تجارب عالمية في تدريس فقه القضايا المعاصرة
|
أ.د. محمد جبر الألفي
أضيف فى 1433/03/09 الموافق 2012/02/01 - 09:09 ص


تجارب عالمية في تدريس فقه القضايا المعاصرة

التجربة الفرنسية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيسعدني أن أشارك في ندوة (تدريس فقه القضايا المعاصرة في الجامعات السعودية) بورقة عمل في المحور الثالث بعنوان: "تجارب عالمية في تدريس فقه القضايا المعاصرة – التجربة الفرنسية".

حدود الدراسة:

تقتصر هذه الورقة على بيان أنموذجين للتدريس في العاصمة بباريس، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: الدراسة الأكاديمية في جامعة باريس رقم (1) السوربون.

وثانياً: الدراسة البحثية في المركز القومي للبحث العلمي.

ولا يعني ذلك أن دراسة القضايا المعاصرة لا توجد في جامعات أو مراكز أخرى؛ ففي كل جامعة من الجامعات الفرنسية المنتشرة في الأقاليم يمكن تنظيم مثل هذه الدراسة إذا توافر عدد من الطلاب المقبلين عليها، وتيسر وجود أستاذ مؤهل لإدارتها والإشراف عليها.

منهج الدراسة:

سوف نتبع في هذه الورقة المنهج الوصفي- الاستقرائي لبيان طبيعة الدراسة، ونوعية الطلاب المقبلين عليها وأعدادهم وكيفية التدريس وتقويم الدراسين.

خطة الدراسة:

نتناول هذه الدراسة الموجزة في مطلبين: نخصص أولهما للدراسة الأكاديمية ونعرض في الآخر منهج المركز القومي للبحث العلمي.

ونرجو أن نقدم بهذه الورقة صورة واضحة للتجربة الفرنسية في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة.

والله من وراء القصد.

المطلب الأول

منهج الدراسة الأكاديمية للقضايا المعاصرة

ليس من المستغرب أن تنظم الجامعات الفرنسية دراسات إسلامية ذات مستوى متميز، وأن يقبل عليها عدد لا بأس به من الفرنسيين، فقد ساد النظام الإسلامي في الأندلس (إسبانيا والبرتغال والنصف الجنوبي من فرنسا) ثمانية قرون، واحتلت فرنسا ردحاً من الزمن شمال أفريقيا (تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) وبعض دول إفريقيا المسلمة (كالسنغال ومالي والنيجر وتشاد وجيبوتي) وبعض الدول العربية (كسوريا ولبنان) ويزيد عدد المسلمين في فرنسا الآن عن خمسة ملايين نسمة منهم الفرنسيون ومنهم المهاجرون.

وقد اقتصرت في عينة البحث على جامعة باريس رقم 1- السوربون؛ لأنني قمت بالتدريس فيها على مدى خمس سنوات، وإلا فإن جامعة باريس رقم 3 تضم قسماً للدراسات الإسلامية إلى جانب مدرسة اللغات الشرقية والكوليج دي فرانس.

طبيعة الدراسة:

توجد في جامعة باريس رقم 1- السوربون قاعة للقانون الإسلامي (sale de droit musulman ) مزودة بمكتبة تحوي العديد من الكتب العربية والفرنسية في الفقه والأصول والقواعد والمقاصد واللغة والتاريخ.

ويعتبر مقرر القانون الإسلامي من المقررات الاختيارية في برنامج الليسانس وفي برنامج الماجستير، يتغير موضوع المقرر كل عام تبعاً لتخصص الأستاذ القائم بالتدريس، على أن يعلن للطلاب قبل بدء الدراسة بوقت كاف: اسم الأستاذ، وموضوع المقرر، وزمان الدراسة، ومكانها، وعدد الساعات المعتمدة.

وقد جرى العرف الأكاديمي على أن يكون موضوع المقرر لطلاب مرحلة الليسانس مقتصراً على فقه الأسرة من زواج وطلاق وميراث ووصية ووقف؛ لأن هذه المسائل تخضع للتحكيم بين المسلمين، ثم تعتمد المحاكم قرار المحكمين وتذيله بالصيغة التنفيذية، ما لم يخالف النظام العام في فرنسا، فيصير بمثابة حكم قضائي ملزم.

