دلالات الألـــــــــــفاظ
|
د/ فريدة صادق زوزو
أضيف فى 1433/08/29 الموافق 2012/07/19 - 10:00 ص


مقدمة:

"الدلالات" أو كيفية دلالة اللفظ على المعنى، يعد من أهم المباحث اللغوية البيانية التي تميزت دراستها بالتعمق والإكثار في المباحث الأصولية. وفي ذلك تكمن عدة أسباب، تدور كلها في محور الأهمية القاعدية لهذه الدلالات في استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية.

فاستنباط الأحكام واستثمارها من الآيات القرآنية وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم إنما تمر عبر ومراحل ومسالك متعددة بمعرفة أوضاع الألفاظ بالنسبة للمعاني، ثم ماهية الاستعمال اللفظي للمعنى، وأخيراً طرق الاستنباط عبر ما يعرف بالدلالات. فهي "قواعد أصولية لغوية ترسم منهج الاجتهاد في استثمار كافة طاقات النص في الدلالة على المعنى"[1]، فالنصوص متناهية، بعكس الأحداث والوقائع فإنها ليست كذلك، لهذا يذهب البحث إلى النظر في النصوص وما تحتمله من معاني ومقاصد ودلالات يستفاد بها في إيجاد فتاوى لمستجدات ووقائع متسارعة.

ولأن المدارس الأصولية كما هو معلوم انقسمت إلى مدرستين:

   1- مدرسة المتكلمين (الشافعية والمالكية والحنابلة)، مدرسة تخريج الفروع على الأصول.

   2- مدرسة الأحناف: مدرسة تخريج الأصول على الفروع.

بوجود هاتين المدرستين عرفت كثير من المباحث الأصولية الاختلاف في بعض مطالبها حسب توجهات وقواعد كل مدرسة، ووفق المنهج الذي تنتهجه كل مدرسة أيضاً، فكذلك وجد اختلاف جذري في مبحث الدلالات بين المتكلمين والأحناف، هذا الاختلاف الذي أثرى الفقه الإسلامي وعلم الأصول في استثمار كل طاقات النص الواحد.

وقد عبر عنها آخرون[2] بتسمية أخرى، وقسموها إلى أربعة أقسام؛ معنى الخطاب، ودليل الخطاب، وفحوى الخطاب، والاستدلال بالحصر، ولحن الخطاب.

وبالبحث سيتبدى لنا أن هذه المصطلحات والتسميات، ما هي إلا تسميات لمسميات واحدة، لا تختلف بين الأصوليين سوى التسمية أو حدود العمل بها.

فإنما الاختلاف راجع إلى أسس المدرستين وقواعدهما العملية؛ حيث أن مدرسة المتكلمين اتجهت إلى تحقيق القواعد الأصولية تحقيقا منطقيا، فكانت الأصول حاكمة على الفروع، ويظهر ذلك جليا في تصدير كتب المتكلمين بالمقدمات المنطقية، ثم اللغوية.

وأبرز مثال على ذلك؛ تقسيم الدلالات إلى لفظية وغير لفظية، ثم تقسيم الدلالة اللفظية إلى أنواع ثلاثة، الذي يهمنا منها في موضوع بحثنا هي: الدلالة اللفظية الوضعية، والتي تنقسم بدورها إلى ثلاث أقسام:

   1- دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على تمام مسماه كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وسميت كذلك لأن اللفظ طابق المعنى.

   2- دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على جزء معناه، كدلالة الإنسان على الحيوان، فاللفظ تضمن ما دل عليه.

   3- دلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على لازمه كدلالة الأسد على الشجاعة، حيث ينتقل الذهن عند سماعه اللفظ منه إلى المعنى اللازم.

في حين أن مدرسة الأحناف اعتمدت في استخلاص أصولها من الفروع ، فكانت الأصول محكومة بالفروع.

ولأن الأمر كذلك، فإننا سننتهج في البحث طريقة المتكلمين، لأنها الأوسع والأشمل لما عرفه الأحناف وغيرهم، وما أضاف عليه المتكلمون أنفسهم، حسب الطريقة التي انتهجوها في الدراسة. كما سنحاول عقد مقارنات بين هذه المناهج ومعرفة الثمرة الناتجة عن هذا الخلاف الاصطلاحي.

هذا، مع ملاحظة أن فقهاء القانون الوضعي في معظم البلاد العربية يتبنون طرق الدلالات نفسها التي عند الأصوليين، بل ويطلقون عليها المصطلحات عينها، لذا فإني سأورد ضمن كل دلالة مثالاً قانونياً.

المبحث الأول

المنطوق

تعريفه: ما دل عليه اللفظ في محل النطق على الحكم المذكور، ويكون حالاً من أحواله[3]. أي هو متلقى من المنطوق به المصرح بذكره.[4]

ومثاله: قوله تعالى: { فلا تقل لهما أف}، منطوقه تحريم التأفيف لأن هذا الحكم هو الذي نأخذه من اللفظ أو بتعبير آخر هو الذي دل عليه اللفظ نطقاً.[5]

أقسامه: هو قسمان: 1- منطوق صريح. 2- منطوق غير صريح.

أولاً- المنطوق الصريح: هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن، إذ أن اللفظ قد وضع له[6]. وهو عبارة النص عند الأحناف.

أي هو ما يعلم من اللفظ بمجرد العلم بالوضع اللغوي، وما يتبادر معناه لغة بمجرد قراءته أو التلفظ به، أو سماعه، دون وساطة أي شيء آخر[7]. وهو دليل المطابقة. أو تدل اللغة على جزء منه، وهو دليل التضمن[8].

ومثاله: قال تعالى: { وأحلّ الله البيع وحرّم الربا}، فقد دل النص بمنطوقه الصريح على جواز البيع وحرمة الربا، بلا أي تأمل.

