الوجيزُ في فقه الإمام الشّافعيِّ لأبي حامدٍ الغزاليِّ
|
صلاح عباس فقير
أضيف فى 1433/02/15 الموافق 2012/01/09 - 09:22 ص


مقدّمة:

"الكتب المعتمدة في المذهب الشّافعيّ"، أو في أيّ مذهبٍ من المذاهب الفقهيّة، إنّما تحتلّ هذه المكانة، بما تُقدّمه من إسهامٍ، في إرساء دعائم المذهب الفقهيّ للإمام، وإنّما يحتلّ أحدُ الكتب مكانه ضمنَ هذه الكتب المعتمدة، بقدر ما يجد من حفاوة طلاب العلم به، واهتمام علماء المذهب بشرحه والتّعليق عليه، ومن الملاحظ كذلك أنّ هذه الكتب المعتمدة، تُشكّل فيما بينها سلسلةً ذات حلقاتٍ متعدّدةٍ، بل عدّة سلاسلَ، تربط بينها بعض الرّوابط.

ولقد امتدّت سلسلةُ الكتب المعتمدة في المذهب الشّافعيّ، من الإمام الشّافعيّ وأصحابه، عبر تلميذه المُزَنيّ، إلى إمام الحرمين الجُوينيّ، الذي استوعب تراث المذهب السّابق له، في كتابه (نهاية المطلب)، لتُواصل السّلسلةُ الّذهبيّة امتدادها، عبر تلميذه أبي حامد الغزاليّ، من خلال كتبه الثّلاثة: البسيطُ والوسيط والوجيز، حتّى تتّصل بمحرِّرَي المذهب: الإمامين الرّافعيّ والنّوويّ.

فالوجيزُ في فقه الإمام الشّافعيّ، لأبي حامد الغزاليّ، يمثّل حلقةً مهمّةً في هذه السِّلسلة، لذا نقف عنده؛ لنتعرّف على الأسباب التي جعلته يحظى بهذه المكانة الجليلة، في فقه الإمام الشّافعيّ، وذلك عبر الفقرات التّالية:

- أصل كتاب الوجيز.

- حفاوةُ طلاب العلم والعلماء بالوجيز.

- المنهج الّذي اتّبعه الإمام الغزاليُّ في هذا الكتاب.

وقبل ذلك نقف عند الشخصيّة الفقهيّة لأبي حامد الغزالي:

أبو حامد الغزاليّ:

امتدّت حياةُ أبي حامد الغزالي ما بين عامي (450هـ) و(505هـ)، وهي حياةٌ قصيرةٌ، إذا ما قُورنت بالإنجازات العلميّة الكبيرة التي حقّقها، حيث كانت له صولاتٌ وجولاتٌ في ميادين المعرفة الشّرعيّة وغيرها عموماً، كما في ميدان الفقه الإسلاميّ وأصوله خصوصاً،  "حتى صار شيخ الشافعية في عصره، وإمام المذهب في وقته، وقطب الرحا لمدرسة الشافعية تدريساً وإفتاء وتصنيفاً، حتى فتح الآذانَ إلى الفقه، وبثَّ الحياة والحركة في المذهب الشَّافعيِّ، فقد تولى تدريس الفقه الشافعيَّ والإفتاء به في "نظامية بغداد" ثم "نظامية نيسابور" وفي مجالس التدريس في المساجد والبلاد التي رحل إليها، كالزاوية الغربية في الجامع الأموي بدمشق، وفي القدس، ومكة وغيرها، ولما استقرَّ في بلده طوس أنشأ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وطلبة العلم، صرف نفسه إليها، مع الاشتغال بالأحوال الأخرى، وكان قد انقطع فترة للعبادة والزُّهد، لكنَّه عاد إلى التدريس والوعظ والإفتاء، وقال: "ما كنت أُجوِّز في ديني أن أقف عن الدَّعوة ومنفعة الطَّالبين بالإفادة، وقد حقَّ علي أن أبوح بالحق، وأنطق به، وأدعو إليه"[1].