أما مقرر مرحلة الماجستير فيخضع لاختيار الأستاذ حسب الضوابط الأكاديمية، فقد يكون في نظام الحكم أو في المعاملات المالية والمصرفية أو في الجنايات أو في القضاء والتحكيم.

ويأتي موضوع دراسة القضايا الفقهية المعاصرة في كل من المرحلتين: ففي مرحلة الليسانس جرى البحث عن أحكام بنوك الحليب، والاستنساخ وإجهاض الجنين المشوه، والأنكحة المعاصرة وفسخ النكاح بسبب العيوب التي أمكن علاجها ونحو ذلك.

وفي مرحلة الماجستير جرى البحث عن العلاقة بين الإجماع وقرارات المجامع الفقهية والفرق بين الشورى والديمقراطية والحكم فيما أطلق عليه قتل الرحمة، وأحكام الربا خارج ديار الإسلام وودائع البنوك والإجارة المنتهية بالتمليك والاشتغال بالقضاء والمحاماة في دولة غير مسلمة ونحو ذلك.

نوعية الطلاب وأعدادهم:

الدراسة في المقررات الاختيارية متاحة لجميع طلاب الجامعة –حسب البرنامج المعتمد لديهم- ولا مانع من التعاون بين الجامعات في اعتماد أحد المقررات التي تدرس في جامعة أخرى[1] وفي حالات كثيرة كنت أجد أمامي بعض الطلاب من جامعة باريس رقم 2 أو رقم 7.

وأكثر الطلاب الذين يقبلون على دراسة هذا المقرر في مرحلة الليسانس من الفرنسيين ومن المهاجرين من دول إفريقية –مسلمين وغير مسلمين- ومتوسط عددهم في الفصل خمسة وعشرون طالباً.

وأكثر الطلاب الذين يقبلون على دراسة هذا المقرر في مرحلة الماجستير من طلاب البعثاث الوافدين من دول إسلامية في أوروبا (تركيا- ألبانيا- البوسنة والهرسك) وي آسيا (إيران- أفغانستان- العراق- سوريا- لبنان) وفي أفريقيا (مصر- ليبيا- تونس- الجزائر- المغرب- السنغال- السودان- جزر القمر) وقد نجد أحياناً بعض الطلاب من أمريكا وروسيا وعدداً من الفرنسيين. ومتوسط عدد الطلاب المسجلين في كل فصل يتراوح بين العشرين والثلاثين.

كيفية التدريس:

التدريس في الجامعات الفرنسية يعتمد اللغة الفرنسية وحدها، ويقوم على أسلوب المحاضرة والمناقشة والتعلم الذاتي القائم على الاستنباط والتحليل والربط بين الجزئيات واستخلاص النتائج.

يبدأ الأستاذ بالمحاضرة التوجيهية فيعرض العناصر الأساسية للموضوع محدداً أهم المراجع والمصادر لكل عنصر (كتب- بحوث- قرارات قضائية- تعليقات على الأحكام) ويختار أحد الطلاب إعداد بحث في هذا الموضوع ويحدد الوقت المناسب لإلقاء البحث، وبعد انتهاء المحاضرة يتوجه الطلاب إلى المكتبة العامة لإعداد بحث شامل لعناصر الموضوع، مستهدين بما طرحه الأستاذ من عناصر وأفكار، مع الإفادة من المصادر والمراجع التي أشار إليها، وقد يتطلب الأمر أن يلجأ الطالب إلى جهة تقدم له ما يساعده على إثراء البحث، كالمختبرات والمحاكم ومراكز البحث والغرف التجارية وشركات التأمين.

