أهمية الرياضة في الدين الإسلامي
|
أ.د. سعود بن عبد الله الروقي
أضيف فى 1433/06/03 الموافق 2012/04/24 - 09:07 ص


لقد خلق الإنسان جسماً كثيفاً وروحاً شفافة، جسماً يشده إلى الأرض وروحاً تتطلع إلى السماء، جسماً له دوافعه وشهواته وحاجاته، وروحاً لها أشواق، فكان لابد من الاهتمام به وصقل أجسامهم وإنارة عقولهم بجانب تهذيب أخلاقهم وتزكية نفوسهم .

لهذا اهتم الإسلام بالقوة، فقال عليه الصلاة والسلام: "المؤمنُ القويُ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خيرٌ" (1)، كما جاء الأمر في القرآن بالأخذ بأسباب القوة في غير ما آية، مع وضع القواعد والقيم لاستخدامها بحيث مدح القرآن القوة متى ما استخدمت وفق ضوابط الشرع، وتحكم فيها صاحبها ووجهها للاصلاح قال تعالى في حق طالوت، وبيان سبب اصطفائه: {إن الله اصفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم}(2). كما امتدحها الله لدى سيدنا موسى {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} (3).

كما ذم القرآن القوة متى ما استخدمت في الظلم والطغيان، أو لم تصل بصاحبها إلى معرفة الله وتعظيمه، قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة}(4)، فلم يكن للأجسام قيمة من غير توجيهها لمحاسن الأخلاق، وترسيخ القيم الرفيعة، ويقول عليه الصلاة والسلام: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (5).

وفي ذلك تهذيب للقوة الجسدية حتى لا تكون طائشة، بل يضبطها صاحبها ويوجهها إلى مافيه الخير .

وإذا كان الشرع الحنيف يدعو لتقوية الأجسام، وكانت الرياضة من الوسائل الفعالة لتقوية الجسم وتقويمه، فإنها تكون مطلوبة شرعاً لتحقيقها لمصلحة راجحة متى ما روعيت فيها الضوابط الشرعية، وخلت من المفسدة والتعصب، والشحناء وكل ما فيه ظلم وبغي أو تعدٍ لأحكام الشرع .

كما أمر الإسلام بإعداد القوة وتعهد الجسد مثلما أمر بتعهد الروح، فإنه أمر بغذاء الجسم وتعهده بالغذاء الحلال وحرّم الأعذية الفاسدة والمضرة بالجسم، وفي ذلك مدعاة لتنبيه الرياضيين أن يتعهدوا أنفسهم بالغذاء الحلال ويبتعدوا عن كل ما حرم الله، ويضر بالجسد من مخدرات ومنشطات حتى تكون الرياضة وسيلة لتقوية الجسم، مما يمكن العبد من طاعة ربه في جد ونشاط .

ومثلما أمر الشرع بتعهد الجسم بالغذاء الحلال أمر بالاهتمام بالنظافة العامة والجسدية خاصة، وأحكام الشرع من وضوء واغتسال ونحوهما أعظم دليل على ذلك، كما أمر المسلم بالاهتمام بالوقاية ابتداءً (إذا وقع الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها) (6).

كما أمر بالعلاج عند الإصابة فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى أنزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواء فتداووا ولا تداووا بمحرَّم" (7).

فمما سبق نعرف أن الإسلام اهتم بكل الوسائل التي تحفظ جسم الإنسان سليماً قوياً غير منهوك ولا هزيل إذا هو اتبع منهج الإسلام في تقوية الجسم والنظافة والوقاية والعلاج، ليكون كل ذلك وسيلة تمكن من اتقان عبادة الله تعالى والتوجه إليه بصدق وإخلاص .

أهمية الرياضة لجسم الإنسان :

