شروط التلقيح الصناعي الداخلي بين الزوجين
|
د.محمد بن يحيى بن حسن النجيمي
أضيف فى 1433/05/09 الموافق 2012/04/01 - 11:27 ص


الراجح لدينا أن التلقيح الصناعي الداخلي بين الزوجين جائز شرعاً لكن القول بالجواز من حيث المبدأ يرتبط بتوافر بعض الشروط العامة وهي:

الشرط الأول: أن يكون التلقيح بين الزوجين

اشترط فقهاء الإسلام لإجراء التلقيح الصناعي الداخلي أن يتم بين الزوجين في حال قيام الزوجية، أما إذا انتهى عقد الزوجية بموت أو طلاق فلا يحل ذلك[1].

ومن هنا يبدو التلقيح وسيلة لعلاج عقم الزوجية فقط لكن هذا التصور الذي نشأ التلقيح الصناعي في أحضانه قد تغير في كثير من الدول الأوروبية والأمريكية، فلم يعد التلقيح الصناعي مقصوراً على الزوجين فحسب، بل أصبح يطالب به بعض الأشخاص الذين لا تربطهم علاقة زوجية، وإنما يعيشون في ظل علاقات غير مشروعة، بل طالبت به أيضاً بعض النساء غير المتزوجات، واللائي يرغبن في الحصول على ولد دون إقامة علاقة جنسية مع الرجل، وكذلك بعض النساء اللائي يعانين من مرض السحاق ويعشن معاً[2].

الشرط الثاني: رضا الزوجين

هذا الشرط في الحقيقة يبدو بدهياً فالولد من ناحية يحمل اسم أبويه، ومن ثم يجب رضا كل منهما صراحة أو ضمناً قبل إجراء عملية التلقيح، فالبنوة مسألة اختيارية وليست إجبارية، ومن ناحية أخرى فإن مصلحة الولد تقتضي توافر مثل هذا الشرط، وقد تتم عملية التلقيح من دون رضا أحد الزوجين، فيأتي الولد غير مرغوب فيه من الزوج الذي قد يلجأ إلى إنكار نسب الطفل، مع ما يترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية سيئة على الطفل بل وعلى الأم.

لكن هذه النقطة لم تبحث من قبل الفقهاء القدامى بحثا مستفيضا ذلك لأن التلقيح كان معروفاً على نطاق ضيق، ومن ثم فإننا سوف نتاول بيان حكم ما لو أراد الزوجان أو أحدهما عدم الإنجاب عن طريق العزل عن الزوجة باعتباره الصورة المسئول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم والمعروفة لديهم في ذلك الوقت والتي لم يصل إلى علمهم غيرها من الوسائل الحديثة والتي يمكن أن يقاس حكمها على حكم العزل، ما دامت لا تؤدي إلى الإضرار بأي من الزوجين.

أولاً: تعريف العزل لغة واصطلاحاً

العزل لغة: عزل الرجل الماء عن جاريته إذا جامعها لئلا تحمل[3].

وفي الاصطلاح: هو النزع بعد الإيلاج في أثناء مجامعة الرجل للمرأة قبل الإنزال[4].

ثانياً: آراء العلماء في العزل مع بيان بعض أدلتهم وبيان الراجح

للعلماء في العزل ثلاثة آراء:

الرأي الأول: يرى تحريم العزل وهو رأي الظاهرية جاء في المحلى: "ولا يحل العزل عن حرة ولا أمة"[5].

واستدلوا بما روي عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس فسألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك الوأد الخفي"[6].

وقرأ: {وإذا الموءودة سئلت}[7].

الرأي الثاني: يرى كراهة العزل وهو مذهب أكثر الشافعية[8] ورواية عند الحنابلة[9] وإلى ذلك ذهب بعض الصحابة كابن عمر وابن مسعود وعمر وعثمان وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين.