وفي المحاضرة التالية: يبدأ الأستاذ محاضرته التوجيهية في موضوع آخر ثم يفسح المجال للباحث يلقي بحثه، وتدور المناقشة حول موضوع البحث، فيعرض كل طالب ما توصل إليه من نتائج –مشابهة أو مغايرة- ويقيم الأستاذ جهود كل من الطالب الباحث وزملائه فيضع لكل منهم درجة ملائمة ويمثل مجموع درجات كل طالب نشاطه الصفي الذي يقدر بنصف الدرجة النهائية[2].

التقويم النهائي:

أولاً: التحريري: مدة الاختبار التحريري خمس ساعات، وموضوعه سؤال واحد في أحد عناصر المقرر يبدأ الطالب إجابته بإعداد خطة منطقية تغطي عناصر الموضوع، ثم يعالج كل عنصر بمنهج علمي يعتمد سرد الأقوال ومناقشتها والترجيح بينها والنتيجة التي توصل إليها.

ويصحح الأستاذ هذه الإجابة على ضوء عدة معايير:

1-قدرة الطالب على التخطيط المنطقي السليم.

2-قدرة الطالب على استيعاب المعلومات.

3-قدرة الطالب على الابتكار ومواجهة المشكلات وكيفية التغلب عليها.

4-قدرة الطالب على التعبير الصحيح.

5-قدرة الطالب على تقدير الوقت.

ثانياً: الاختبار الشفوي: إذا نجح الطالب في الاختبار التحريري يسمح له بالتقدم للاختبار الشفوي فيعد الأستاذ عدداً من الأسئلة يماثل عدد الطلاب ويضعها في سلة أمامه ليأخذ كل طالب سؤالاً منها ويمنحه الأستاذ مدة ساعة لتحضير إجابته، وغالباً ما يكون مع الأستاذ أستاذ آخر لمناقشة الطالب وتقويم إجابته وفق المعايير السابقة.

ومن المعلوم أن النظام العام في فرنسا يسمح بإطلاق حرية التفكير وتكوين رأي ذاتي في المجال العلمي. وقد أوضحنا منذ البداية أن حرية التفكير والتعبير ينتج عنها رأي شخصي، أما منهجنا في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة فلها هدف آخر، المقصود هو الكشف عن الحكم الشرعي، وهو لا يمثل رأياً شخصياً ولكنه يحاول التوصل إلى "خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين" وهذا لا يصلح إلا باتباع المعايير التي سنعرضها في المطلب الثاني بحول الله.

تقويم التجربة:

أولاً: هذه الدراسة تتناسب مع مفاهيم التدريس المتبعة في المرحلة السابقة على الدراسة الجامعية حيث يعتاد الطلاب على المنهج الاستنباطي التحليلي في جميع المقررات النظرية والعملية، ولا مجال لطريقة الإلقاء أو التلقين، وإنما يقتصر دور المدرس على تقديم العناصر الأساسية وتوجيه الطلاب إلى كيفية البحث ومظانه، ثم ملاحظتهم بدقة متناهية، وإذا وجد لدى بعضهم مظاهر نبوغ وتفوق تعهده بالرعاية، وقد ينقله إلى فصل متقدم.

وقد يختلف هذا المنهج مع ما درجنا عليه في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا فقد وجدنا من المدرسين من يهتم بالإلقاء والتلقين، ويحرص على حشو أدمغة الطلاب بالمعلومات التي تعب في جمعها، ويمنعهم من توجيه أسئلة تضيع الوقت المحدد كي يتمكن من تغطية جميع مفردات المقرر. ولهذا يلجأ طلابنا إلى من يعد لهم مذكرات موجزة تختصر المقرر في ورقات معدودة يستظهرها الطالب لمجرد الإجابة في الاختبار.

ثانياً: فقه القضايا المعاصرة مقرر اختياري لا يسجل فيه إلا الطالب الذي يستهويه هذا المقرر ويرى أن هناك فائدة علمية وعملية تعود عليه من دراسته. وهذا يختلف عما ينبغي أن يكون عليه الحال عندنا، فقه القضايا المعاصرة بالنسبة لنا منهج حياة يستغرق كل المجالات التي يتخصص فيها الطلاب، فالنوازل الفقهية تتصل بالأحكام الشرعية التي تسود العمل القضائي والطبي والاقتصادي والزراعي والتجاري والتشريعي والفني وسائر أنشطة المجتمع؛ ولهذا يجب أن يكون مقرراً إجبارياً في جميع التخصصات الجامعية ( كل حسب حاجته).

