسامة ، فكما أن إعطاء الأموال والدماء ببينة المدعي أو يمين المدعى عليه ليس إعطاء بالدعوى فكذلك الإعطاء بالقسامة .

2-أن أحاديث إيجاب البينة على المدعي واليمين على من أنكر عامة وأحاديث القسامة خاصة فيمكن الجمع بينهما بالعمل بحديث القسامة في محلها وإجراء أحكامها عليه وإبقاء أحكام الأحاديث الأخرى للعمل بها فيما سوى القسامة فيكون ذلك تخصيصاً للعام والقول بالجمع أولى من القول بالتعارض لما فيه من العمل بالدليلين معاً [34].

وقد أجاب ابن القيم عن دليل : " لو يعطى ..... ، إنما يدل على أنه لا يعطى أحد بمجرد دعواه دم رجل ولا ماله ، وأما في القسامة فلم يعط الأولياء فيها بمجرد دعواهم ، بل البينة وهي ظهور اللوث وأيمان خمسين لا بمجرد الدعوى ، وظهور اللوث وحلف خمسين بينة بمنزلة الشهادة أو أقوى ، وقاعدة الشرع أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعين ، ولهذا يقضى للمدعي بيمينه إذا نكل المدعى عليه كما حكم به الصحابة ، لقوة جانبه بنكول الخصم المدعى عليه ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهداً واحداً لقوة جانبه بالشاهد فالقضاء بها في القسامة مع قوة جانب المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى" [35].

وأما الاحتجاج بأن الأصل في الشريعة بأن لا يكون الحكم إلا بدليل ثابت فكيف يحكم بأيمان من لم يحضروا ، فالجواب على ذلك من وجهين :

1-              إن وجود اللوث مضموماً إليه أيمان القسامة يبرر الحكم بها فكان ذلك حقاً ثابتاً يجوز الاستناد إليه في الحكم .

أن أدلة مشروعية القسامة تجعل الأخذ بها وجهاً من الوجوه الشرعية لإثبات القصاص أو الدية إذا لم تكن بينة من المدعي أو إقرار من المدعى عليه ووجد اللوث فلا يجوز ردها بالأدلة والقواعد الشرعية الأخرى ؛ لأن الحق لا يرد بالحق لعدم تعارضهما ، والواجب هو العمل بأدلة الشرع جميعاً كل في محله من غير أن نرد النصوص بعضها ببعض [36].

الترجيح

بعد استعراض أدلة المجيزين للقسامة والمانعين لها فإنه يتبين مشروعيتها وذلك لقوة أدلة القائلين بها وسلامة تلك الأدلة ، بخلاف أدلة المانعين التي ثبت ضعفها أمام أدلة الجمهور  لذلك كان الترجيح لما ذهب إليه الجمهور .

قال الإمام ابن حجر :" قال القاضي عياض : هذا الحديث [37]، أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد ، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأنصار" [38].

وقد نبّه ابن المنير في الحاشية على النكتة بأن مذهب البخاري تضعيف القسامة لأنه صدّر الباب بالأحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شيء .  قلت - ابن حجر - الذي يظهر أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي ، بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها ، ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي ، بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى عليه [39].

وقد اختلف الفقهاء في شرعية القسامة ، هل هي للإثبات أم للنفي ! حيث يرى الأئمة مالك والشافعي وأحمد أنها شرعت لإثبات الجريمة على الجاني ، بينما يرى الإمام أبو حنيفة أنها دليل نفي لأهل المحلة التي وجد القتيل فيها [40].

الفصل الثاني : شروط القسامة

المبحث الأول : شروط القسامة المتفق عليها

المبحث الثاني : شروط القسامة المختلف فيها

المبحث الأول : شروط القسامة المتفق عليها

1 -  أن تكون الجناية قتلاً فلا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح [41].

2 -  أن يكون في المجني عليه أثر قتل أو ضرب فلا قسامة في الميت حتف أنفه عند جميع الفقهاء [42].

3 -  أن يكون القتيل إنساناً فلا قسامة في غير الآدمي وقد صرّح بذلك جميعهم [43]. 

4 -  تقدم أولياء القتيل على أهل موضع القتل بالدعوى فإن لم يتقدم جميعهم أو بعضهم بالدعوى فلا قسامة [44]. ويفهم هذا الشرط من كتب الشافعية بجعلهم حق القسامة للورثة – أي أولياء القتيل – أما الحنابلة والمالكية فيفهم هذا الشرط من كتبهم التي يشترطون فيها اتفاق أولياء القتيل في الدعوى وذلك من باب أولى ، أما الحنفية فقد نصّوا عليه صراحة [45].

5 -  أن لا يكون على القتل بينة أو اعتراف به وإلا خرجت المسألة عن باب القسامة إلى القصاص [46]. 