واستدلوا بأدلة كثيرة منها:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ذكر العزل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "وماذاكم؟" قالوا: "الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها ويكره أن تحمل منه" قال: "فلا عليكم ألا تفعلوا ذلك فإنما هو القدر"[10].

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن العزل والنهي يقتضي الكراهة لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم أن خلق الولد إنما هو بمشيئة الله، فإذا قدر الله وجودها فستكون موجودة في الخارج على طبق ما قدر، مما يجعل فعل العزل مكروهاً.

الرأي الثالث: ويرى جمهور الفقهاء التفريق بين الحرة والأمة، فأما الأمة فيجوز العزل عنها دون إذنها، وأما الحرة فنتناول الحكم في ذلك في ثلاث صور:

الأولى: حكمه عند اتفاق الزوجين والثانية والثالثة: حكمه إذا أراد أحدهما العزل دون الآخر.

الصورة الأولى: إذا أراد الزوجان ذلك جاز لهما العزل، وذلك استناداً إلى المروي من السنة فقد روي عن جابر قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل"[11] [12].

وفي رواية لمسلم عن جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا"[13] [14].

فيستفاد من هذين النصين جوازه مطلقاً إلا أن الإطلاق قيد بإذن الزوجة في الخبر المروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن حرة إلا بإذنها"[15].

وقد حكى الإجماع على جواز ذلك ابن عبد البر ووافقه ابن هبيرة وتعقب هذا بأن المعروف عند الشافعية أن المرأة لا حق لها في الجماع أصلاً ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعية خلاف مشهور في جواز العزل عن الحرة بغير إذنها.

قال الغزالي وغيره: "يجوز وهو المصحح عند المتأخرين"[16].

الصورة الثانية: إذا أراد الزوج العزل ولم ترد الزوجة لا يجوز للزوج أن يعزل عن زوجته الحرة إلا إذا أذنت وذلك استناداً للخبر المروي عن عمر بن الخطاب الآنف الذكر ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"[17] [18].

وجه الدلالة: في العزل تفويت لحق الزوجة من الاستمتاع من زوجها والتلذذ بمعاشرته وهذا يلحق الضرر بها[19].

ولأن عدم العزل من حقها، وقد تزوجت بغية تحقيق أهداف مشتركة منها الولد، فنقض هذه الأهداف أو الرغبة عن تحقيقها، أو العزوف عنها يحتاج إلى الإرادتين، كما احتاج العقد إليهما وهذا الرأي هو رأي المالكية[20] وأكثر الحنفية[21] وبعض أصحاب الشافعي[22] وبعض أصحاب أحمد[23].

وقال بعض الفقهاء: إنه يستحب الاستئذان ولا يجب وهو قول للشافعية[24] ورأي للحنفية[25] والأول هو الأرجح لحديث عمر وابن عباس ولما ذكرناه من تعليل.

الصورة الثالثة: إذا أرادت الزوجة ذلك ولم يرد الزوج، ففي هذه الحالة لا يجوز أيضاً؛ لأنه إذا لم يجز للزوج ذلك إلا بإذنها، فكذلك لا يجوز ذلك إلا بإذنه وإرادته ورغبته، وهذا الرأي هو رأي جمهور الفقهاء[26].

وقال الزيدية[27]: "يجوز للمرأة أن تفعل بنفسها ما يمنع الحبل وإن لم يرض زوجها؛ لأنه لم يثبت له حق حملها إلا بعد وجوده" والراجح هو رأي الجمهور قياساً على الصورة الثانية ولأن للزواج أهدافاً منها الولد، فليس للمرأة أن تستبد بالرأي، فتمنع بعض الأهداف أو تعطلها.

الترجيح

الراجح هو رأي جمهور الفقهاء وهو الرأي الثالث وذلك:

أ-لرجحان أدلته.