هناك فهم خاطئ عند بعض الناس بأن الرياضة واللعب من الأمور التي يجب أن يبتعد عنها المسلم باعتبارها لهواً يبعد المسلم عن العبادة والذكر، ويقلل من درجة احترامه بين الناس أو يجعلهم يشكون في علمه وسلوكه وتدينه، وبالطبع فإن هذا فهم خاطئ لمفهوم الدين الشامل الذي جاء لينظم الحياة كلها صغيرها وكبيرها، ويتعارض كذلك مع مفهوم التربية الإسلامية التي جاءت لصياغة المسلم جسدياً وعقلياً وانفعالياً وروحياً واجتماعياً وأخلاقياً، وقد عرفنا أن الإسلام يحث على الأخذ بأسباب القوة، وأن الرياضة تعد ضرباً من ضروب تقوية الجسم وتأهله، فإذا استجاب المرء لأمر الدين فلابد أن يُعنى بجسمه ويؤهله، ولكن يظل مفهوم اختلاط اللعب بالذكر شائبة أما الشباب المسلم، فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يستثني بعض الأعمال من اللهو، ويعد منها الرياضة البدنية فيقول صلى الله عليه وسلم: "كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب إلا أن يكون واحداً من أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الفرضين، وتعلُّم السباحة" (8).  فالسباحة وتأديب الفرس يُمثلان الرياضة المطلوبة من المسلم والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه روي أنه سبق فرسه وبعيره وصارع وصرع  ركانة  وكان يسابق زوجته عائشة فتسبقه، وكان يمر بالشباب وهم يلعبون ويسلم عليهم ويدعو لهم، فقد روي عن ابن العالية أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بفتية وهم يرمون فقال: "ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً" (9).

ويقول علي رضي الله عنه:  روحوا القلب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا كل عمي . وقال كذلك:  إن القلوب تَمَلُّ كما تمل الأبدان فأقيموا لها طريق الحكمة " (10).

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية ولا يرزقه إلا حلالاً طيباً" (11).  وتجيء رسالة سيدنا عمر للأمصار توجيهاً تربوياً بالتربية البدنية والاهتمام بها فقد أرسل إلى ساكني الأمصار وولاتها يقول:  أما بعد فعلموا أولادكم السباحة والفروسية وارووا لهم ما سار من المفصل وحسن الشعر " (12).

فالرياضة نشاط يتطلب المشاركة والنظر لما يجري من علاقات وكيفية المشاركة في الأحداث الجارية، بهذه المشاركة يكتسب الفرد اللاعب ثقافة وقيماً اجتماعية وتدبيراً وتفكيراً في حل المشكلات التي تقابله فضلاً عن تحقيق الأهداف الأخرى مثل الترويح والصحة الجسمية والنفسية واكتساب فنون الإبداع والتذوق الجمالي (13).

وقد طوّر مفهوم الرياضة في واقعنا المعاصر حيث جعل جزءاً من طرق التعليم للشباب والأطفال، وأصبح بعد ذلك وسيلة مرغوبة محببة لديهم، ويذكر علماء النفس فوائد الرياضة في أنها تبعث في الطفل والشباب نوعاً من الارتياح والراحة النفسية واللذة والترويح عن النفس وتفيد أعضاءه من عضلات ومفاصل وأعضاء حس، وتساعد الرياضة الأطفال والشباب على النمو السليم، وتسهم في إعطاء الحس من عين وسمع وذوق وإدراك حسي وتعودهم على السيطرة والتحكم والتوازن العصبي بين الجسم وحركته والمهارة التي يؤدونها، وتساعد على النمو الانفعالي من ضبط النفس والتعود على الصبر على المكاره ساعة الهزيمة، وضبط النفس ساعة الانتصار والتحكم في مشاعره وعواطفه أثناء المباريات حتى لا يؤدي التنافس الحر إلى سلوك عدائي أو أناني (14).

وتنمي الرياضة كذلك القدرات العقلية بإضافة معلومات وخبرات جديدة تسهم في طريقة حل المشكلات، وتغرس روح الإقدام والمشاركة والتفاعل الاجتماعي، وتلبسهم قيماً ومعايير اجتماعية مفيدة لهم في تكيفهم مع مجتمعهم وذلك مثل التعاون وتحمل المسؤولية والثقة بالنفس وحب النظام والطاعة واحترام رأي الآخرين وتقدير مشاعرهم والتوافق بين المصالح الشخصية والمادية، وهي أداة للتواصل الاجتماعي بين الجماعات والشعوب، ومن خلالها يمكن للشباب المسلم أن يوصل دعوته الإسلامية في شكل سلوك منتظم ومنضبط وفق قيم الإسلام .