ملاحظة: المنطوق الصريح يتمثل في الحقيقة والمجاز (وهذا على سبيل التجوز)، قال الشنقيطي: " المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق بأن لا يتوقف استفادته من اللفظ إلا على مجرد النطق، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازاً.

فاللفظ الدال بمنطوقه إن ورد من الشارع وكان مترددا بين أمور فيحمل أولاً على الحقيقة الشرعية"[9].

دلالة العبارة عند الأحناف:

قال البزدوي: "عبارة النص هي العمل بظاهر ما سيق الكلام له"[10]. وقيل أيضاً: هي الحكم الثابت بعين النص أي بعبارته، أي ما أثبته النص بنفسه وسياقه[11].

وسميت الألفاظ الدالة على المعاني عبارات لأنها تفسر ما في الضمير الذي هو مستور، ويدخل فيها؛

    النص: من أقسام الواضح الدلالة وهو ما سيق له الكلام أصالة.

     الظاهر: وهو ما سيق الكلام له تبعاً لا أصالة.

    المفسر، والمحكم، والخاص، والعام، والصريح، والكناية.

فكل هذه الاصطلاحات يطلق على دلالتها المباشرة على المعنى؛ عبارة النص[12].

أمثلة:

 1. قال تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة }. الآية تدل على

  إباحة الزواج: وهو المعنى الظاهر من الصيغة، ولكنه ليس المقصود أصالة.

  قصر عدد الزوجات على أربع كحد أقصى.

  الاقتصار على واحدة عند خوف الجور.

والأخيران هما المقصودان أصالة في هذه الآية.

فدلالة الآية على هذه الأحكام دلالة بعبارة النص مع أنها ليست كلها على درجة واحدة من القصد في السوق[13]، فهي بين الواضح والصريح.

2- قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، تدل الآية بعبارتها على حرمة قتل النفس.

مقارنة بين المتكلمين والأحناف:

أ- المنطوق الصريح عند المتكلمين يتأسس على دلالتي المطابقة والتضمن، أما عند الأحناف فعبارة النص تضمن الدلالات الثلاث (المطابقة، والتضمن، والالتزام). [14]

ومثاله قوله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا} تدل الآية؛ أولاً على حل البيع وحرمة الربا، وثانياً على التفرقة بين البيع والربا في حكمهما ونفي المماثلة بينهما، والثاني هو المقصود أصالة لأن الآية جاءت رداًّ على الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، فجاء هذا الحكم بدلالة الالتزام، وليس من باب الدلالة المطابقية ولا التضمنية.

ب- دلالة الإيماء عند الأحناف تدخل ضمن دلالة العبارة لأن الإيماء إلى معنى من المعاني مقصود للمشرع أو المتكلم، ولأنها من باب دلالة الالتزام.

ومثاله في قوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، في هذه الآية إيماء إلى أن السرقة هي العلة في القطع، وهي مقصود الشارع، لذلك فهي من باب عبارة النص.

أما عند المتكلمين فهي من باب المنطوق غير الصريح على ما سنرى في الصفحات القادمة إن شاء الله.

مثال قانوني:  ما نصت عليه المادة 45 من القانون المدني المصري:

 1.  لا يكون أهلا لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون.

 2.  وكل من لم يبلغ السابعة يعتبر فاقدا للتمييز.

فنص هذه المادة يدل على ما يلي:

 1.  أن فاقد التمييز يعتبر عديم الأهلية.

 2. أن سبب فقد التمييز يكون لصغر السن أو للإصابة بعته أو جنون.

 3. أن صغر السن يعني عدم بلوغ السابعة.

والمعاني التي ذكرت دل عليها النص بعبارته، وهي المقصود الأصلي من النص فدلالة المادة السابقة الذكر على تلك المعاني دلالة عبارة.[15]

ثانياً- المنطوق غير الصريح: وهو دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام، أي أنه ما لم يوضع اللفظ له بل هو لازم لما وُضع له[16].

عدم صراحة هذا المنطوق تأتى من جهة أن اللفظ لا يدل عليه مباشرة، وإنما يدل عليه من خلال التأمل في اللفظ[17].

ومثاله قوله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف }، تدل الآية على أن النسب يكون للأب لا للأم، وأن نفقة الولد على الأب دون الأم.

لفظ "الأم" في الآية لم يوضع لإفادة هذين الحكمين، ولكن كل منهما لازم للحكم المنصوص عليه في الآية .

أقسامه: اتفق جمهور الأصوليين على أن المنطوق غير الصريح ذي ثلاثة أنواع:

1- دلالة اقتضاء.

2- دلالة إيماء.

3- دلالة إشارة.

ويتأتى هذا الحصر بسبب أن:

  المدلول عليه بالالتزام إما؛ أن يكون مقصودا للمتكلم، أولا يكون مقصودا له.

  فإن كان مقصودا له، فذلك قسمان:

ا- ما يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته من جهة العقل أو الشرع.

ب- مالا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته.

           وإن لم يكن المدلول مقصودا للمتكلم فتسمى دلالة اللفظ عليه دلالة إشارة[18].

أولا: دلالة الاقتضاء: عرفها الغزالي: " أنها ما تكون من ضرورة اللفظ، إما من حيث إن المتكلم لا يكون صادق إلا به ، أو من حيث امتناع وجود اللفظ شرعا إلا به، أو من حيث يمتنع ثبوته عقلا"[19]

أنواعها: تتوضح لنا أنواع هذه الدلالة من خلال التعريف السابق، فهي أنواع ثلاث:

 1. المقتضى الذي يجب تقديره لصدق الكلام.

كقوله صلى الله عليه وسلم:" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

ظاهر الحديث يدل على رفع الخطأ والنسيان والإكراه، وكل ذلك لم يرفع بدليل وقوع الأمة فيه، أو يدل على رفع الفعل الذي وقع خطأ أو نسيانا.