ب-أما الحديث الذي أورده ابن حزم وفيه: "ذلك الوأد الخفي": فقد عارضه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قالت اليهود العزل الموؤودة الصغرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذبت اليهود إن الله عزوجل إن أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه"[28].

كما عارضه الأحاديث التي ذكرناها آنفا التي تجيز ذلك ولذلك وجدنا جمهور الفقهاء يجيزون العزل برضا الزوجين.

وبعد هذا العرض الموجز لآراء العلماء في العزل فقد تبين لنا أن رضا الزوجين شرط في العزل عند جمهور الفقهاء ومن ثم فإنه يشترط رضا الزوجين في إجراء التلقيح الصناعي الداخلي قياساً على العزل.

وأيضاً: فإن التلقيح الصناعي كعمل طبي يقع على الزوجة، فإن رضاها يبدو ضرورياً، فالأعمال الطبية بوجه عام تقتضي قبل إجرائها موافقة المريض.

قال الإمام ابن قدامة: "وإن ختن صبياً بغير إذن والده، أو قطع سلعة من إنسان بغير إذن أو من صبي بغير إذن والده وفسرت جنايته ضمن؛ لأنه قطع غير مأذون فيه، وإن فعل ذلك الحاكم أو من له ولاية عليه أو فعله من أذنا له، لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه شرعاً"[29].

فأشار رحمه الله إلى اعتبار إذن المريض في قوله: "أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه" وأشار إلى إذن الولي الخاص بقوله: "وإن ختن صبياً بغير إذن وليه" أو "من صبي بغير إذن وليه" وأشار إلى اعتبار إذن الحاكم وهو الولي العام بقوله: "وإن فعل ذلك الحاكم" ثم أوجب الضمان في سراية القطع إذا وقع من دون إذنهم كل بحسب ولايته، وعلل إيجاب الضمان بكونه قطعاً غير مأذون فيه فنزله منزلة القطع المبتدأ على وجه الجناية[30].

ومما يدل على اعتبار الفقهاء رحمهم الله لهذا الشرط ما نصوا عليه من أن الطبيب لا يجوز له أن يجبر المريض إذا استأجره لقلع ضرسه أو سنه الوجعة ثم امتنع المريض من تمكينه من فعل الجراحة مع وجود الألم.

قال الخطيب الشربيني: "فإن لم تبرأ أي السن الوجعة ومنعه من قلعها لم يجبر عليه"[31].

ولا يشذ التلقيح الصناعي عن هذه القاعدة فهو أي التلقيح الصناعي وسيلة لعلاج العقم، والتغلب على آثاره، يخضع لمقتضيات المهنة الطبية وآدابها.

أما بالنسبة لموافقة الزوج فإن كافة المرافق المتخصصة في إجراء عمليات التلقيح الصناعي تتطلب ضرورة موافقة الزوج على عملية تلقيح زوجته موافقة صريحة ومكتوبة ولكن ليس هناك أي نص قانوني حتى الآن يشترط موافقة الزوج، ومن ثم فإنه يجب على كافة المراكز التي تقوم بإجراء التلقيح الصناعي في الدول الإسلامية أن تنص صراحة على هذا الشرط وأن تجعله ضمن قوانين المهنة الطبية[32].

وإذا كان رضا الزوجين يعتبر شرطا جوهرياً لإجراء عملية التلقيح الصناعي قياسا على العزل فإن رفض أحد الزوجين أو كليهما لعملية التلقيح يؤدي إلى استحالة إجرائها، وإن كان يبدو بعيداً رفض أحد الزوجين أو كليهما لذلك، ولكن ما هو الحل إذا تم التلقيح بالرغم من عدم موافقة أحدهما؟ يجب أن نفرق في هذه الحالة بين أمرين:

الأمر الأول: عدم موافقة الزوجة

قد يحدث التلقيح دون رغبة الزوجة، ودون موافقتها فقد يحدث التلقيح تحت تأثير الإكراه المادي أو الأدبي، أو حتى عن طريق الغش، فقد يكون الزوج عقيماً ويرغب في الإنجاب لسبب أو لآخر، فيخفي عجزه عن زوجته، فيلجأ إلى الغش والخداع لإجراء عملية التلقيح.

