كيفيّة إعدادِ خُطّةَ البحث (13)
|
صلاح عباس فقير
أضيف فى 1433/02/23 الموافق 2012/01/17 - 03:33 م


مقدّمة:

البحثُ سلسلةٌ من المعاني الأفكار، يتمُّ انتقاؤها وترتيبُها بطريقةٍ محكمةٍ مترابطةٍ، لتؤدِّيَ إلى أفكارٍ ومعانٍ أخرى تلزمُ عنها. وبقدر ما تكون هذه السّلسلةُ مختارةً ألفاظها بعنايةٍ، ومُحكماً بناؤها، ومنطقيّاً لزومُ بعضها عن بعض، يكون الباحث قد وُفِّق إلى تحقيق هدفه من وراء البحث، مصداقاً لقول أبي الحسن عليِّ بن هُذَيل: "والّذي عليه المدارُ في التّأليف، هو: حسن الانتقاء، والاختيار مع التَّرتيب، والتّبويب والتّهذيب والتّقريب"[1].

وتحقيقُ هدف الباحث، من وراء بحثه، يعتمدُ على حسن تخطيطه لعمليّة البحث التي سيقومُ بها، بعد أن يختار الموضوعَ الّذي يرغبُ في بحثه، ويستوثقُ من أنّه لم يقم أحدٌ ببحثه من قبل.

وفيما يلي أعرض مُجمل الأفكار التي قدّمها الأستاذ الدكتور أبو سليمان في كتابه (منهج البحث في الفقه الإسلاميّ)[2]؛ فيما يتعلّق بكيفيّة إعداد خطّة البحث، فلنتساءل ابتداءً:

ما هي خطة البحث؟

يذهب الدكتور أبو سليمان، إلى ما ذهب إليه علماءُ مناهج البحث العلميّ، من تعريف خطة البحث بأنّها: "عمليّةٌ هندسيّةٌ، لتنسيق مباحثه، والتّلاؤم بين أجزائه، وإظهار ما يستحقُّ منها الإبراز والتركيز، فالباحث كمهندسٍ معماريٍّ، يهتمّ بالتركيبات والقطاعات فيما بينها، كما يهتمُّ بالشَّكل الخارجيّ، وإنّما يتميّز مهندسٌ عن آخر، كما يتميّز باحث عن آخر، بلمساته الفنّية، والتّلاؤم بين الأجزاء في صورة متناسبةٍ، وعرضٍ أخّاذ"[3].

كيف يبدأ التّفكير في تدوين خطة البحث الفقهيّ؟

"يبدأ التفكير في تدوين خطة البحث الفقهيّ، خطواته العمليّة، بالتحليل العلميّ لموضوع البحث، إلى عناصر رئيسة واضحة، ثمّ تغذية تلك العناصر، وتنميتها بالقراءة في المصادر الفقهيّة؛ ليزداد تصوّر الموضوع وُضوحاً، وأفكارهُ نماءً"[4].

وهكذا شيئاً فشيئاً، ستبدأ معالم البحث بالظهور في وعي الباحث،  تلك هي البداية الصحيحة، ومنها يكون الانطلاق، بيد أنّ الباحث المبتدئ، يحتاج إلى مزيدٍ من التوجيه، حتى لا يقع في الارتباك والحيرة، فها هنا مزيدٌ من المقترحات:

مقترحاتٌ لتكوين خطّة البحث الفقهيّ:

أولاً: قراءة مجموعة مختارة من المدونات الفقهية المتوسطة المعتمدة، التي تمثل مدارس فقهية مختلفة، لمؤلفين متميزين بمناهجهم وقدراتهم العلمية.

ثانياً: الاطّلاع على المؤلفات الفقهية المعاصرة، التي اشتهر مؤلفوها بحصن العرض وصفاء الفكر وصحة المنهج، وفي طليعة هؤلاء الدكتور عبد الرزاق السنهوريّ[5].

نماذج من بعض المصادر الفقهية المعينة على تكوين خطة البحث[6]:

1.  كتاب (المقدمات الممهّدات لبيان ما اقتضته رسوم المدوّنة من الأحكام الشّرعيّة والتّحصيلات المحكمات لأمّهات مسائلها المشكلات)، لابن رشد الحفيد، وهو مصدرٌ يُعين قارئه على حسن تصوّر بداية الموضوع الّذي ينتوي البحث فيه، ومقدّماته والتمهيد له، والعناصر التي يحتاجها، وذلك لأنّ ابن رشد (520هـ) ألّفه في الأصل من أجل تلبية حاجة طلاب العلم إلى هذه المقدّمات، التي يسهل لهم من خلالها التّعاملُ مع محتوى الكتاب ومضمونه.