فلابد لضمان صدق الكلام وهو صادر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من تقدير لفظ محذوف يتم به تصحيح الكلام؛ فنقول " رفع عن أمتي إثم أو حكم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

2- المقتضى الذي يجب تقديره لصحة الكلام عقلا.

كقوله تعالى :" واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون".

ظاهر الآية سؤال القرية وهذا لا يصح.

فلابد من تقديره ليسلم الكلام ويصح من الوجهة العقلية؛ فنقول: اسأل أهل القرية.

ومثاله أيضا قوله تعالى :{ حرمت عليكم أمهاتكم}، لابد من تقدير الكلام ليصح عقلا، فنقول: حرم عليكم وطء أمهاتكم.

3- المقتضى الذي يجب تقديره لصحة الكلام شرعا.

ومثاله قول الرجل: أوقف منزلك عني بألف. العبارة تقتضي تقدير التمليك أولا لأن الوقف لا ينشأ إلا عن ملك، قتصح بقولنا: بعني منزلك بألف ثم أوقفه عني[20].

دلالة الاقتضاء عند الأحناف:عرف الأحناف هذه الدلالة بقولهم: "هو الذي لا يدل عليه اللفظ ولا يكون منطوقا، لكن يكون من ضرورة اللفظ"[21]. أما أنواعها الثلاث فهي نفسها عندهم كما ذهب إلى ذلك علاء الدين البخاري فقال: "اعلم أن عامة الأصوليين من أصحابنا وجميع أصحاب الشافعي، وجميع المعتزلة جعلوا ما يضمر في الكلام لتصحيحه ثلاثة أقسام"[22].

وهنا يظهر الاتفاق بين الفريقين في الاصطلاح والتسمية. ويبدو الاختلاف في عدّ الأحناف هذه الدلالة قائمة بذاتها، بخلاف المتكلمين الذين جعلوها قسما من أقسام المنطوق غير الصريح.

كما أنهم (الأحناف) يبينون أهمية المقتضى بقولهم: "واعلم أن الشرع متى دلّ على زيادة شيء في الكلام لصيانته عن اللغو ونحوه. فالحامل على هذا - صيانة الكلام- هو المقتضى. ودلالة الشرع على أن هذا الكلام لا يصح إلا بالزيادة هو الاقتضاء.

وبقولهم دلالة الشرع، فإن هذا قيد يخرج به ما دلالة صدق الكلام واقعا أو عقلاً، فهو من باب المحذوف، لا من المقتضى.

وقد فرّق صاحب كشف الأسرار بينهما بكلام طويل، قال: "أن المقتضى يصح به المعنى، أي يصير به مفيداً لمعناه، وموجبا لما تناوله، أي لا يتغير ظاهر الكلام عن حاله وإعرابه عند التصريح. أما المحذوف وإن كان يصح المذكور إلا انه ربما يتغير به ظاهر الكلام عن حاله وإعرابه". لكن هذه القاعدة -فيما يبدو- أغلبية، وليست مطردة، في ذلك ظهرت اعتراضات.

مثال قانوني: ومن ذلك نص المادة 151 مدني قديم، التي تقضي بأن (كل فعل نشأ عنه ضرر للغير ينشأ عنه ملزومية فاعله بتعويض الضرر)، ومعروف أن الالتزام بالتعويض لا يكون في حالة الفعل المبني على حق ويترتب عليه ضرر. ولذا فإن صحة الكلام شرعا- أي من الناحية القانونية- تقتضي تقدير لفظ (خطأ) ليصبح النص (كل فعل خطأ…)[23].

ثانياً-دلالة الإيماء أو التنبيه: فهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمشرع، ولكن تتوقف عليه بلاغة الكلام لا صدقه أو صحته عقلاً أو شرعاً.

أولاً- وذلك بأن يورد المشرع نصا، يرتب فيه الحكم على وصف بحرف الفاء، فإن هذا الترتيب، أو الاقتران، ينبه أو يومئ إلى ذلك الوصف علة الحكم.

 1. ففي كلام الله تعالى قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، حيث نبهت "الفاء" وأومأت إلى أن العلة في القطع هي السرقة، وحيث أنه لا تصريح على أن وصف السرقة علة لحكم القطع، وسببه الموجب له[24].

 2. وأما في كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من أحي أرضاً ميتة، فهي له"، رتب الشارع هنا اكتساب ملكية الأرض الموات البور، التي لا مالك لها، والخالية من العمران، والزرع، على إحيائها، زراعة أو عمراناً، فأومأ أو نبه هذا الترتيب بحرف "الفاء" إلى أن "الإحياء" هو علة أو سبب كسب ملكية تلك الأرض[25].

 3. أما في كلام الراوي، فمثاله قول ذي اليدين: ر سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد}، فيدل الكلام أن ما رتب عليه الحكم بالفاء يكون علة للحكم، لكون "الفاء" في اللغة ظاهرة في التعقيب[26]. فالكلام يومئ بـ(الفاء) إلى أن العلة في السجود هو "السهو".

ثانياً- ما لو حدثت واقعة، فرفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم عقيبها بحكم، فيدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم[27].

ومثاله؛ أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: هلكت وأهلكت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما صنعت؟ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عامداً. فقال عليه السلام: اعتق رقبة.

فصدور ذلك الحكم من الرسول صلى الله عليه وسلم عقب سؤال الأعرابي وروايته ما حدث منه، يومئ إلى أن الوقاع في نهار رمضان عمدا هو العلة للعتق ووجوب الكفارة. وتقديرها كأنه قال له: { واقعتَ فكفِّر}[28].

فهذين أهم أقسام دلالة الإيماء، حيث توجد أقسام أخرى هي أكثر ارتباطاً بالعلة والقياس، لذلك فمباحثها تدرج هناك[29].