ويجب أن نعرف ابتداء أن هذا الإكراه ماديا كان أو أدبياً لا يؤثر على نسب الطفل لأبويه، فالطفل ابن لهما شرعاً والعلاقة الجنسية التي تمت تحت إكراه الزوجة لا تمنع من نسب الولد لأبويه، إذا حدث الحمل نتيجة لهذه العلاقة.

لكل هل في الأمر جريمة يعاقب عليها الزوج؟ لا يمكن القول بوجود جريمة اغتصاب إذ إن من أركان جريمة الاغتصاب فعل الوقاع أو الاتصال الجنسي الكامل أي إيلاج الرجل عضو التذكير في فرج المرأة، وهو ما لا يتوافر في التلقيح الصناعي الذي يقتصر على حقن النطفة في رحم المرأة، فضلاً عن أن الاغتصاب لا يكون بين زوجين.

أما بالنسبة لجريمة هتك العرض، فهي تختلف عن جريمة الاغتصاب من حيث إن الاغتصاب لا يكون تاماً إلا بإيلاج التذكير في فرج الأنثى، أما هتك العرض فيكفي فيه لمس عورة شخص أو الكشف عنها، ولذلك تقول محكمة النقض المصرية: إن هتك العرض هو كل فعل مخل بالخياء يستطيل إلى جسم المجني عليه وعوراته ويخدش عاطفة الحياء عنده من هذه الناحية ولا يشترط لتوافره قانوناً أن يترك الفعل أثراً بجسم المجني عليه[33].

وبالتالي يمكن القول: بتوافر الركن المادي لجريمة هتك العرض وهو قيام الجاني بالكشف عن عورة المجني عليها وملامستها، وهو أمر متحقق في حالة تلقيح الزوجة تلقيحاً صناعياً رغماً عنها إذ يترتب على ذلك حتماً كشف عورتها وملامستها بما يخدش حياءها.

ولا ريب أن الطبيب الذي أجرى عملية التلقيح يعد مسؤولاً جنائيا أيضاً مع الزوج، لا بوصفه شريكاً فقط، وإنما بوصفه فاعلاً أصيلاً مع الزوج، وللزوجة الحق في الرجوع بالتعويض المالي على كل منهما[34].

أما شرعاً: فيجب أن يعاقب عقوبة تعزيرية رادعة لمثله وأمثاله.

إن الزوج قد يبالغ في غشه وخداعه فيقدم لزوجته سائلا منويا لرجل آخر، وذلك ليخفي عقمه الدائم، فيتم التلقيح بنطفة رجل آخر غير الزوج، وهذا أخطر من سابقه بكثير.

ذلك لأن الطفل لا ينتمي للأب حقيقة فهو إذن ابن غير شرعي، لكن هل يستطيع الزوج بعد ذلك أن ينكر نسبه؟ لا ريب أن الطفل ليس ابنه حقيقة لكنه قبل بذلك ووافق عليه باختياره، وموافقة الزوج هنا قد تفسر على أنها إقرار بالنسب قبل ولادته، وهو إقرار ضمني، ولكن الزوج قد يعدل عن موقفه، ويرغب في إنكار نسب الولد بعد ولادته، وذلك بملاعنة[35] زوجته مثلاً، ولا ريب أن الزوج يستطيع أن يثبت بسهولة أن الطفل ليس ابنه في الحقيقة، لكن هل إقراره قبل الولادة يمنع من نفي النسب بعد ذلك؟.

تتوقف الإجابة على تحديد معياد الإقرار، فأبو حنيفة يرى أن ميعاد نفي الولد يكون بعد الولادة مباشرة، أو بعدها بيوم أو يومين، أو نحوهما إلى سبعة أيام مدة التهنئة بالمولود عادة، فإن نفاه بعدئذ لا ينتفي.