6 -  اللوث ، وهو شرط عند عامة الفقهاء ، وضابطه عندهم كالتالي :

     أ – عند المالكية : اللوث هو القرائن الدالة على قتل القاتل [47]. فهو أمارة على القتل غير قاطعة [48]. 

    ب – عند الشافعية : أنه قرينة لصدق المدعي [49].

    جـ- أما الحنابلة : فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في تفسير اللوث ، أحدها : أنه العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه ،والثانية : ما يغلب على الظن صدق المدعي [50].

    د – وعند الحنفية : وجود قتيل لا يدرى قاتله في محلة أو دار أو موضع يقرب إلى القرية بحيث يسمع الصوت منه [51]. 

وللّوث صور ووجوه :

1 -  التدمية : وهو قول الميت : دمي عند فلان أو هو قتلني ، أو ما أشبه ذلك [52].

2 -  شهادة بينة غير قاطعة على معاينة القتل [53].

3 -  شهادة عدلين بجرح وعدل بالقتل ، فشهادة عدلين بجرح وحي بعده حياة بينة ثم مات بعده قبل أن يفيق منه [54].

4 -  وجود المتهم بقرب القتيل أو آتياً من جهة ومعه آلة القتل أو عليه أثره [55].

5 -  قتيل الصفين ، تقتل الفئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله [56].

6 -  قتيل الزحام ، كأن يزدحم الناس في مضيق فيوجد فيهم قتيل [57].

7 -  وجود قتيل في محلة قوم أو دارهم بشرط كونها غير مطروقة لأهلها كخيبر حين قتلهم لعبد الله به سهل ، ولهذا جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - القسامة لأوليائه [58].

المبحث الثاني : شروط القسامة المختلف فيها

1 -  الإسلام ، فقد اشترطه المالكية في المقتول ولم يثبتوا القسامة في المقتول إذا كان كافراً، أما الشافعية والحنفية والحنابلة فهم يرون غير ذلك .  ذكر العلامة ابن قدامة ذلك بقوله : " إن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافراً والحر يقتل عبداً فلا قسامة فيه في ظاهر قول الخرقي" ، وهو قول مالك ؛ لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود ، وقال القاضي : فيهما القسامة وهو قول الشافعي .  وهو رأي ابن قدامة أيضاً ، حيث قال تعقيباً على رأي الإمام الخرقي : " ولنا : أنه موجب للقصاص " [59]. 

أما الحنفية فقد ورد في بدائع الصنائع : " وكذا الذمي – أي تجب فيه القسامة إذا وجد قتيلاً - لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم إلا ما نص بدليل ، ولأن دم الذمي مصون في دار الإسلام لذمته" [60]. 

2 – الحرية ، فقد اشترطها الحنابلة في إحدى الروايتين [61]، وكذلك المالكية فلا تجب القسامة في العبد عندهم [62]، أما الشافعية فإن الحرية ليست بشرط عندهم [63].  وللحنفية تفصيل في هذا الشرط : فيجعلون في المملوك الذي قتل وعثر عليه خارج دار مولاه القسامة ، ولا يجعلونها فيمن عثر عليه مقتولاً في دار مولاه بل يهدرون دمه [64]. 

3 -  طلب جميع الورثة للقسامة ، وهذا الشرط انفرد به المالكية والحنابلة في العمد دون الشافعية والحنفية ، ولعل حجة القائلين به أن حق القسامة في العمد "القصاص" لا يتجزأ وأنه ملك لجميع الورثة لذلك لزمت موافقتهم جميعاً على المطالبة بهذا الحق حتى يسمع منهم [65].

4 -  اتفاق جميع الورثة على تعيين المدعى عليه واحداً أو جماعة فإن لم يكن تعيين فلا قسامة به ، وهو ما اشترطه المالكية والشافعية والحنابلة – والمشهور عندهم اشتراط كون الدعوى في العمد على واحد معين [66].

5 -  أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكاً لمعين أو تحت يده حتى يمكن تحليف أصحابه ، وهذا الشرط لم يذكره سوى الحنفية ؛ لأن اشتراط اللوث يغني عن ذلك [67].

6 -  وصف القتل في الدعوى من كونه عمداً أو خطأ تفرد به واحد أو شارك فيه جماعة ، وهو قول الشافعية والحنابلة [68].

7 -  اشترط الحنابلة كون القاتل مكلفاً حتى تصح الدعوى بالقسامة ، حيث لا قسامة على الصبي والمجنون ، وهذا بخلاف ما ذهب إليه الجمهور بعدم اشتراط التكليف ، وهو الأقرب إلى الصواب حفظاً للدماء وصيانتها من الهدر [69].