الأحناف:لم ترد عندهم هذه الدلالة مطلقاً، فلم يتطرقوا إليها وإنما دل سياق حديثهم عن عبارة النص وما عرفه المتكلمون من دلالة الإيماء فأدخلوها فيها ضمنا. والسبب في ذلك أن الأحناف في عبارة النص يركزون على القصد، والإيماء مقصود، لذلك كان عندهم من باب دلالة العبارة.

ثالثاً- دلالة الإشارة:عرفها الجويني بأنها "دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم، لا يتوقف عليه صدق الكلام وصحته"[30]، كما عرفها الغزالي: "بأنها ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه"[31].

وأمثلتها لا تحصى كثرة في الفقه  إسلامي؛

 1. قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}، وقوله تعالى أيضا: {فصاله في عامين}، فدلت الآيتان على أن أقل مدة الحمل ستة اشهر وإن لم يكن ذلك مقصوداً للشارع من اللفظ. فالفصال في أربعة وعشرين شهر، يبقي ستة أشهر هي أقل تقدير للحمل.

 2. قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنت لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}، ففي هذه الآية أباح الله جل شانه المباشرة، وجعل ذلك الحل ممتداً حتى طلوع الفجر؛ وجواز المباشرة على هذه الكيفية هو المقصود من الآية، وهو منطوقها. إلا أنه يلزم منه جواز أن يصبح الصائم جنباً[32].

الأحناف: يعرفون هذه الدلالة في مقابلة الدلالة الأولى عندهم (عبارة النص)، حيث أن عبارة النص هي: الحكم الثابت بعين النص أي بعبارته ما أثبته النص نفسه وسياقه.

يقابلها الإشارة: وهي العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه[33]. فهو ليس بظاهر من كل وجه وإنما يحتاج إلى ضرب من التأمل وإعمال الفكر.

مثال قانوني: ما تنص عليه المادة 1033 مدني مصري من أنه (إذا كان الراهن غير مالك للعقار المرهون فإن عقد الرهن يصبح صحيحا إذا أقره المالك الحقيقي بورقة رسمية …)، فيفهم من نص هذه المادة بدلالة العبارة أن الإقرار يصحح رهن ملك الغير، ويدل عن طري الإشارة أن عقد رهن ملك الغير لا يكون باطلا بطلانا يجعله منعدما، لأن الإقرار يرد عليه، والإقرار لا يرد على معدوم[34].

المبحث الثاني

المفهوم

والمفهوم: هو ما قابل المنطوق، وهو معنى دل عليه اللفظ لا في محل النطق[35]. أي هو دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكر في النص، ولم ينطق به.

والحكم المستفاد عن طريق المفهوم، قد يكون موافقا لحكم المنطوق، نفيا وإثباتاً، وقد يكون مخالفا له في ذلك.

أي: - مفهوم موافقة.

-مفهوم مخالفة.

الأول:- مفهوم الموافقة:

يسمى أيضا تنبيه الخطاب، وفحوى الخطاب، ومفهوم الخطاب. ويقابله دلالة النص عند الأحناف.

تعريف: هو إعطاء ما ثبت للفظ من الحكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى والأحرى سواء كان ذلك الحكم المنطوق به منهيا عنه أو موجبا[36].

أقسامه: قال صاحب نشر البنود: "وبعضهم جعل الموافقة قسمين؛

    دلالة الأولى (فحوى الخطاب): وهو ما كان المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، لظهور المعنى، وتنبه الذهن له عند فهم مدلول الخطاب[37]. ومثاله قوله تعالى في شأن الوالدين: { فلا تقل لهما أف}، فالمولى رب العزة نهى عن التأفف، أي التضجر في وجه الوالدين، وهذا ما يدل عليه منطوق الآية. وأما حكم ضربها -وهو غير المذكور في الآية- فهو أولى بالتحريم لأنه أبلغ في إيذائهما. وهو أمر مسكوت عنه[38].

ولدلالة الأولى أقسام

أ- حالة يرد فيها التنبيه من جهة اللفظ بالأدنى على الأعلى، ومثاله الذي ذكرناه سابقا؛ التأفف والضرب.

ب- حلة يرد فيها التنبيه من جهة اللفظ بالأعلى على الأدنى، ومثاله قوله تعالى: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما}، فالمسكوت عنه وهو الدرهم والدينار أولى في تأديتهم له من القنطار الذي دل المنطوق على انهم يؤدونه[39].

  n  دلالة المساواة (لحن الخطاب): وهو ما كان مساويا له فيه. ومثاله قوله تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون سعيراً}، فالحكم تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه نظراً للمعنى أي العلة. فهو مساو لتحريم الأكل لمساواة الإحراق للأكل في الإتلاف.

وقيل أن لحن الخطاب هو دلالة الاقتضاء (لأن اللحن يأتي بمعنى الفطنة)[40] كما قوله صلى الله عليه وسلم :" فلعل بعضهم أن يكون ألحن بحجته من بعض".

تنبيه:

دلالة النص عند الأحناف: دلالة النص عند الأحناف يقابلها عند المتكلمين مفهوم الموافقة؛ وهي تأتي عندهم في المرتبة الثالثة بعد العبارة والإشارة.

تعريف: قال البزدوي: "وأما الثابت بدلالة النص؛ فما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهاداً ولا استنباطاً"[41] وهو نفسه تعريف السرخسي.

فالأحناف والجمهور يلتقون في أن دلالة النص هي: " ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه لاشتراكهما في معنى يدرك بمجرد فهم اللغة دون حاجة بحث واجتهاد"[42].

هذا وإن أوجه الاتفاق حاصل في :

 1.  ارتباط هذه الدلالة باللغة وعدم استنادها للقياس.