وقال الصاحبان: يتقدر نفي الولد بأكثر مدة النفاس، وهي أربعون يوماً[36].

ويرى المالكية: أن ينفى الولد قبل وضعه، فإن سكت ولو يوماً بلا عذر حتى وضعته سقط حقه في النفي[37].

ويرى الشافعية والحنابلة: أن نفي الولد يكون في أثناء الحمل، أو بعد الولادة مباشرة، فإن أخر بلا عذر، أو قبل التهنئة بالمولود سقط حقه في النفي؛ لأن التأخر يتضمن الإقرار به فإن قال: لم أعلم بالولد، أو أخر النفي لعذر كحبس ومرض وغيبة وحفظ مال لم يسقط نفيه[38].

الأمر الثاني: عدم موافقة الزوج

يمكن تصور عدم موافقة الزوج على التلقيح من الناحية العملية في حالين:

الأول: أن يتم الحصول على نطفة الزوج بالتواطؤ بين الزوجة والطبيب وذلك بإقناعها أن الحصول على نطفته ليس بغرض التلقيح ثم يقوم الطبيب بتلقيح الزوجة بها.

الثاني: أن تحصل الزوجة على نطفة رجل آخر وتجرى عملية التلقيح وتخفيها عن الزوج.

أما بالنسبة للحال الأول: فإن الزوج لا يستطيع شرعاً أن ينكر نسب الولد له، طالما أن شروط النسب بالفراش قد توافرت، فالطفل من صلبه وهو أبوه الحقيقي، ومن ثم فدعوى الإنكار لن تقبل.

أما بالنسبة للحال الثاني: فالزوج يستطيع أن ينكر نسب الولد، ودعوى الإنكار هنا ستكون مقبولة، فالطفل ليس ابنه، ويجب أن يحدث النفي للولد في الميعاد المحدد على حسب ما بينا آنفاً[39].

أما إذا لم ينفه في الميعاد المقرر فإن سكوته يعد إقراراً بالنسب منه، ولو نفاه بعد ذلك لا ينتفي نسبه[40].

لكن هل تعد الزوجة في هذه الحالة قد ارتكبت جريمة الزنا؟.

الفرض أن الزوجة قد تم تلقيحها بنطفة رجل أجنبي دون علم الزوج الذي خدعته زوجته وغشته، ولاشك أن الزوجة هنا آثمة شرعاً؛ لأن الشريعة الغراء تحرم على المرأة أن تنسب إلى زوجها من تعلم أنه ليس منه.

قال الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً}[41].

أما بالنسبة لجريمة الزنا: فقد يقال بوجودها على أساس أنه قد وقع انتهاك لجسد المرأة، وذلك بإقدامها على عملية التلقيح دون علم زوجها وبنطفة رجل أجبني عنها لكن هذا القول غير صحيح؛ لأن جريمة الزنا تقتضي شرعأ وجود اتصال جنسي بين ا لزوجة ورجل آخر غير الزوج، وهذا الأمر غير متوافر فيما نحن بصدده، ومن ثم فليس للزوج أن يلاحق زوجته بدعوى الزنا.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "فإنه يحرم ما يعرف بالتلقيح الصناعي إذا كان التلقيح بغير نطفة الزوج، بل ويكون في هذه الحالة كما قال الإمام الأكبر الشيخ شلتوت رحمه الله: جريمة منكرة وإثما عظيما يلتقي مع الزنا في إطار واحد، جوهرهما واحد، ونتيجتهما واحدة، وهي وضع ماء رجل أجنبي قصداً في حرث ليس بينه وبين ذلك الرجل عقد ارتباط بزوجية شرعية يظلها القانون الطبيعي، والشريعة السماوية ولو لا قصور في صورة الجريمة لكان حكم التلقيح في تلك الحالة هو حكم الزنا الذي حددته الشرائع الإلهية ونزلت به كتب السماء.