2.  كتاب (بدائع الصنائع في ترتيب الشّرائع) للكاسانيّ (587هـ)، وكتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لابن رشد، ويهتمّ هذا الكتابان بتقسيم الموضوع الفقهي إلى عناصر، وتفصيلها حسب مباحثها، وتقديم تصوّر عامّ في بداية العرض.

يقول الكاسانيّ في مقدمة كتابه: "والمقصود الكلّي من التصنيف، في كلّ فنٍّ من فنون العلم، هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب على الطالبين، وتقريبه إلى أفهام المقتبسين، ولا يلتئم هذا المراد إلا بترتيبٍ تقتضيه الصناعة، وتوجبه الحكمة، وهو التصفح عن أقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعدها وأصولها؛ ليكون أسرعَ فهماً، وأسهل ضبطاً، وأيسر حفظاً".

أمّا ابن رشد القرطبي، فإنه يُقدِّم في (بداية المجتهد)، وفي بداية كلّ موضوعٍ، تصوّراً مبدئيّاً لتخطيط البحث، بصورة منطقيّة متسلسلة مترابطة، ولدى تأمّل عناصر وتقسيمات موضوعات هذا الكتاب، وتجميع المتجانس والمشترك منها في بابٍ واحد، سنجد أنّ العلامة ابن رشد إنّما كان يخطط لبناء نظرية فقهية، حسب المدلول الحديث، أي: "ضمّ موضوعات ومسائل فقهيّة قانونيّة خاضعة لأركانٍ وشروطٍ وأسبابٍ مشتركة، تصلُها ببعضها البعض، علاقةٌ فقهيّة تُكوّن منها وحدة موضوعيّة في دراسة مستقلّة".

الخطوات العمليّة للبدء في خطة البحث:

أولاً: تدوين الموضوعات والأفكار الرئيسة التي توصّل إليها أثناء قراءته للمصادر، والاقتباسات النّصّيّة التي تدلّ عليها، وذلك في بطاقاتٍ، أو في غيرها من الوسائل الإلكترونية التي تؤدّي الغرض.

ثانياً: تصنيف هذه البطاقات، بحسب موضوعاتها.

ثالثاً: ضمّ المعلومات اللاحقة إلى تلك المصنّفات، كلٌّ في موضعه.

رابعاً: تقسيم تلك الموضوعات، وترتيبها ترتيباً منطقيّاً، بحيث تكون أقساماً للبحث، فيجعلها في أبوابٍ وفصول ومباحث، أو في فصولٍ ومباحث، بحسب ما يراه مناسباً مع طول بحثه، وتعدّد جوانبه[7].

وبذلك يكون الباحث قد أعدّ مخطّطاً إجماليأّ لبحثه، يوجّه خطواته في الطريق نحو حلّ المشكلة، أو إزالة الغموض واللّبس، في ذلك الموضوع الّذي اختاره، والّذي لا شكّ أنّه سوف يغتني شيئاً فشيئاً من خلال القراءة والاطّلاع، ومن خلال اضطراد مسيرة البحث.

****



[1] عين الأدب والسّياسة، بهامش كتاب (غرر الخصائص الواضحة)، عن: منهج البحث في الفقه الإسلاميّ، د. أبو سليمان، ص 212.

[2] منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: خصائصه ونقائصه، المكتبة المكية، دار ابن حزم، ط1: 1416هـ-1996م.

[3] كتابة البحث الفقهي:صياغة جديدة: للدكتور أبو سليمان: ص46، عن: منهج البحث في الفقه الإسلاميّ، ص217.

[4] منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: ص 217.

[5] منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: ص 217/ 218.

[6] منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: ص 218 - 222.

[7] منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: ص 223.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
إمارة الرياض توجه فرع الهيئة بسحب العباءات المخالفة
أكد الشريمي لـلصحافة المحلية أنه بالنسبة لما تم تداوله حول موضوع مخالفات العباءات، إنما هو تأكيد من مقام إمارة منطقة الرياض على التقيد بالأمر السامي الكريم الصادر منذ فترة
باحث شرعي : ليس للزوج منع زوجته من حجة الإسلام
يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في حج النافلة، وأهل العلم قد أجمعوا على أنّ للرجل منع زوجته من الخروج إلى الحج التطوع
علماء : الإسلام حث على العمل... والكسل سبب تأخر الأمة
أكد عدد من العلماء على دعوة الإسلام للعمل والإنتاج ما بقى المسلم على قيد الحياة، حتى وإن لم يدرك ثمرة هذا العمل، وذلك لبيان قيمة العمل وأهمية الإنتاج للأفراد والأمم.
من فقهاء العصر : محمد الحبيب بلخوجة
مفتي الجمهورية التّونسيّة الأسبق
الجامع الصّغير لمحمد بن الحسن الشّيبانيّ
هو كتاب، قديم، مبارك. مشتمل على: ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م