ثالثاً: لا يستقيم التدريس الصحيح الجاد إلا إذا توافر الأستاذ المخلص المؤهل لذلك، فالجامعات المرموقة لا تسمح لكل من حصل على درجة الدكتوراه بتولي منصب التدريس فيها. بعضها يعقد للدكاترة دورات مكثفة في وسائل التدريس وطرق التقويم وكيفية التعامل مع الطلاب والزملاء، وبعضها لا يقبل إلا من تمرس في التدريس الأكاديمي ونشر بحوثاً تكشف عن شخصيته وأسلوبه ومنهجه، والكثير من الجامعات يعد في نهاية كل فصل دراسي استبانة يقيم الطلاب فيها أستاذهم وفق معايير موضوعية إلى جانب تقارير الرؤساء وآراء الزملاء.

المطلب الثاني

منهج المركز القومي للبحث العلمي (C.N.R.S)

المركز القومي للبحث العلمي مؤسسة حكومية مقرها باريس، تهدف لتشجيع البحث العلمي في مجالاته المختلفة (العلوم الإنسانية- العلوم التطبيقية) وتستقطب المتميزين من الباحثين لإعداد بحوث تحظى باهتمام المجتمع، تحت إشراف عدد من الأساتذة ذوي الخبرة والكفاءة، ويقوم بتمويل هذه البحوث –إلى جانب ما تخصصه وزارة البحث العلمي- رجال التجارة والصناعة والمراكز الطبية والفنية والمحسنون في المجتمع.

والمركز القومي للبحث العلمي لا ينظر إلى دين الباحث أو جنسه أو جنسيته، وإنما يستقطب الكفاءات التي يمكنها إفادة المجتمع ببحوث تعالج مشكلة أو تقدم جديداً أو ترقى بالمجتمع بوجه عام.

ويقوم نظام البحث في المركز القومي على تكوين حلقات مصغرة (من خمسة إلى سبعة باحثين) في ورش عمل متخصصة تجتمع بصفة دورية مرة كل أسبوع أو كل عشرة أيام لمناقشة موضوع محدد، تحت إشراف الأستاذ الذي يتولى إدارتها وتوجيهها بحيث يستعرض كل باحث ما توصل إليه خلال هذه المدة من معلومات أو تجارب أو رحلات أو إحصاءات .. وغير ذلك ويبدي كل باحث ما تراءى له ثم ينسق المشرف على الورشة بين هذه الآراء والاقتراحات وهكذا، حتى يتم العمل في الورشة ببحث جماعي ينشر في مجلة علمية متخصصة وقد يوجه إلى من يعنيهم الأمر من رجال التشريع إذا كان يناقش مشروع قانون أو رجال المال والأعمال إذا كان يتعلق بمنتج اقتصادي أو إلى الجمعية التاريخية أو الجمعية الجغرافية أو مجمع اللغة أو أكاديمية الفنون وهكذا.

أنموذج بحث يتعلق بفقه القضايا المعاصرة

طلب بعض رجال الأعمال تخصيص ورشة عمل لوضع معايير يلتزم بها القائمون على إنشاء شركة قابضة في دوقية لوكسمبورج لممارسة أعمال مالية ومصرفية تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية.

تكون فريق العمل من خمسة باحثين: تونسي وجزائري وسنغالي ولبنانية ومصري، تحت إشراف الشيخ محمد حميد الله الحيدر ابادي[3].

وبما أن الأسواق المالية والمصرفية العالمية تشتمل على كثير من المحرمات؛ لأن فلسفة التعامل فيها تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة، فإن وضع معايير شرعية للتعامل يخضع لدراسات معمقة تعتمد على الكتاب والسنة واجتهاد الفقهاء من مختلف المذاهب وآراء علماء العصر.