وإذا كان التلقيح البشري بغير ماء الزوج على هذا الوضع، وبتلك المنزلة، كان بلا شك أفظع جرماً وأشد نكراً من التبني، فإن ولد التلقيح يجمع بين نتيجة التبني المذكور، وهي إدخال عنصر غير في النسب، وبين خسة أخرى، وهي التقاؤه مع الزنا في إطار واحد تنبو عنه الشرائع والقوانين وينبو عنه المستوى الإنساني الفاضل، وينزلق به إلى المستوى الحيواني الذي لا شعور فيه للأفراد برباط المجتمعات الكريمة[42].

ولهذا يجب على جميع الدول الإسلامية أن تسن عقاباً تعزيرياً لمن يقدم على هذا العمل الشنيع، أي: تلقيح الزوجة بنطفة رجل أجنبي، والأفضل أن ينص على ضرورة موافقة كل من الزوجين موافقة صريحة ومكتوبة.

الشرط الثالث: أن يتم التلقيح خلال الحياة الزوجية

اشترط فقهاء الإسلام لإجراء التلقيح الصناعي الداخلي أن يتم بين زوجين في حال قيام عقد الزوجية، أما إذا انتهى عقد الزوجية بموت أو طلاق فلا يحل ذلك؛ لأن الإنجاب الصناعي لا يجوز أن يختلف في شيء اللهم إلا في وسيلة التلقيح عن الإنجاب الطبيعي، فيجب أن يحدث خلال الحياة الزوجية فإذا انتهت الحياة الزوجية بالوفاة أو الطلاق استحال حدوث الحمل سواء كان حملاً طبيعياً أو عن طريق التلقيح الصناعي.

لكن الحمل عن طريق التلقيح الصناعي يثير بعض الصعوبات، ويرجع السبب في ذلك إلى أن إجراء عملية التلقيح الصناعي تستغرق بعض الوقت، وقد يتوفى الزوج، أو يحدث الطلاق في تلك الفترة، كما أنه يمكن الاحتفاظ بنطفة الرجل مدة طويلة في البنك وذلك بغرض استعماله في تلقيح زوجة الرجل صاحب النطفة في الوقت الذي يختاره الزوجان بعد ذلك، وقد يتوفى الزوج قبل إجراء عملية التلقيح فيحصل إشكال خطير وهو عن مدى مشروعية إجراء التلقيح الصناعي بعد وفاة الزوج أو بعد الطلاق، وهل يحق للزوجة أن تطالب بإجراء التلقيح بنطفة زوجها المتوفى؟.

أقول: لا يجوز تمكين الزوجة المتوفى عنها زوجها، أو المطلقة من إجراء التلقيح بنطفة زوجها المتوفى أو المطلق لأن:

1-علماء الإسلام قد اشترطوا لإجراء التلقيح الصناعي الداخلي كما سبق أن يتم في حال قيام عقد الزوجية.

2-أن الطفل على فرض حدوث الحمل لن يرث أباه الذي توفي قبل حدوث الحمل؛ لأن جمهور الفقهاء[43] غير المالكية[44] يشترطون لإرث الحمل شرطين:

الأول: أن يثبت وجوده حياً عند موت مورثه.

الثاني: أن يولد حياً ولو مات بعد دقائق كي تثبت أهليته للتملك.

ومن ذلك يتضح أن الجنين لا يستحق من الإرث عند ولادته حياً إلا إذا تيقن وجوده في بطن أمه وقت وفاة المورث حقيقة وحكماً (المفقود) ومن المعروف هنا أن الزوج قد توفي قبل حدوث الحمل، ومن ثم فلا يرث هذا الحمل.

