حكم الاجتهاد في النوازل
|

أضيف فى 1433/03/19 الموافق 2012/02/11 - 02:33 م

حكم الاجتهاد في النوازل

الباحثة رجاء بنت صالح باسودان*

لاشكّ أن تعيين حكمٍ شرعيٍ على نازلة من النوازل المتعلّقة بالأفراد أو الجماعات هو المقصود من الاجتهاد ، فإن النّصوص محصورة ، والوقائع ليست كذلك ، ولذلك كان لا بدّ من فتح باب الاجتهاد .  وقد اختلف العلماء في مدى جواز الاجتهاد في النّازلة على عدة آراء :

فيرى الإمام ابن القيم[1]أن فيه ثلاثة أوجه :

الأول : أنه يجوز ، وعليه تدلّ فتاوى الأئمة وأجوبتهم ، فإنّهم كانوا يسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها ، فقد روى عمرو بن العاص[2]– رضي الله عنه – أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم  فاجتهد ثم أخطأ فله أجر "[3].

الثاني : لا يجوز له الإفتاء ولا الحكم ، بل يتوقف فيها حتى يظفر بقائل .  قال الإمام أحمد[4] لبعض أصحابه : إيّاك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام .

الثالث : يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل ، وشدة الحاجة إليها وسهولة خطرها، ولا يجوز في مسائل الأصول .

والحقّ : التفصيل ، وأن ذلك يجوز عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم ، فإن عُدم الأمران لم يجز [5].

أمّا الإمام الشوكاني[6] فيرى أن الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب : فرض عين ، وفرض كفاية ، وندب ، فالأول على حالين : اجتهاد في حق نفسه ، ثم نزول الحادثة، والثاني : اجتهاد فيما تعين عليه الحكم فيه فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور، وإلا كان على التراخي .  والثاني على حالين :

أحدهما : إذا نزلت بالمستفتي حادثة فاستفتى أحد العلماء توجّه الفرض على جميعهم ، وأخصهم بمعرفتها من خصّ بالسؤال عنها ، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض ، وإلا أثموا جميعاً ، والثاني : أن يتردّد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر ، فيكون فرض الاجتهاد مشتركاً بينهما ، فأيهما تفرّد بالحكم فيه سقط فرضه عنها .  والثالث على حالين : أحدهما : فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل يسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله ، والثاني : أن يستفتيه قبل نزولها[7].

والخلاصة في حكم الاجتهاد : أنه يكون في الجملة واجباً على من هو أهل للاجتهاد، وخاصّة إذا لم يكن هناك غيره ، بل إنه قد يتعيّن هذا الواجب في النّظر إلى نازلة معيّنة وذلك لتهيئته لذلك .  أمّا إذا كان هناك أكثر من مجتهد فإن الاجتهاد يعد من فروض الكفاية  إذا قام به أحدهم سقط الواجب عن الباقين .  ويكون الاجتهاد مندوباً إليه ، وهو السؤال عن حادثة يمكن وقوعها ، ومثاله في السنة : ما رواه المقداد بن الأسود[8] – رضي الله عنه – أنه قال:  يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يديّ بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة فقال : أسلمت لله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تقتله" ، قال : فقلت : يا رسول الله ، إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : "لا تقتله ، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال "[9].

أمّا الاجتهاد المكروه أو المحرّم : هو الاشتغال بالمسائل الفرضية التي لا تعود بالنفع ، أو لم تجر العادة على وقوعها ، لذلك فقد كره جمهور أهل العلم استعمال الرأي في الوقائع قبل أن تنزل [10].

*باحثة سعودية متخصصة في الفقه وأصوله

 



[1] محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي ، الحنبلي ، المعروف بابن قيم الجوزية (شمس الدين ، أبو عبد الله ) أحد كبار العلماء ، فقيه ، أصولي ، مجتهد ، ولد بدمشق سنة 691هـ ، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وكان أخص تلاميذه ، وسجن معه في قلعة دمشق .  من مؤلفاته : طريق السعادتين ، حادي الأرواح ، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، وغيرها من المصنفات المهمة .  توفي في دمشق سنة 751هـ . ( انظر : الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ ابن حجر 4/21 – مختصر طبقات الحنابلة لابن الشطي ، ص 61) .