تم توزيع العمل على فريق البحث، واجتهد كل منهم في صياغة أحد المعايير وعرضه في ورشة العمل مبيناً وجهة نظره وما استند إليه، ويحاوره زملاؤه فيضيفون أو يحذفون، يوافقون أو يعترضون، ويتدخل الأستاذ المشرف لتصحيح بعض الأفكار، وإضافة مصدر أو مرجع.. وهكذا حتى انتهت ورشة العمل إلى الاتفاق على المعايير الآتية[4]:

1-الأصل في المعاملات من عقود وشروط: الإباحة فلا يمنع منها إلا ما ورد نص صريح يمنعه يقول تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون}[5] ويقول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً"[6].

2-مراعاة الثوابت التي وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة وفصلها الفقهاء من نحو: التراضي، وتجنب الربا والغرر، والتحايل لأكل أموال الناس بالباطل. وقد نبه شيخ الإسلام على ذلك بقوله في مجموع الفتاوى[7]: "فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم، دقه وجله مثل: أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر، وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم مثل بيع الغرر وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة".

3-الأخذ في الاعتبار بالعادات والأعراف بضوابطها التي حررها الفقهاء والأصوليون، فقد أورد العلماء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفاً: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"[8].

يقول ابن القيم رحمه الله: "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم ممن طيب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطباعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرها على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان"[9].

4-مراعاة مقاصد الشريعة في العلل والمصالح ومآلات الأفعال: "فالشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"[10]. والأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات (المعاملات) الالتفات إلى المعاني"[11]، و"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد منه. وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تربو عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة"[12].

ويدخل في هذا العنصر: إبطال الحيل التي يتوصل بها من العقود والتصرفات المشروعة إلى مقاصد محظورة شرعاً، وضابطها "ما هدم أصلاً شرعياً أو ناقض مصلحة شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلاً شرعياً ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي ولا هي باطلة"[13].

5-استصحاب فقه الواقع: بحيث تراعى الظروف المحيطة بالنازلة والأشخاص والمجتع، وقد نبه القرافي إلى هذا المعنى بقوله[14]: "قد غفل عنه كثير من الفقهاء، ووجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى بناء على عوائد لهم، وسطروها في كتبهم بناء على عوائدهم، ثم المتأخرون وجدوا تلك الفتاوى فأفتوا بها، قد زالت تلك العوائد، فكانوا مخطئين خارقين للإجماع، فإن الفتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع".

ويعني ذلك: "أن الحكم الشرعي لازم لعلته وسببه وجار معه، فعند اختلاف أحوال الزمان والناس تختلف علة الحكم وسببه فيتغير الحكم بناء عليه"[15].

مع ملاحظة أن الأحكام التي يمكن تغيرها هي الأحكام التي بنيت على اجتهاد قد راعى العادات والأعراف والمصالح العامة، ولا ينطبق ذلك على الأحكام التي تثبت بنص صريح مهما تغيرت الظروف.

6-ربط الاجتهاد الفقهي بقاعدة الضرورة الشرعية: فإذا خرجت الأمور عن مسارها المعتاد، واستحال معها أو عسر تطبيق النص المتضمن لحكم شرعي، فإن الشرع يجعل للمكلف مخرجاً ويشعره بأنه –وهو يخالف الأحكام الشرعية- لا يزال في رحاب رحمة الله الواسعة، يفعل ما يتيسر له وقلبه مطمئن إلى أنه لم يخرج عن دائرة المشروعية.

وقد وضع العلماء ضوابط ينبغي تحققها ليصح العمل بقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" وقاعدة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة"[16].

7-اعتماد فقه الموازنات والترجيح: تحكم فقه الموازنات والترجيح قاعدة ذهبية، استخلصها العلماء من مجموع أدلة شرعية، وتطبيقات عملية، ومقتضيات مقاصد الشريعة، ويتفق مضمونها مع اختلاف عباراتها: "ما حرم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة"[17] أو: "ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يفعل لأجل المصلحة الراجحة"[18] أو: "الحرام لذاته تبيحه الضرورة، والحرام لغيره تبيحه الحاجة أو المصلحة الراجحة"[19].