وأخيراً فإن السماح للأرملة بالتلقيح بنطفة زوجها المتوفى يؤدي إلى أن يتحول التلقيح الصناعي من وسيلة لعلاج عقم الزوجية إلى مجرد وسيلة لإشباع رغبة الأم لإحياء ذكرى زوجها، حتى ولو كان ذلك على حساب الشرع والأخلاق والآداب[45].

الشرط الرابع: أن يكون المقصود من التلقيح الصناعي مكافحة عقم الزوجية

يعد التلقيح الصناعي وسيلة لعلاج عقم الزوجية، فالعقم يعد مرضاً يجوز التداوي منه.

ويجب أن يرتبط التلقيح الصناعي من حيث وجوده بهذا الهدف ولا يجوز أن يخرج عنه بأي حال من الأحوال، أما إذا كان الهدف من التلقيح الصناعي هو تحسين النسل فهذا لا يجوز.

الشرط الخامس: أن يكون التلقيح الصناعي هو الوسيلة الوحيدة الممكنة للإنجاب

سبق القول إن العقم يعد مرضاً بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، كما بينا مشروعية العلاج من العقم وتأسيساً على ذلك فإنه لا يجوز أن يلجأ الزوجان إلى التلقيح الصناعي إلا إذا استنفذت كافة الوسائل الأخرى الممكنة لعلاج العقم.

وإذا كان التبني غير جائز شرعاً ولا يثبت به النسب، ولو كان الولد المتبنى مجهول النسب لقوله تعالى: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} الآية[46]. فإن التلقيح الصناعي يصبح بالشروط السالفة الذكر بديلاً مشروعاً للتبني لإشباع عاطفة الأمومة والأبوة، وهو بديل أفضل بكثير من التبني؛ ذلك لأن ثمرة التلقيح الصناعي تكون من صلب الأبوين، على عكس التبني الذي ينسب فيه الرجل لنفسه ولداً يعرف أنه ليس ابنه[47].

*عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي وأستاذ الفقه والأنظمة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.



[1] أخلاقيات التلقيح الصناعي للدكتور محمد علي البار ص 45.

[2] الإنجاب الصناعي للدكتور محمد المرسي زهرة ص 78-79.

[3] تاج العروس فصل العين من باب اللام.

[4] انظر: المغني لابن قدامة 7/23، صحيح مسلم بشرح النووي 10/9، نيل الأوطار 6/222.

[5] المحلى 10/70.

[6] أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب جواز وطء المرضع وكراهة العزل صحيح مسلم بشرح النووي 10/16.

[7] سورة التكوير الآية 8.

[8] انظر: المجموع شرح المهذب 15/296-298.

[9] انظر: المغني لابن قدامة 7/223.

[10] أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب حكم العزل صحيح مسلم بشرح النووي 10/9.

[11] أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب العزل، فتح الباري 9/305.

[12] انظر: فتح القدير 3/400، المجموع 15/297.

[13] أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب حكم العزل، صحيح مسلم بشرح النووي 10/14.

[14] انظر: فتح القدير 3/400.

[15] أخرجه أحمد في كتاب النكاح باب النهي عن العزل وكراهته وفي هذه الرواية عبد الله بن لهيعة وهو مدلس وقد عنعن، الفتح الرباني 16/218.

[16] انظر: فتح الباري 9/308، المجموع شرح المهذب 15/297.

[17] رواه مالك في الموطأ 1/464، الأقضية باب القضاء في المرفق من حديث يحيى المازني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً به وراه ابن ماجه 2/784 برقم 2340 الأحكام باب من بنى في حقه ما يضر بجاره من حديث عبادة بن الصامت به.

[18] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 5/262.

[19] انظر: كشاف القناع 5/189، المغني لابن قدامة 7/24، فتح الباري 9/308.

[20] انظر: أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 2/129.

[21] انظر: فتح القدير 3/401.

[22] انظر: المجموع شرح المهذب 15/297.