[2] عمرو بن العاص بن وائل السهمي ، كان داهية قريش ومن أفضلهم رأياً وحزماً وكفاءة وبصراً بالحروب ، أسلم قبل الفتح سنة 8هـ وهاجر مسلماً ، افتتح إقليم مصر  في عهد عمر ، توفي سنة 43هـ . (انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الجزري 4/244 – الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر 4/537)

[3] عمرو بن العاص بن وائل السهمي ، كان داهية قريش ومن أفضلهم رأياً وحزماً وكفاءة وبصراً بالحروب ، أسلم قبل الفتح سنة 8هـ وهاجر مسلماً ، افتتح إقليم مصر  في عهد عمر ، توفي سنة 43هـ . (انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الجزري 4/244 – الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر 4/537)

[4] عمرو بن العاص بن وائل السهمي ، كان داهية قريش ومن أفضلهم رأياً وحزماً وكفاءة وبصراً بالحروب ، أسلم قبل الفتح سنة 8هـ وهاجر مسلماً ، افتتح إقليم مصر  في عهد عمر ، توفي سنة 43هـ . (انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الجزري 4/244 – الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر 4/537)

[5] إعلام الموقعين عن رب العالمين ، 4/ 265-266

[6] محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الخولاني ثم الصنعاني .  مفسر ، فقيه ، مجتهد ، محدث ، أصولي ، مؤرخ ، أديب ، نحوي ، منطقي ، من كبار علماء اليمن من صنعاء ، ولد بهجرة شوكان سنة 1173هـ ، نشأ بصنعاء وولي قضاءها ، ومات حاكماً بها سنة 1250هـ .  له 114 مؤلفاً ، منها : نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار ، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير . (انظر : الفكر السامي 2/ 76 – البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع للشوكاني 2/214)

[7] إرشاد الفحول ، ص 374-375

[8] المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن قضاعة الكندي البهراوي الحضرمي ، ويعرف بابن الأسود ، وهو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام ، أول من قاتل على فرس في سبيل الله ، هاجر الهجرتين ، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول ا لله ، سكن المدينة ودفن فيها سنة 33هـ . (انظر : أسد الغابة 5/251 – الإصابة 6/159)

 

[9] صحيح مسلم ،كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله ، ص34 ، 95

[10] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ، 2/ 1063

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"وكالة المسجد النبوي" تجري المقابلات للمتقدمين لموسم الحج
تمت تهيئة أجواء مناسبة للمرشحين قبل مقابلاتهم الشخصية
دورة علمية للتعريف بفقه علوم السنة في الشارقة
تحت شعار " وما ينطق عن الهوى "، انطلقت فعاليات الدورة العلمية الخامسة عشرة التي ينظمها المنتدى الإسلامي بحكومة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بحضور أكثر من 500 مشارك ومشاركة من مختلف دول العالم الإسلامي.
"السند": نهنئ جنودنا على الحد الجنوبي ونحمد الله على ما تحقق من نصر
التقى الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله السند، صباح اليوم الثلاثاء، بمديري عموم فروع الرئاسة العامة في جميع مناطق المملكة العربية السعودية بحضور الوكلاء.
د.الفوزان: جزاء الطاعة طمأنينة في الدنيا، وجنًة في الاخرة
وأضاف فضيلته أن الطاعة سبب لفوز العبد برضوان الله تعالى وجنته في الآخرة...
باحث شرعي: الأضحية سنة مؤكدة
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور مرسي محمد المرسي، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية، جامعة الأزهر...
عضو كبار العلماء :المحرم شرط لوجوب الحج على المرأة
قال فضيلته : إن إرادة المعصية موجبة للعقاب ،فلا ينبغي التساهل في هذا وإن أفتى به من أفتى
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م