 2. تأتي من جهة اللغة عن طريق المعنى بدلالة سياق الكلام ومقصوده وليس عن طريق العرف.

 3. تحتاج إلى بعض تبصر وتأمل لا إلى كثير من الاجتهاد، فإدراك موجب الحكم يكون بالغة، وإن كان الظهور والوضوح على مراتب تتفاوت بحسب طبيعة النص[43].

أما وجه الاختلاف بين الجمهور والأحناف ففي التفرقة بين دلالة بين دلالة النص والقياس الأصولي، حيث أن العلة في دلالة النص بيّنة واضحة بمجرد اللغة (أساسها لغوي)، في حين أن القياس لا تدرك علته إلا بالاجتهاد (أساسه عقلي)، فالعلة في دلالة النص شرط في تناول المعنى اللغوي لأفراده وليست شرطا لثبوت الحكم في غير المنطوق، بخلاف علة القياس فهي شرط لثبوت الحكم في الفرع[44].

مثال قانوني:  تنص المادة 576 من القانون المدني المصري على أن (على المؤجر أن يتعهد العين المؤجرة بالصيانة لتبقى على الحالة التي سلمت بها، وأن يقوم في أثناء الإجارة بجميع الترميمات الضرورية دون الترميمات التأجيرية). فهذه المادة تدل بعبارة النص على عدم قيام المؤجر بالترميمات التأجيرية، والعلة في عدم تكليفه بذلك هي الضرر، وهي علة واضحة إذا ما كلف بإنشاء حجرة مثلا فتكون العلة في الحالة الأخيرة ظاهرة بشكل أقوى، وكان النص في القانون القديم (لا يكلف المؤجر بعمل أي مرمة كانت …)، وينطبق نفس الحكم أيضا بدلالة الفحوى.

الثاني- مفهوم المخالفة: تعريف: هو إثبات نقيض المنطوق به للمسكوت عنه[45]. ويسمى دليل الخطاب، وتنبيه الخطاب، ولحن الخطاب.

فعرفه الآمدي بأنه "ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت فيه مخالفا لمدلوله في محل النطق"[46]، وعرفه أديب صالح بأنه "دلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق، وذلك لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في هذا الحكم"[47].

شروط الأخذ بمفهوم المخالفة: لمفهوم المخالفة بأنواعه شروط مؤداها الدلالة على الحكم بأن تنفي الحكم عند انتفائه، وهي من شأنها -كما يقول أديب صالح- "أن تمهد الطريق لتتقارب مسالك الأئمة في شأن الأخذ بها بهذا المفهوم إلى حد بعيد".

الشرط الأول: أن لا يوجد في المسكوت عنه المراد إعطاؤه حكما، دليل خاص يدل على حكمه. ومثاله؛

 1. قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}، تدل هذه الآية بمنطوقها على جواز قتل الأنثى بالأنثى، وتدل بمفهومها المخالف على عدم جواز قتل الذكر بالأنثى. لكن هذا المفهوم متروك، لورود نص خاص يدل على وجوب القصاص بين الرجل والمرأة، وهو قوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}[48]، فهنا مفهوم المخالفة لا يتحقق بحال.

 2.  قوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا}، دلت الآية بمنطوقها على جواز القصر في حال الخوف، وتدل بمفهومها المخالف على عدم القصر في حال الأمن. لكن العلماء اتفقوا على أن هذه المخالفة لا تصح بأي حال، فقد دل دليل خاص على جواز القصر في حال الأمن أيضا، وهذا الدليل هو قوله عليه الصلاة والسلام: { صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته}، وهذا الحديث جواب عن سؤال الذين تعجبوا من القصر في حال الأمن.

الشرط الثاني: ألا تظهر للمسكوت عنه أولوية بالحكم أو مساواة. فإن وقع شيء من ذلك كان مفهوم موافقة لا مفهوم مخالفة. قال تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا

  تدل الآية بمنطوقها على حرمة أكل مال اليتيم.

  وتدل بمخالفها على أن غير الأكل ، من التقصير في الحفظ والإحراق ، لا يكون محرما؛ وذلك عملا بمفهوم القيد.

الشرط الثالث: ألا يكون القيد الذي قيد به الحكم في المنطوق قد جاء لبيان العم الأغلب. وأمثلة:

1- قال تعالى:{ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللتي دخلتم بهن}.

 الغالب كون الربائب في حجور أزواج أمهاتهن؛ ولأن هذا الغالب في عادة الناس، ولم يذكر هذا على أنه قيد هنا، فيكون حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافه فيكن حلالا لهم.

وإنما ذكر " اللاتي في حجوركم" ليؤكد على الوصف الغالب ، لا على أساس أنه شرط للحكم. فالغالب أن الربائب يكن في حجر من يتولون تربيتهن من أزواج أمهاتهن. فالمجمع عليه حرمة زواج الرجل من ربيبته المدخول بأمها[49].

2 - وقوله تعالى أيضا: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}، ويبدو من مفهوم المخالفة أن الخلع لا يجوز عند عدم الخوف، وذلك لأن الخلع إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بأمر الله، فتفتدي الزوجة نفسها بمال تعطيه للزوج نظير تطليقها. لكن هذا الشرط خرج مخرج الغالب والعادة الغالبة.

الشرط الرابع: ألا يكون للقيد الذي قُيد به النص فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت. وذلك كالترغيب أو التفحيم، أو الامتنان، أو المبالغة[50] .. وغير ذلك كثير.

أمثلة:

 1.  قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة}، فلو أخذنا بمفهوم المخالفة، لكان الربا الخالي عن المضاعفة غير حرام، لكن قيد الربا المنهي عنه بأن يكون أضعافاً مضاعفة جاء للتنفير منه وحكاية لواقع حال الجاهلية.