دليل القاعدة: حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئاً، ولا بأس به يداً بيد"[20] مع حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة[21].

فالنهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إنما كان؛ لأنه ذريعة إلى النسيئة في الربويات، فسد عليهم الذريعة، وأباحه يداً بيد، ومنع من النساء فيه، وما حرم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.

وفي حديث ابن عمرو: إنما وقع في الجهاد وحاجة المسلمين إلى تجهيز الجيش، ومصلحة تجهيزه أرجح من المفسدة في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة[22].

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائباً بناجز"[23].

فهذا النهي لسد ذريعة الوقوع في الربا المحرم، أما المصوغ والحلية "إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها، فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إلى ذلك.. فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلعة.. يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان.. يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سداً للذريعة كما تقدم بيانه وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة"[24].

خاتمة

في نهاية هذه الورقة الموجزة التي تناولت التجربة الفرنسية في تدريس فقه القضايا المعاصرة نخلص إلى النتائج والتوصيات الآتية:

أولاً: النتائج

1.  فقه القضايا المعاصرة: مقرر اختياري لطلاب مرحلة الليسانس في كلية الحقوق، ويمكن أن يسجل فيه طلاب الدراسات الإسلامية.

وهو كذلك مقرر اختياري لطلاب مرحلة الماجستير في كلية الحقوق بجامعة باريس.

2.  جرى العرف الأكاديمي على أن يقتصر مقرر الليسانس على دراسة الأحوال الشخصية من زواج وفرقة وميراث ووصية ووقف.

أما مقرر الماجستير فيتغير في كل عام تبعاً لتخصص الأستاذ ونوع النازلة التي تشغل المجتمع.

3.  يعتمد تدريس المقرر على المحاضرة التوجيهية مع إعداد بحث في موضوع كل محاضرة، ثم مناقشة هذا البحث وما توصل إليه من نتائج، ومجموع البحوث هو محتوى المقرر.

4.  التدريس في فرنسا يعتمد الكيف، لا الكم، ويكون التقويم في اختبار تحريري وآخر شفوي على ضوء عدة معايير أهمها: التخطيط السليم، واستيعاب المعلومات، والابتكار، ومواجهة المشكلات وكيفية التغلب عليها، والتعبير الصحيح، وتقدير الوقت.

5.  المركز القومي للبحث للعلمي يستقطب المتميزين من الباحثين لإعداد بحوث ترقى بالمجتمع، وذلك بتكوين حلقات بحث مصغرة في ورش عمل متخصصة يشرف عليها أستاذ متميز، من أجل إنتاج علمي مرموق يسهم في نهضة المجتمع.

ثانياً: التوصيات

1.         فقه القضايا المعاصرة يعتبر منهج حياة وأسلوب عمل في المجتمعات الإسلامية، ولهذا يجب أن يكون مقرراً إجبارياً في جميع التخصصات الجامعية، كل حسب حاجته.

2.         لا يقوم بتدريس هذا المقرر إلا أستاذ كفء تم إعداده أكاديمياً ومنهجياً.

3.         الابتعاد بقدر الإمكان عن طريقة الإلقاء والتلقين وتحديد كتاب معين يحوله الطلاب إلى مذكرات مختصرة، مع تعويد الطلاب على كيفية البحث المؤدي إلى التعلم الذاتي.

4.         التعليم الصحيح المنتج يعتمد الكيف لا الكم، مع ضرورة مراجعة المناهج بصفة دورية لإزالة الحشو والمعلومات المكررة أو المتناقضة أو المتعارضة مع التطور العلمي.

5.         العناية بكيفية تقويم الطلاب، بحيث يؤخذ في الاعتبار عند التقويم الفصلي أو النهائي المعايير الصحيحة للكشف عن مدى قدرة الطالب على التخطيط، واستيعاب المعلومات، وابتكار الأفكار، ومواجهة المشكلات، والتعبير الصحيح بأسلوب موضوعي واضح ولغة سليمة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش



[1] في باريس وحدها ثلاث عشرة جامعة حكومية.

[2] يلاحظ أن الدراسة في فرنسا تعتمد الكيف لا الكم، فعدد مقررات الماجستير خمسة: مقررات فقط للاختبار التحريري، وثلاثة للاختبار الشفوي (لمن لم ينجح في التحريري).

[3] محمد حميد الله: من حيدر اباد، هاجر إلى فرنسا قبل تقسيم الهند إلى هندوستان وباكستان، والتحق بالمركز القومي للبحث العلمي، يجيد العربية والأردية والفرنسية والتركية والألمانية، له عدة كتب وبحوث أبرزها: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية، وحياة محمد صلى الله عليه وسلم بالفرنسية.

[4] قمت باختصار هذه المعايير، وإعادة صياغتها وإضافة المعيار السابع.

[5] سورة يونس: 59.

[6] سنن الترمذي 3/635 قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.

جاء في مجموع الفتاوى: " والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه" مجموع الفتاوى 28/386.

[7] ابن تيمية، مجموع الفتاوى 28/385-386.

[8] مجمع الزوائد للهيثمي 1/177-178 وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثوقون".

[9] إعلام الموقعين 3/78.

[10] مجموع فتاوى ابن تيمية 30/193.

[11] الموافقات للشاطبي 2/300.

[12] الموافقات للشاطبي 4/194.

[13] الموافقات 2/387.

[14] في الفروق 3/162.

[15] مناهج الفتيا في النوازل الفقهية المعاصرة، مسفر بن علي القحطاني ص 91 وأشار إلى: إعلام الموقعين 3/36-38 وإغاثة اللهفان 1/330-331 ومجموع رسائل ابن عابدين 2/123.

[16] قاعدة المشقة تجلب التيسير، يعقوب الباحسين ص 484-489 والمراجع التي أشار إليها وكذلك ص 508-509.

[17] زاد المعاد لابن القيم 3/427.

[18] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 22/298.

[19] الفروق للقرافي: الفرق الثامن والخمسون.

[20] سنن الترمذي 1238 وقال: "حديث حسن".

[21] أخرجه أحمد في المسند 7025 وأبو داود في السنن 3357 والبيهقي 5/287-288 من طريق الدارقطني وصححه وانظر: فتح الباري لابن حجر 4/347.

[22] مجموع فتاوى ابن تيمية 22/298، إعلام الموقعين لابن القيم 3/405-408.

[23] البخاري 3/97، مسلم 3/1208، الترمذي مع عارضة الأحوذي 5/294، المجتبى 7/244، الموطأ 2/632، المسند 3/904.

[24] إعلام الموقعين 3/405-408.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الشيخ المنجد: إقامة الولائم لفوز الأندية مكروهة مكروه حضورها
المنجد: أنه بمثل هذه المأدبات تمتلئ القلوب تعصباً مقيتاً وتوغر صدور المشجعين بعضهم على بعض،
باحث شرعي : صلاة الاستسقاء للمرأة جائز بشروط
لم يَأْتِ في الشَّرع، ما يَجعل تِلْكَ الصَّلاة حكرا على الرجل دون المرأة
فقيه : لا يجوز للمرأة هجر زوجها بسبب معصيته
لا يجوز أن تهجر الزوجة زوجها، حيث أن هذا الهجر يعد من المعاصي
مفهوم عموم البلوى
من معاني العموم -في اللغة - الشمول والبلوى: اسم بمعنى الاختبار والامتحان فعموم البلوى -في اللغة-: كثرة وقوع الشيء.
شبهة عقوبة المرتد عن الإسلام
تتلخص هذه الشبهة في أن المسلم – أصالة أو اعتناقًا – لا يحق له الرجوع عن الإسلام واعتناق دين أو فكر آخر، وإلا قتل لردته...
من واجب المسلم المحافظة على الثوابت الإسلامية
ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم...
12345678910
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م