[23] انظر: كشاف القناع 5/189.

[24] انظر: المجموع 15/297.

[25] انظر: البحر الرائق 8/233.

[26] انظر: حاشية ابن عابدين 3/167، مواهب الجليل شرح مختصر خليل 3/477، المجموع 15/296، الإنصاف 1/383.

[27] انظر: التاج المذهب 2/78.

[28] أخرجه أحمد في المسند في كتاب النكاح باب الرخصة في العزل، الفتح الرباني 16/220.

[29] المغني والشرح الكبير 6/121.

[30] انظر: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها للدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي ص 109-110.

[31] مغني المحتاج 2/324.

[32] انظر: الإنجاب الصناعي للدكتور محمد المرسي زهرة ص 82-84.

[33] حكم محكمة النقض الصادر في 16 مارس سنة 1990م.

[34] انظر: الإنجاب الصناعي للدكتور محمد المرسي زهرة ص 84-86.

[35] مشتق من اللعن؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذباً وهو شهادات مؤكدات بإيمان من الجانبين مقرونة بلعن وغضب، حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لابن قاسم النجدي 7/29.

[36] انظر: بدائع الصنائع 3/246-248 واللباب شرح الكتاب 3/79.

[37] انظر/ الشرح الصغير 2/660-664.

[38] انظر: مغني المحتاج 3/373،381،383 والمغني 7/416،417،439.

[39] انظر: أقوال العلماء في هذه المسألة ص 109-110 من هذا الكتاب.

[40] انظر: الإنجاب الصناعي للدكتور محمد المرسي زهرة ص 89-90.

[41] سورة الأحزاب، الآية 4-5.

[42] الحلال والحرام في الإسلام ص 219.

[43] انظر: اللباب شرح الكتاب 4/199، الرحبية في الفرائض ص 78-79، المغني لابن قدامة 6/313.

[44] يرى المالكية أن التركة لا تقسم حال وجود الحمل ويعد الحمل سبباً يوقف به المال إلى الوضع، فتوقف قسمة التركة إلى الولادة أو اليأس من الولادة؛ لأن في القسمة تسليطاً للورثة على أخذ المال والتصرف به وفي استرداد الحمل لحقه منهم خطر. انظر: القوانين الفقهية لابن جزي ص 395.

[45] انظر: الإنجاب الصناعي للدكتور محمد المرسي زهرة ص 96-97.

[46] سورة الأحزاب، الآيتان 4-5.

[47] انظر: الإنجاب الصناعي للدكتور محمد المرسي زهرة ص 100-101.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
إمارة الرياض توجه فرع الهيئة بسحب العباءات المخالفة
أكد الشريمي لـلصحافة المحلية أنه بالنسبة لما تم تداوله حول موضوع مخالفات العباءات، إنما هو تأكيد من مقام إمارة منطقة الرياض على التقيد بالأمر السامي الكريم الصادر منذ فترة
باحث شرعي : ليس للزوج منع زوجته من حجة الإسلام
يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في حج النافلة، وأهل العلم قد أجمعوا على أنّ للرجل منع زوجته من الخروج إلى الحج التطوع
علماء : الإسلام حث على العمل... والكسل سبب تأخر الأمة
أكد عدد من العلماء على دعوة الإسلام للعمل والإنتاج ما بقى المسلم على قيد الحياة، حتى وإن لم يدرك ثمرة هذا العمل، وذلك لبيان قيمة العمل وأهمية الإنتاج للأفراد والأمم.
فوائد الفحص الطبي قبل الزواج
الفحص الطبي قبل الزواج في باب الأمراض الوراثية
من مسائل الأحوال الشخصية
إن الفقهاء اجتهدوا في مسائل الأحوال الشخصية، وعالجوا المستجدات معتمدين على فهمهم لروح النص ومقاصد الشريعة، مثل مسألة الفحص الطبي قبل الزواج..
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م