 2. قال تعالى: { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} وأهميته الاهتمام بالأمر والتنبيه على مرتبته، وليس معنى ذلك أن ارفث والفسوق منهي عنهما في وقت الحج فقط، بل في كل زمان ومكان.

وغيرها من الشروط كثيرة؛ ألا يكون القيد قد جاء جوابا لسؤال أو في معرض المعالجة لحالة خاصة[51]،  وأن يكون القيد مذكوراً استقلالاً لا تبعاً لشيء آخر، ..

وحاول الدريني اختصار هذه الشروط في؛ أن لا يعارض هذا المفهوم منطوقا،

أنواع مفهوم المخالفة: قيل أنه منقسم إلى عدة أصناف متفاوتة في القوة والضعف.

النوع الأول- مفهوم الصفة: وهو تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف. والمراد بالصفة عند الأصوليين تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه ليس بشرط ولا غاية، ولا يريدون به النعت فقط.

ومعلوم عند العرب أن الشيء إذا كان له وصفان فوصف بأحدهما دون الآخر كان المراد به ما فيه تلك الصفة دون الآخر[52]. ويزيد الشيخ أديب صالح ذلك توضيحاً بقوله: "الصفة المرادة هي مطلق التقييد بلفظ آخر، ليس بشرط ولا عدد ولا غاية"[53].

أمثلة:

 1. قال تعالى: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}، هذه الآية تدل بمنطوقها الظاهر على أن المدين المعسر الذي لا قدرة له على أداء الدين، ينبغي إمهاله حتى يوسر ويتمكن من أداء ما عليه. وتدل بمفهوم المخالفة على أن المدين الموسر ليس حكمه كذلك، وإنما تجوز مطالبته بما ثبت في ذمته من دين. قوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}، دلت هذه الآية بمنطوقها على أن المسلم الذي لا طول له، أي الذي لا يملك القدرة على الزواج بالحرائر، يباح له الزواج بالإماء المؤمنات. ودلت بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز للمسلم الزواج في حال عدم القدرة بالإماء الكافرات. والقيد هنا هو وصف الإيمان: أي إباحة الزواج بالإماء المؤمنات عند عدم القدرة على زواج الحرائر[54].

 2. مثال قانوني: نص المادة 466 مدني مصري (إذا باع شخص شيئا معينا بالذات وهو لا يملكه جاز للمشتري أن يطلب إبطال البيع)، والمفهوم المخالف لهذا النص أن بيع الشيء غير المعين بالذات ليس قابلا للإبطال، وهذا مفهوم الصفة[55].

النوع الثاني- مفهوم الشرط: يعرف الشوكاني الشرط قائلا: "ما يتوقف عليه المشروط ولا يكون داخلاً في المشروط ولا مؤثرا فيه" هذا تعريف المتكلمين.

أما عند النحاة فالشرط هو "ما دخل عليه أحد الحرفين (إن) أو (إذا) أو ما تقوم مقامها مما يدل على سببية الأول، ومسببية الثاني"[56]. والشرط اللغوي هو المقصود عندنا هنا، وبالتالي يكون تعريف هذا المفهوم بأنه: "دلالة اللفظ المفيد لحكم معلق على شرط ثبوت نقيض ذلك الحكم في السكوت عنه عند عدم الشرط"[57].

ومثاله:

1- قال تعالى: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}، تدل الآية بمنطوقها على وجوب نفقة العدة للمطلقة طلاقاً بائناً إذا كانت حاملاً، وتدل بمفهومها المخالف على عدم وجوب النفقة للمعتدة غير الحامل. والمفهوم المخالف في الآية: مفهوم الشرط لن الحكم فيها مرتب على شرط بأداة (إن) في قوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ..}[58].

2- قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: " الواهب أحق بهبته، إذا لم يثب عنها".

أ- يدل نص الحديث على ثبوت حق الواهب في الرجوع في هبته، مقيدا ذلك بشرط عدم أخذه عوضا عنها.

ب- ويدل هذا التقييد بالشرط، على أنه لا حق له في الرجوع في هبته إذا أخذ عوضا عنها .. لانتفاء الشرط. وهو مفهوم معاكس للمنطوق[59].

مثال قانوني: ومن مفهوم الشرط ما نصت عليه المادة 437 من القانون المدني (إذا هلك المبيع قبل التسليم لا يد للبائع فيه، انفسخ البيع واسترد المشتري الثمن، إلا إذا كان الهلاك بعد إعذار المشتري لتسليم المبيع)، فيستفاد من هذا النص بمفهوم المخالفة أنه إذا هلك المبيع بعد التسليم أو هلك بعد إعذار البائع المشتري لتسليم المبيع، لا ينفسخ البيع ولا يسترد المشتري الثمن[60].

النوع الثالث- مفهوم الغاية: تعريف: مفهوم الغاية هو مد الحكم بإلى أو حتى. وغاية الشيء آخره[61].

غير أن هذا التعريف يبدو مبهماً، حيث لم يتعرض إلى الحكم النقيض بعد هذه الغاية.

ويعرفها أديب صالح بتعريف جامع مانع بقوله: "أنها دلالة النص الذي قُيِّد بغاية على انتفاء ما جاء به من حكم بعد هذه الغاية وثبوت نقيضه عند ذلك"[62]، ثم يوضح هذا المفهوم بقوله: "فإن كلمة (حتى) و(إلى) لانتهاء الغاية، والتقييد بحرف الغاية -وكما هو معلوم من الوضع اللغوي- يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية"[63].

أمثلة: ولهذا المفهوم أمثلة لا تحصى في القرآن، منها؛

 1.  في قوله تعالى: { ولكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل}.

  دلت هذه الآية بمنطوقها في الجزء الأول منها على إباحة الأكل والشرب في ليل رمضان، ومدت تلك الإباحة حتى طلوع الفجر.