8 -  أن يكون في المدعين رجال عقلاء فإن لم يكن فيهم إلا نساء أو صبيان أو مجانين فلا قسامة على المدعين بل على المدعى عليهم [70].

الفصل الثالث : كيفية القسامة وفيما يثبت بها

المبحث الأول : كيفية القسامة

المبحث الثاني : ما يثبت بالقسامة

المبحث الأول : كيفية القسامة

اختلف أهل العلم القائلون بالقسامة فيمن توجه إليه أيمان القسامة ابتداءً ، فذهبت طائفة منهم إلى أنه يبدأ بالمدعين فتوجه إليهم الأيمان .  قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت به ممن أرضى في القسامة ، والذين اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث ، أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون .  وأضاف قائلاً : وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا والذي لم يزل عليه عمل الناس أن المُبدّئين بالقسامة أهل الدم [71].

وقال ابن رشد : قال الشافعي وأحمد وداوود بن علي وغيرهم : يبدأ المدعون [72]. وذلك امتثالاً لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يحلف خمسون رجلاً منكم وتستحقون دم صاحبكم " .  وقد ورد في "المغني" : شرعت اليمين في حق المدعين أولاً فيحلفون خمسين يميناً على المدعى عليه أنه قتله وثبت حقهم قبله ، فإن لم يحلفوا استحلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ [73].

أما الأحناف فيرون أن القسامة على أهل المحلة التي وجد فيها القتيل ، يستحلف خمسون رجلاً منهم بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً ويغرمون الدية [74].

وإن لم يكن العدد خمسين رجلاً كررّت عليهم الأيمان حتى يكملوا خمسين يميناً لما روي أن الذين جاءوا إلى عمر – رضي الله عنه – من أهل وادعة كانوا تسعة وأربعين رجلاً منهم ، فحلفوا ثم اختار منهم واحداً فكرّر عليه اليمين ، وهذا لأن عدد اليمين في القسامة منصوص عليه ولا يجوز الإخلال بالعدد المنصوص عليه [75]. 

ويستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيداً فيقول : والله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فإن اقتصر على لفظة والله ، كفى أو بقول : والله أو بالله أو تالله ، وما زاد على هذا تأكيد ، ويقول لقد قتل فلان بن فلان الفلاني – ويشير إليه- فلاناً ابني أو أخي منفرداً بقتله ما شركه غيره ، وإن كانا اثنين قال منفردين ما شركهما غيرهما ، ثم يقول عمداً أو خطأ [76]. 

قال الإمام مالك : يحلف من ولاة الدم خمسون رجلاً خمسين يميناً ، فإن قلّ عددهم أو نكل بعضهم رُدّت الأيمان عليهم ، إلا أن ينكل أحد من ولاة المقتول ، ولاة الدم ، الذين يجوز لهم العفو عنه ، فإن نكل أحد من أولئك فلا سبيل إلى الدم إذا نكل أحد منهم .  قال يحي : قال مالك : وإنما ترد الأيمان على من بقي منهم إذا نكل أحد ممن لا يجوز لهم العفو عن الدم ، وإن كان واحداً ، فإن الأيمان لا ترد على من بقي من ولاة الدم إذا نكل أحد منهم عن الأيمان ولكن الأيمان إذا كان ذلك ، ترد على المدعى عليهم ، فيحلف منهم خمسون رجلاً خمسين يميناً ، فإن لم يبلغوا خمسين رجلاً ردت الأيمان على من حلف منهم ، فإن لم يوجد أحد إلا الذين ادّعي عليه ، حلف هو خمسين يميناً وبرئ [77].  

وقال الإمام الشافعي : فإذا كان للقتيل وارثان فامتنع أحدهما من القسامة لم يمنع ذلك الآخر من أن يقسم خمسين يميناً ويستحق نصيبه من الميراث ، وكذلك إذا كان الورثة عدداً كثيراً ونكلوا إلا واحداً [78]. 

وفي المذهب الحنبلي : فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ. وعقّب ابن قدامة على قول الخرقي : " ولنا : قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، أي: يتبرءون منكم ، وفي لفظ قال: "فيحلفون خمسين يميناً ويبرءون دمه" ، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغرم اليهود وأنه أداها من عنده ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ بها كسائر الأيمان ، ولأن ذلك إعطاء بمجرد الدعوى فلم يجز للخبر ومخالفة مقتضى الدليل ، فإن قول الإنسان لا يقبل على غيره بمجرد دعواه كدعوى المال وسائر الحقوق ، ولأن في ذلك جمعاً بين اليمين والغرم فلم يشرع كسائر الحقوق .  قال الإمام الخرقي : فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال [79].  