كما تمحو من الشباب عادات الخجل وعدم الثقة بالنفس ومشاعر حب الذات، وإذا كانت الرياضة أمراً مهماً في حفظ الصحة وبرء المريض، فإن المداومة على الرياضة تعد من أعظم الأسباب لزيادة قوة المريض وانتظام حركته، لأن الأبدان تكتسب حالة أصلح لسهولة التنقية وجودة التغذية إذ أن الحركة البدنية مصدر التقوية التنفسي وموازنته، ولا يخفى أن التنفس هو الميزان الذي به تنتظم أعمال أعضاء الجسم وأجهزته، ويحفظ تركيب الدم ويجدِّد قوته(15)، وإذا كان تحقيق المصالح واضحاً في ذلك، فإن قواعد الشرع داعية لتحقيقها ودفع المضار، ومتى ما كانت المصلحة راجحة وحقيقية، فالشرع يدعو إليها ويؤيدها، لأنه ما جاء إلا لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، فالإسلام إذن يعترف بالرياضة وأهميتها، ولذلك جاءت آثاره واضحة في ممارستها. وأول رسالة للرياضة الشعبية رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأهل الأمصار بأن تصبح الرياضة أمراً شعبياً، وتحدث عنها علماء التربية الإسلامية بأن تصبح جزءاً من التعليم للشباب، فيذكر أبو حامد الغزالي قائلاً:"وينبغي أن يصرح له بعد الفراغ من المكتب أن يلعب لعباً جميلاً يستفرغ إليه تعب الكتاب بحيث لا يتعب من اللعب فإن منع الصبي من اللعب، وإرهاقه بالتعليم دائماً يميت القلب ويبطل ذكاءه، وينغص العيش عليه حتى يطلب الحيلة من الخلاص منه رأساً"(16), ويؤكد ابن مسكويه هذا المفهوم فيقول:  يُعوّد الطفل المشي والحركة والركوب والرياضة حتى لا يتعود أضدادها " (17). وهذا الصحابي الجليل خالد بن الوليد يقول:  أمرنا أن نُعلم أولادنا الرمي والقرآن " (18).

الرياضة في صدر الإسلام:

رياضة المشي والجري من أهم أنواع الرياضة التي يوصي بها الأطباء لكل فرد، ولأصحاب الأمراض القلبية والمصابين بالسمينة، وقد سبق الإسلام في استخدامها للعلاج، فقد روي أن جماعة جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشكون تعبهم من المشي فأوصاهم بمزاولة النَّسلان (وهو الجري الخفيف) فتحسنت صحتهم وزادت كفاءتهم، واستطاعوا المشي لمسافات طويلة دون تعب (19). وروى أبو هريرة رضي الله عنه، أنه قال:  ما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله، كأن الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث "(20).

وروى الحاكم في مستدركه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "خير ما تداويتم به السعوط الدود والحجامة والمشي" (21). فالمشي حفظ للصحة وعلاج لأمراض السمنة والروماتيز، ويجدد الدورة الدموية ومزيد للنفس ومنشط للعضلات .

*أستاذ ووكيل كلية الشريعة والأنظمة بجامعة الطائف.

الهوامش والمراجع

(1) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة، برقم (2664) .

(2)  البقرة 247 .

(3)  القصص 26 .

(4)  المنافقون 4 .

(5)  أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الكرم قلب المؤمن)، برقم102.

(6)  أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، برقم (5728) .

(7)  أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، برقم (3784) .

(8)  كنز العمال، ج 25 ص 211 .

(9)  مجمع الزوائد، ج5 ص267 .

(10)  الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2 ص318 .

(11)  السيوطي، الجامع الصغير ص 578 .

(12)  كنز العمال ، مجلد 19 ، حديث رقمه 45340 .

(13)  محمد قطب، منهج التربية الإسلامية، ص 187 .

(14)  حامد عبد السلام زهران، علم نفس النمو، ص274 .

(15)  طه عبد الله العفيفي، من وصايا الرسول، ص 29 .

(16) الأنفال: 60 .

(17)إحياء علوم الدين، ج3 ص 57 - 59 .

(18) ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق، ص 51 .

(19)           الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج5 ص 269 .

(20)           مختار سالم، الطب الإسلامي، ص 207 .

(21)           الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ص 267 .

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
د. الألفي : يجب مؤازرة الأقليات المسلمة مادياً ومعنوياً
دعا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد جبر الألفي عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي وأستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء إلى مؤازرة الأقليات المسلمة خارج الوطن الإسلامي مادياً ومعنوياً...
مجمع الفقه الإسلامي يدعو لوحدة الصف دفاعا عن غزة
حث المنظمات الإسلامية على النهوض للقيام بواجب الدفاع عن أرض فلسطين، وأهلهم في غزه والحرم القدسي الشريف، ولمساندة الشعب الفلسطيني الأبي بكل الإمكانات المتاحة
فقهاء: المرأة التي لا محرم لها لا يجب عليها الحج
أكد فقهاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية أن المرأة التي لا محرم لها لا يجب عليها الحج
مصطلح العرف
العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، ويسمى العادة
الاسم التجاري
الاسم التجاري أو العلامة التجارية أصبحت بعد التسجيل الحكومي ذات قيمة بالغة في عرف التجار
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م