   ودلت بمفهومها المخالف على أن الكل والشرب حرام بعد هذه الغاية، وهي طلوع الفجر. وما أدرك هنا من مفهوم مخالف منشؤه ربط الحِلِّ بزمن معين وغاية محددة بلفظ (حتى).

  ودلت الآية في جزئها الأخير بمنطوقها على وجوب مد الصوم إلى الليل.

  ودلت بمفهومها المخالف على عدم وجوب الصيام في الليل، والمفهوم المخالف هنا مفهوم غاية لأن (إلى) تستخدم للغاية[64].

2- وجاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"[65].

  يدل الحديث بمنطوقه على عدم وجوب الزكاة في المال قبل حولان الحول.

  ويدل بمفهوم المخالفة على وجوب الزكاة بعد انتهاء الحول.

ومن أمثلة القانون: ما ينص عليه كثيرا في النصوص ( يعمل بهذا القانون إلى أن يصدر ما يخالفه)[66] .

النوع الرابع- مفهوم العدد: "وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدا كان أو ناقصا"[67].

ويبقى دوما مستند اللغة أقوى في الدلالة على حجية هذه المفاهيم، قال الشوكاني: "والعمل  به معلوم من لغة العرب ومن الشرع، فإن من أمر بأمر وقيده بعدد مخصوص فزاد المأمور على ذلك العدد أو نقص عنهن فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقصان كان هذا الإنكار مقبولا عند كل من يعرف لغة العرب"[68].

وأمثلته: وأغلب ما يكون لهذا المفهوم من أمثلة في العقوبات، والكفارات، وفرائض الإرث.

 1. قال تعالى: { والذين يرمون المحصنات الغافلات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}

  التقدير بالعدد تحديد للمعدود، لا تجوز معه الزيادة أو النقص، وإلا لما كان للتقدير معنى[69]. فكان مفهوم المخالفة عدم جواز الزيادة على ذلك العدد أو النقصان عنه[70]. حيث أن الزيادة يكون فيها ظلم يلحق بالمحكوم عليه، بإيذائه أو إضراره فوق ما ينبغي من إحقاق الحق. وأما النقص فإهدار للعقوبة جزئيا، لأن مؤداه أن العقوبة لم توقع بكاملها.

  وهنا وجب التنبيه على أن التقييد بالعدد قد لا يكون للحصر، بل للحصر والقياس عليه، أو لمجرد التكثير والمبالغة المطلقة، فوجب الانتباه.

ومثال الأول: قوله صلى الله عليه وسلم "اجتنبوا السبع الموبقات؛ الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ..". فمقصود الشارع هنا هو التمثيل ليلحق بها غيرها مما يشترك في معناها من المعاصي المهلكات.

ومثال الثاني: قوله تعالى: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}، فليس العدد هنا للحصر والتحديد، بل للمبالغة في قطع الأمل المعقود على تكرار الاستغفار[71].

مثال قانوني: ومن مفهوم العدد نص المادة 140 من القانون المدني المصري ( يسقط الحق في إبطال العقد إذا لم يتمسك به صاحبه خلال ثلاث سنوات)[72].

النوع الخامس- مفهوم اللقب: تعريف: هو دلالة منطوق اسم الجنس أو اسم العلم على نفي حكمه المذكور عن ما عداه. وقال الشوكاني: "هو تعلق الحكم بالاسم العلم أو النوع"[73].

وإن لهذا المفهوم مثبتون قليلون، أما ناكروه فهم كثر، فلم يقرّ به إلا القليل بخلاف الجمهور الذين أقروا بالمفاهيم السابقة، فإنهم هنا أقروا بالبطلان. فلا سند له لا لغوي ولا شرعي ولا نقلي كما قال الشوكاني[74].

ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " ليُّ الواجد ظلم يحل عقوبته". أي أن مطل الغني على أداء الدين يظلم يسوغ العقاب، ويدل الحديث بمفهوم المخالفة على أن مطل الفقير العاجز عن الوفاء لا يعد ظلماً فلا يستحق العقاب. ففي هذا الحديث جاء اللقب منبئا عن صفة فصحّ به مفهوم المخالفة.

أما اللقب الجامد فليس بقيد بل هو موضوع الحكم، مثل حديث الرسول عليه الصلاة والسلام" في البُر صدقة" فإنه لا يؤخذ بمفهوم المخالفة نفي الصدقة في غير البُر.

والملاحظ عند الباحثين المعاصرين أنهم لم يتوقفوا كثيرا أو قل البتة عند هذه المفاهيم المنكرة، فالدريني ذكر المفاهيم الأربعة ثم لم يواصل، أما الدكتور أديب صالح فذكر المفاهيم الخمسة (زائدا مفهوم اللقب ولم يعلق)، غير أن الدكتور بابكر رجح التتابع فتحدث أيضا عن المفهوم السادس.

النوع السادس- مفهوم الحصر: تعريف: هو انتفاء المحصور عن غير ما حصر فيه وثبوت نقيضه له.

أنواعه:

 1. أقواها: مفهوم المخالفة الناتج عن النفي والاستثناء؛ (ما) و(إلا)، ومثاله:

        ما قام إلا زيد، ففيه ثبوت القيام لزيد ونفيه عن غيره.

         لا عالم في البلد إلا زيد، ففيه ثبوت العلم لزيد ونفيه عن غيره.

2. ثانيها: الحصر بـ(إنما): وهو قريب مما قبله في القوة.، ومثاله:

    إنما زيد قائم، فمنطوقه إثبات القيام لزيد وحصره فيه، ومفهومه نفي القيام عن غير زيد.

3. ثالثها: حصر المبتدأ في الخبر، حيث يقدم الوصف على الموصوف الخاص خبراً له، وذلك بأن يكون معرفاً باللام أو الإضافة. ومثاله:

    العالم زيد وصديقي عمرو، المقصود يدل على نفي العلم عن غير زيد، ونفي الصداقة عن غير عمرو[75].