أما إذا نكل المدعى عليه - عليهم - فاختلف الجمهور فيما بينهم على أقوال :

رأي المالكية : قال الباجي : فصل : وقوله فإن لم يجد المدعى عليه القتل من يحلف حلف وحده خمسين يميناً وبرئ ، وقوله "وبرئ" : يريد برئ من الدم وعليه جلد مائة وسجن عام ، قاله مالك وابن القاسم ، وإن أبى أن يحلف سجن حتى يحلف [80]. 

رأي الشافعية : قال الشافعي في كلامه على المدعى عليهم في القسامة : " فإذا حلفوا برئوا وإذا نكلوا عن الأيمان حلف ولاة الدم خمسين يميناً واستحقوا الدية إن كانت عمداً ، ففي أموالهم ورقاب العبيد منهم بقدر حصصهم فيها ، وإن كانت خطأ فعلى عواقلهم ، وإن كان ولي القتيل ادعى على اثنين منهم فحلف أحدهما وامتنع الآخر من اليمين برئ الذي حلف وحلف ولاة الدم على الذي نكل ثم لزمه نصف الدية في ماله إن كان عمداً وعلى عاقلته إن كان خطأ ، لأنهم إنما ادعوا أنه قاتل مع غيره وسواء في النكول عن اليمين المحجور عليه وغير المحجور عليه إذا نكل منهم واحد حلف المدعى عليه [81] .

رأي الحنابلة : ذكر ابن قدامة قولين في حبسهم ورجّح أن الدية تلزمهم بالنكول ، قال : "وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا ، وعن أحمد رواية أخرى أنهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول أبي حنيفة .  والراجح عند الحنابلة هو الأول ، قال  ابن قدامة : ولنا : أنها يمين مشروعة في حق المدعى عليهم فلم يحبس عليها كسائر الأيمان ، وإذا ثبت هذا ، فإنه لا يجب القصاص بالنكول لأنه حجة ضعيفة فلا يشاط بها الدم كالشاهد واليمين ، قال القاضي : "وفداه الإمام من بيت المال ، نصّ عليه أحمد" [82].

رأي الأحناف :  قال الإمام السرخسي : " وإذا أبى الذين وجد فيهم القتيل أن يقسموا حبسوا حتى يقسموا لأن القسامة عليهم باعتبار تهمة القتيل وقد ازدادت بنكولهم والأيمان مقصودة هاهنا فيحبسون لإيفائها " [83].

المبحث الثاني : فيما يثبت بالقسامة

اختلف العلماء القائلون بمشروعية القسامة ، فمنهم من ذهب إلى أن القسامة توجب القود ، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يجب بها إلا الدية .  غير أنه اتفق القائلون بها على أنه يثبت بها الدية إذا كان القتل خطأً ، ثم اختلفوا بعد ذلك فيما يثبت بها إذا كان القتل عمداً على قولين :

الأول :  أنها توجب القود ، وهو قول معظم الحجازيين وبه قال الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك وأصحابه ، والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود ، وهو قول الشافعي في القديم ، وروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز ، قال أبو الزناد : قلنا بها وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان[84].

الثاني :  أنها توجب الدية لا القود ، قال النووي نقلاً عن القاضي عياض : وقال الكوفيون والشافعي - رضي الله عنه - في أصح قوليه : لا يجب بها القصاص وإنما تجب بها الدية وهو مروي عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وعثمان الليثي والحسن بن صالح وروي أيضاً عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية - رضي الله عنهم - [85].

أدلة الفريق الأول :

1 -  حديث سهل بن أبي حثمة في مقتل عبد الله بن سهل له عدة استدلالات :

أ – قول الرسول - عليه الصلاة والسلام -: " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم " ، والمراد بالصاحب هنا هو القاتل ، وهذا دليل في أن استحقاق دمه ظاهر في وجوب القصاص منه .  قال ابن قدامة : أراد دم القاتل لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين [86] .

ب- قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته"، وهذا اللفظ "فيدفع برمته" ظاهر في أن أولياء الدم إذا حلفوا خمسين يميناً على رجل معين من اليهود أنه هو الذي قتل قتيلهم "عبد الله بن سهل" دفع إلى أولياء الدم برمته ، أي بالحبل الذي يجعل في عنق القاتل ليقتصوا منه ولا يكاد هذا اللفظ يستعمل في غير ذلك [87].

2 -  استدل أيضاً بما رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناده "عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أن أباه أبا الزناد قال : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن رجلاً من الأنصار قتل وهو سكران رجلاً ضربه بشوبق - الشوبق : خشبة الخباز- ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبيه ذلك وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن فقهاء الناس ما لا يحصى وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا فحلفوا خمسين يميناً وقتلوا وكانوا يخبرون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالقسامة ويرونها للذي يأتي به من اللطخ والشبهة أقوى مما يأتي به خصمه ورأوا ذلك في الصهيبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره"