أحكام وآداب زيارة البيوت في الإسلام
|

أضيف فى 1433/03/30 الموافق 2012/02/22 - 09:36 ص


أحكام وآداب زيارة البيوت  في الإسلام

أ.د حسن أبو غدة*

قرر الإسلام للبيوت من الحرمة وقواعد الآداب ما يكفل للمرء راحته ويوفر له الحرية والكرامة وصيانة النفس عما لا يليق، فقد يرغب إنسان في زيارة قريب أو صديق، فيقصده من دون إعلام سابق فيفاجأ عند زيارته بغير ما كان ينتظر، إذ يكون ذلك الشخص المزور مشغولاً مع أهله، أو عنده جماعة من أقاربه، أو هو على وشك الذهاب إلى موعد خارج بيته، ولهذا جاء قول الله تعالى في سورة النور الآية 27: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون}.

وهكذا ينبغي على من يقصد زيارة الآخرين أن ينسق معهم ويعلمهم بقدومه ويستأنس بوجودهم وإذنهم ما أمكن.

والاستئناس والاستئذان أمران متقاربان يجمعهما معنى الإخبار والإعلام، إخبار الزائر مزوره برغبته في زيارته، وانتظاره الإجابة على هذه الرغبة إما بالموافقة وإما بالاعتذار المبرر اللطيف.

وقد سمي الاستئذان استئناساً؛ لأنه بالإذن يحصل الأنس والطمأنينة لأهل البيت بدليل أنه لو دخل عليهم بغير استئذان لاستوحشوا وضاقت صدورهم.

هذا ومن آداب الاستئذان أن يتخير الإنسان الأوقات المناسبة لزيارة الآخرين، بحسب ما يهدي إليه الذوق السليم، ويمليه العرف الاجتماعي المألوف، ولعل في تعبير القرآن عن الاستئذان بالاستئناس إشارة إلى هذا المعنى، حيث إن الإنسان ببصيرته النفاذة يعرف من حاله في بيته إن كان وقت زيارته للآخرين ملائماً أو غير ملائم.

كما أن من آداب زيارة الآخرين التي لا ينبغي للمسلم التهاون في شأنها أو التغاضي عنها: ألا يقف الزائر أمام الباب، بل يقف أيمن منه أو أيسر منه، وهذا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوصي به المسلمين، أخرج البخاري عن عبد الله بن بسر رضي ا لله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لا يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر". وعن عبد الله بن بسر أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تأتوا البيوت من أبوابها ولكن ائتوها من جوانبها فاستأذنوا فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا" رواه أبو داود.

وحكمة الوقوف في طرف الباب الأيمن أو الأيسر لا أمامه ألا يقع البصر على ما في الدار من حالات أسرية خاصة أو أشياء يكره صاحب الدار اطلاع غيره عليها صوناً لمكانته وحفظاً لسمعته؛ لأن البيوت أسرار لأهلها في الأنفس والأموال والأمتعة.

وبهذا الأسلوب الاجتماعي الرفيع يصون الإسلام حياة الناس في منازلهم، ويحفظ الأنظار من أن تقع على حال غير جديرة بالنظر وهذا ما لم يكن يألفه العرب في جاهليتهم، حيث كانوا يتطاولون بأجسامهم للنظر إلى البيوت من نوافذها أو من فوق أسوارها، من غير مراعاة لحرمة دار، ولا تقديس لحياة أسرية خاصة.

هذا ومن آداب زيارة البيوت أن يقرع جرس الباب مثلا مرتين أو ثلاث مرات متباعدات نسبياً، إذا لم يفتح الباب بعد المرة الأولى، فإن لم يكن جواب بعد الثلاث فينبغي على الطارق الرجوع دون أن يجد في نفسه غضاضة، ولا يصح أن يشتط في قرع الباب مرات أخرى قال الله تعالى في الآية 28 من سورة النور: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم}.

أي أكرم وأطهر لنفوسكم وقلوبكم، علماً بأن الاعتذار قد يكون بصريح الكلام وقد يكون بغير صريحه كعدم فتح الباب أو عدم الرد على الطارق، لطروء حاجة عند أهل البيت. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: {كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً فقلنا له: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع".

وحكمة الاستئذان ثلاث مرات بينها فاصل زمني يسير معقول، أنه ربما كان صاحب الدار مشغولاً بوضوء أو صلاة أو يهيئ نفسه لإدخال ضيوفه، أو يغير ملابسه، ونحو هذه الحالات التي لا يخلو منها حال إنسان.

هذا ومما أوصى به الإسلام في آداب الزيارة والاستئذان ألا يتسمع الزائر إلى ما يجري في البيوت، أو يضع عينه أو أذنه على ثقوب الأبواب وفتحاتها، استغفالاً وتلصصاً على أحوال أهل الدار، وليس هذا من شيم أهل المروءات، روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح" والسر في هذا كما جاء في حديث آخر رواه البخاري: "إنما جعل الاستئذان من أجل النظر".

هذا وينبغي على الأسرة المسلمة أن تعرف أبناءها إذا ما طرقوا الأبواب وقيل لهم: من أنتم؟ أن يجيبوا بالاسم الصريح الذي يعرفون به، ليتحقق جواب السؤال وتزول الجهالة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يجيب الطارق بكلام أو وصف مبهم لا يعرف به كأن يقول: أنا. روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا فقال: أنا، أنا كأنه كرهها". وقد استجاب الصحابة رضي الله عنهم لهذا الهدي والتوجيه النبوي الكريم فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ فقلت: أبو ذر" روه الشيخان.

ومن المؤكد أن للمسلم المستنير الواعي أدبه المتميز حتى في المجلس الذي يغشاه إذا أذن له بالدخول؛ لأن من هدي الإسلام في هذا ألا يتخطى الداخل أماكن الأشخاص الذين سبقوه في القدوم، ولا يزاحمهم ويجلس بينهم فيضيق عليهم أو يجلس في صدر المجلس، بل يتوجب عليه الجلوس حيث انتهى به المكان، مترسماً في ذلك السنة الاجتماعية القويمة التي تدل على نباهة وذوق والتي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، إلا إذا شاء رب الدار أن يخص أحداً من الداخلين بمكان أعده له يناسب مقامه عنده أو بين القوم، فلا حرج في هذا حينئذ. روى أبو داود والترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي" وروى أبو داود والترمذي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين الاثنين إلا بإذنهما" وهذا لأن إقحام الشخص نفسه بين اثنين متجاورين أمر مستهجن، مكروه من الآخرين، وهو يدل على غلظ في الطبع وعدم مبالاة بالناس.

ومما ينبغي على زائر البيوت الالتزام به ألا يحد النظر في بيت جليسه، ولا يلتفت برأسه وعينيه منقباً عن الخفايا والعورات، متطلعاً إلى الأبواب والنوافذ وأماكن الدخول والخروج؛ لأن ذلك ليس من خلق المسلم الحيي الستير الخاشع القلب.

هذا وكما شرع الإسلام الأحكام والآداب الآنفة الذكر لمن يريد زيارة بيوت الآخرين، فقد شرع أحكاماً أخرى خاصة بأهل البيوت أنفسهم، وحق بعضهم على بعض. ومن ذلك أن يستأذن الرجل في الدخول على محارمه كأمه وابنته وأخته، ولو كان هو صاحب الدار، وهن يقمن معه، وأسلوب الاستئذان هنا هو التنبيه بالصوت أو السعال أو التنحنح أو نحو ذلك مما يشعر بقدومه. روى الإمام مالك أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ –أي إذا أردت الدخول عليها- قال: نعم قال: إني معها في البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها. فقال الرجل: إني خادمها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها.

ومما ينبغي على الأسرة أن تعلمه أبناءها إذا دخلوا البيوت أن يسلموا على والديهم وإخوانهم وأخواتهم ويقولوا اللفظ المشروع: السلام عليكم. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقي بأحد غلمان المسلمين ويوجهه إلى هذه الفضيلة، ويزرع في نفسه حب الخير والحرص عليه، ويعلمه هذا الخلق الاجتماعي الكريم في المخالطة والمعاشرة. روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني، إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك".

كما يشرع للأسرة أن ترشد أولادها وخدمها إلى الاستئذان حين دخول حجرات النوم ونحوها في ثلاثة أوقات من كل يوم، تقتضي عادة الناس فيها التخفف من الملابس وربما انكشاف العورات، وهذه الأوقات الثلاثة هي: قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة وسط النهار، ومن بعد صلاة العشاء. وإنما خص الصغار والخدم بالاستئذان في هذه الأوقات لشدة ملازمتهم للبيوت وكثرة دخولهم وخروجهم. قال الله تعالى في الآية 58 من سورة النور: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن}.

هذه جملة من آداب الإسلام وأحكامه في الاستئذان لزيارة البيوت ودخولها، وطريقة الجلوس والمكث فيها. وهي جديرة باهتمام كل أسرة مسلمة، وتعريف الأبناء بها؛ لأنها تتضمن معنى الكرامة الإنسانية، والذوق الاجتماعي الرفيع، والإحساس المرهف بمشاعر الآخرين، وصيانة مكانتهم وكرامتهم.

*أستاذ الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية بجامعة الملك سعود بالرياض.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
قصة إسلام عمر "رضي الله عنه" وضربه لأخته لا تصح سنداً.
رُوجت كثيراً قصة إسلام عمر ودخوله بيت أخته واخبتاء زوجها، ثم لطمها، ليسلم بعد سماعه لسورة طه.
أحكام جمع الصلاة للمطر
اختلفوا في مشروعية جمع الصلاة عند المطر، فقال قوم يشرع جمعها -عموما- وهذا مروي عن ابن عمر وعروة وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وهو قول مالك وأحمد والشافعي. ولهم ما وراه مالك عن نافع: “أن عبدالله بن عُمَر رضي الله تعالى عنهما كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم” (الموطأ).
خادم الحرمين يدعو إلى إقامة صلاة الاستسقاء الخميس القادم
صدر اليوم عن الديوان الملكي البيان التالي :
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م