ترتيب المفاهيم:[76]

1. مفهوم النفي والاستثناء، وهو أعلى مفاهيم المخالفة.

2. مفهوم (إنما) والغاية. وذلك لتبادرهما إلى الفهم عند الإطلاق.

3. مفهوم الشرط.

4. مفهوم الصفة.

5. مفهوم العدد.

6. بقية طرق الحصر.

تحليل عام لمفهوم المخالفة: إذا كان الشارع قد خصص حكم المنطوق بحالة معينة وقصره عليها، احترازا عن غيرها من الحالات الأخرى؛ فإن المنطق التشريعي قاض بأنه إذا انتفت هذه الحالة التي قيد بها الحكم، انتفى الحكم تبعا لذلك؛ لأنه فقد أساس تشريعه وثبت نقيضه ، إذ لا يعقل أن تتحد إرادة المشرع وحكمه في حالتين متنافيتين، طالما أنه قد ثبت أن المشرع قد جعل الحالة الأولى قيدا معتبرا في تشريع حكم المنطوق وأساسا له.

وعلى هذا إذا ثبت أن القيد قد تمحض لبيان التشريع في الفروع كانت دلالته على هذا المفهوم المخالف حجة بلا ريب. ولهذا القيد أيضا فوائد أخرى تتجلى في تحديد مجال تطبيق الحكم لا في إنشاء الحكم ( وهنا يكمن السبب الجوهري في رفض الأحناف للعمل بهذا المفهوم المخالف) ؛ لذا وجب تحرير مواطن النـزاع في مفهوم المخالفة؛ وذلك بالتفرقة بين القيد والعلة .

تحرير النـزاع في مفهوم المخالفة: يطرح الأحناف سؤالا للمتكلمين حول هذا المفهوم: هل انتفاء الحكم عند انتفاء القيد إثباتا ونفيا، مستفاد من طريق مفهوم المخالفة، أو ثابت بالعدم الأصلي؟

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم:" في الغنم السائمة زكاة"

يدل الحديث بمنطوقه على لإيجاب الزكاة في الغنم السائمة، وبمفهوم المخالفة يدل على عدو إيجاب الزكاة على غير السائمة أي المعلوفة، هذا عند المتكلمين.

أما الأحناف فيرون أن : الأصل أنه لا زكاة مطلقا قبل ورود الشريعة، فلما ورد النص بإيجاب الزكاة في الغنم السائمة على وجه الخصوص، فإن المعلوفة يبقي حكمها على العدم الأصلي.

ثمرة هذا الخلاف: إذا قلنا بحجية مفهوم المخالفة وإن كانت غير قطعية بل راجحة؛ فإنه يجري عليه القياس.

أما القول بالعدم الأصلي وهو انتفاء الحكم عند انتفاء القيد،  فإنه ثابت بالعدم الأصلي، وبالتالي لا يجرى عليه القياس لأنه ليس حكما شرعيا بل حكم عقلي.

أهمية القيد في مفهوم المخالفة: الحكم في مفهوم المخالفة مرتبط بالقيد وجوداً وعدماً، غير أنه ليس السبب الموجب لهذا الحكم ابتداء ولا الباعث على تشريعه، ولكنه حالة للحكم أو ظرف من ظروفه[77]. أما العلة

فتعد السبب الموجب للحكم والباعث على تشريعه ابتداءً، فهي ذات أثر في الحكم. بخلاف التقييد الذي يظهر أثره في  تشريع الحكم في أمرين:

أ- في تحديد مدى (مجال) تطبيق الحكم.

ب- في تحديد مقداره إذا كان من المقدرات، أو الإعفاء منه[78].

مراجع البحث

1- الآمدي، سيف الدين

الإحكام في أصول الأحكام، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1986).

2- الباجي، أبو الوليد

إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق: عبد المجيد التركي، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986).

3- البخاري، عبد العزيز

كشف الأسرار عن أصول البزدوي، الطبعة الثانية، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1994).

4- الحسن، خليفة بابكر

مناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام، الطبعة الأولى، (القاهرة: مكتبة وهبة، 1989).

5- الخضري، محمد

أصول الفقه

6- الخن، مصطفى سعيد

 أثر القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، الطبعة الثالثة، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1983).

7- الدريني، محمد فتحي

المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، الطبعة الثانية، (دمشق: الشركة المتحدة للتوزيع، 1985).

8- الرازي، فخر الدين

الكاشف عن أصول الدلائل وفصول العلل

9- السعدي، محمد صبري

تفسير النصوص في القانون والشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1979).

10- الشنقيطي، سيدي عبد الله

نشر البنود على مراقي السعود، (المغرب: اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي)ز

11- الشنقيطي، محمد الأمين

مذكرة في أصول الفقه

12- الشوكاني، محمد بن علي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (القاهرة: دار الكتبي، 1992).

13-  الشيرازي، أبو إسحاق

اللمع في أصول الفقه، الطبعة الولى، (دار الكتب العلمية، 1985).

14- صالح، أديب

تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، طبعة المكتب الإسلامي.

15- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد

المستصفى، (القاهرة: المطبعة الميرية، 1904).

الهوامش والمراجع



[1] - د/ محمد فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، ص 267.

[2] - أبو الوليد الباجي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق: عبد المجيد التركي، ص 507؛ أبو لإسحاق الشيرازي، اللمع في أصول الفقه، ص 44.

[3] - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 156.

[4] - الجويني، البرهان، ج1/ ص 448.

[5] -  خليفةبابكر الحسن، مناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام، ص70.

[6] - ارشاد الفحول، ص156.

[7] - المناهج الأصولية، ص464.

[8] - مناهج الأصوليين في طرق الدلالات، ص 71.

[9] - نشر البنو على مراقي السعود، ج1/ ص 89.