لكن ما يؤخذُ على أبي حامد الغزاليّ، أنّه "كان قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِآثَارِ السَّلَفِ"[2]، ومصداقاً لذلك رأينا الإمام النووي يذكر، في تنقيحه لشرح (الوسيط في المذهب للإمام الغزالي)، أنّ من أهدافه: "بيانُ الأحاديث: صحيحها وحسنها، وضعيفها ومنكرها، وشاذّها وموضوعها، ومقلوبها والمُصحّف منها"، ثم قال: "والوسيطُ مشتملٌ على هذا كلّهِ"[3].

ويلحظ الشيخ رشيد رضا، أنّ كتب الغزالي الفقهية، قد أُلّفت في مرحلة وجوده بنيسابور، وقبل تأليفه لكتابه الشّهير "إحياء علوم الدّين"، قال: "ولو أنَّه ألف هذه الكتب في نهايته، بعد تأليف (الإحياء) ووقوفه التام على مقاصد الشريعة؛ لأدخل الفقه في طورٍ جديدٍ من الإصلاح، فإنَّ انتقاده على الفقهاء بالتَّوسُّع وغيره، يُصيب بعض ما في كتبه الفقهية، ولولا هذا ما اهتدى إلى ذاك"[4].

أصل كتاب الوجيز:

درج كثيرون –ومنهم شيخ الإسلام ابن حجر- على القول في كتب الغزاليّ الفقهيّة، أنّه اختصر نهاية المطلب للجوينيّ "في مختصرٍ مطوَّل حافل، وسمَّاه (البسيط)، واختصره في أقلَّ منه وسمَّاه (الوسيط)، واختصره في أقل منه وسمَّاه (الوجيز)"[5].  ممّا يعني أنّ الوجيز هو مختصرٌ للبسيط، بيد أنّا نجد عند حاجي خليفة في كشف الظنون مزيداً من التفصيل والبيان، حيث ذكر أنّ الغزالي أخذ هذا الكتاب: "من البسيط والوسيط له، وزاد فيه أموراً"[6].

ولعلّ ما ذكره الإمام الغزاليّ ، في مقدّمة الكتاب، يشهد لحاجي خليفة، أو يُفصّل ما ذكره، يقول أبو حامد: "أمّا بعدُ، فإنّي مُتحِفُك أيّها السّائل المتلطّفُ، والحريص المُتشوّف بهذا الوجيز الّذي اشتدّت إليه ضرورتُك وافتقارُك، وطال فيه انتظارُك، بعد أن مخضتُ لك فيه جملةَ الفقه، فاستخرجتُ زبدته، وتصفّحتُ تفاصيل الشّرع، فانتقيتُ صفوته وعمدته، وأوجزتُ لك المذهب البسيط الطويل، وخفّفتُ عن حفظك ذلك العبء الثّقيل"[7].

إذن، قوله: "وأوجزتُ لك المذهب البسيط الطويل" لعلّ المقصود به، أنّه اختصره من كتابي البسيط والوسيط، مصداقاً لما ذكره حاجي خليفة، وما عدا ذلك فالغزالي يُشير إلى أنّه ليس مجرّد مختصرٍ، لكنّه تأليف ابتدأه وأنشأه إنشاءً، وهذا يؤكّد ما ذكره السّيد رشيد رضا، من أنّ الإمام الغزاليّ كانت له رؤيةٌ في التّأليف المنهجيّ للطّلاب، فقد كان يرى أن يؤلِّف في كل علمٍ وفنٍّ ثلاثة كتب: مختصر ومتوسط ومطوَّل، يُذكر في المختصر أمَّهات المسائل التي لا بدَّ منها لمحتاج ذلك العلم، وفي المتوسط ما يحتاج إليه من يريد أن يكون عالمًا به من بسط المسائل وإيضاحها بالأدلة والشواهد، ويكون المطول جامعًا للنوادر مستقصيًا أتمَّ الاستقصاء ليكون مرجعًا عند الحاجة، ويبدو أنّه قد ألف كتبه الفقهية الثلاثة طبقَ هذا الرأي، وأشار بأن يكون المتعلمون ثلاث طبقاتٍ: مبتدئون يقرءون الوجيز، ومتوسِّطون يقرءون الوسيط، وأن يكون البسيطُ بمراجعة العلماء المنتهين[8]، هذا ما قاله رشيد رضا[9]، ومقدّمة الوجيز تشهد، على أنّه لم يكن مجرد اختصارٍ للبسيط والوسيط، لكنّ المقدّمة ذاتها تدلّنا على أنّ الوجيز تمّ تأليفُه لاحقاً.

أهمّيّة الوجيز في الكتب المعتمدة للمذهب الشّافعيّ:

يقول الإمام الرّافعيّ، في مقدّمة شرحه لكتاب الوجيز: "إنَّ المبتدئين بتحصيل المذهب من أبناء الزَّمان، قد تولَّعوا بكتاب الوجيز، للإمام حجَّة الاسلام أبي حامد الغزالي -قدَّس الله روحه- "[10].

فما ذكره الإمام أبو القاسم الرافعي، من تولُّع أبناء زمانه بهذا الكتاب، يُشير إلى ما لقيه من حفاوة طلاب العلم والعلماء.

وممّا يؤكّد مكانة هذا الكتاب الكبيرة في المذهب الشّافعيّ كذلك، أنّ المرحلة الثالثة من مراحل تطوّر هذا المذهب[11] -وهي مرحلة التّحرير الثاني للمذهب[12]، الّذي تمّ على يدي الإمامين الجليلين الرافعيّ والنوويّ- قد تفرّعت سلسلة حلقاتها إلى فرعين:

-      فرع تأسّس على قاعدة كتاب الوجيز، الّذي وصفه محرّر المذهب أبو القاسم الرّافعيّ، بأنه "كتابٌ غزير الفوائد، جمُّ العوائد، وله القِدْحُ المعلَّى، والحفظ الأوفى، من استيفاء أقسام الحسن والكمال، واستحقاق صرف الهمَّة إليه، والاعتناء بالإنكباب عليه والإقبال، والاختصاصُ بصعوبة اللفظ ودقَّة المعنى؛ لما فيه من حسن النَّظم وصغر الحجم"[13]، وبناءً على ذلك شرحهُ في كتابه (العزيز في شرح الوجيز)، الّذي ذكر ابن حجر أنّه "ما صُنِّف في مذهب الشَّافعيِّ مثلُه"[14]، كما أثنى عليه قبل ذلك الإمام النّووي ذاكراً ما لهُ من أثرٍ كبيرٍ في تنقيح المذهب، وتحريره وجمع أطرافه، وأنّه قد أتى فيه "بِمَا لَا كَبِيرَ مَزِيدٍ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِيعَابِ مَعَ الْإِيجَازِ وَالْإِتْقَانِ وَإِيضَاحِ الْعِبَارَاتِ"[15]. فلذا قام النووي باختصاره في "روضة الطالبين وعمدة المفتين"، الّذي كان بدوره مادّةً اعتنى بها العلماء والفقهاء، شرحاً ونظماً وتعليقاً.

-      أمّا الفرع الآخر، فقد تأسّس على قاعدة كتاب "المحرّر" للإمام أبي القاسم الرّافعيّ، ثمّ "منهج الطالبين" للنوويّ، والّذي تفرّعت عنه سلسلة أخرى، تضمّ تحفة المحتاج لابن حجر، وشرح المحلِّي على المنهاج، والسراج الوهاج للغمراوي، وغيرها من الحلقات المهمّة.

بل ثمّة من يرى أنّ (مُحرَّرَ) الرّافعيّ، مُستقى من (وجيز) الغزالي[16]، وأشار ابنُ عابدين إلى ذلك بقوله: "وكتبُ الشيخين –يعني الرافعي والنووي- مأخوذةٌ من كتبه"[17]، فإذا صحّ هذا القولُ؛ فسوف يكون الوجيز قاعدةً لهذا الفرع من فروع السّلسلة أيضاً.

وبذلك تتبيّن لنا الأهميّة الكبيرة لهذا الكتاب، ضمن سلسلة الكتب المعتمدة في مذهب الإمام الشّافعيّ، فلذا لقي حفاوةً من قبل العلماء والفقهاء.

حفاوة العلماء بكتاب الوجيز[18]:

لقي كتاب الوجيز حفاوةً بالغةً من قبل العلماء وطلاب العلم، حيث تبارى الفقهاء والعلماء، في خدمته: شرحاً واختصاراً ونظماً، وحلاً لمشكلاته، على النّحو التّالي:

أولاً: شروح الوجيز:

-         شروح الإمام فخر الدين الرازي (ت 606ه).‏

-         شرح القاضي سراج الدين أبي الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي (ت 682ه).‏

-         شرح عماد الدين أبي حامد، محمد بن يونس الأربلي (ت 608هـ).‏

-         إيضاح الوجيز للإمام أبي حامد بن إبراهيم السهيلي الجاجرمي (ت 610هـ). في مجلدين [1/209].‏

-         شرح تاج الدين عبد الرحيم بن محمد بن منعة الموصلي (ت 671هـ).‏

-         الشرح الكبير للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي (ت 623هـ)، قال حاجي خليفة: " وله شرح آخر أصغر منه وأخصر"[19]، ولعلّه يعني به التّذنيب الّذي سيرد ذكره في (ثالثاً)، وقد ذكر ابن حجر أنّه بدأ بتأليف المختصر، ثمّ ألّف بعده هذا الشّرح المُطوّل[20].

-         الشرح العزيز على الوجيز للغزالى لشمس الدين محمد بن يحيى الطرابلسى الشافعى، المعروف بابن زهرة (ت848ه) [21]..

-         قواعد الشرع وضوابط الأصل والفروع في شرح الوجيز للغزالي، لمحمد بن علي بن الحسين الخلاطي أبو الفضل الشافعي نائب الحكم بالقاهرة (ت 675هـ)[22].

-         مواهب العزيز بشرح الوجيز للغزالى فى الفروع، لعليِّ بن فضل الله بن محمد المرعشى الشافعى (ت1134هـ)[23].

وعموماً حكى حاجي خليفة عن السّلفانيّ (؟) قوله: "وقفتُ للوجيز على سبعين شرحاً".

ثانياً: مختصرات الوجيز:

-           مختصر الوجيز للغزالي، لإبراهيم بن هبة الله بن أحمد الأسنائي نور الدين المصري الشافعي النحوي (ت721هـ).

-           "التعجيز في مختصر الوجيز" لتاج الدين الموصلي، وهذا المختصر قد لقي من عناية العلماء قدراً كبيراً، وذاعت شهرته بين الشافعية، فلذا شرحه كثيرون، منهم:

1.           شرح المؤلف نفسه. ولم يكمله.‏

2.           شرح الإمام أبي بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز الزنكلوتي، (ت 740هـ)، وسماه "الواضح الوجيز" في ثماني مجلدات.‏

3.           شرح تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري الشافعي، المعروف بالفركاح، (ت 690ه)، ولم يكمله.‏

4.           شرح نور الدين عليُّ بن هبة الله الإسنائي الشافعي (ت 707هـ).‏

5.           شرح ابن دقيق العيد (ت 720ه)ـ

6.           شرح الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري المقري (ت 732هـ)، ولم يكمله.‏

7.           شرح القاضي شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي الحموي (ت 738هـ).‏

8.           "تصحيح التعجيز" لقطب الدين السنباطي، (ت 722هـ)، وله عليه زوائد.‏

9.           شرح محمد بن الحسن الأطروش (ت 784هـ).‏

10.        شرح فخر الدين عثمان بن خطيب (ت 739هـ).‏

ثالثاً: تصنيفاتٌ أخرى متعلّقة بالوجيز:

-           الإبريز في تصحيح الوجيز" للإمام سراج الدين عمر بن محمد الزبيدي (ت 887هـ).

-           شرح مشكلات الوجيز، لأبي الفتوح أسعد بن محمود العجلي، المتوفى سنة 600هـ، تكلم فيه على المواضع المشكلة فيه، ونقل من الكتب المبسوطة في ذلك.‏

-           التذنيب في الفروع، لشيخ الاسلام الرَّافعي، أُلحق بكتاب الوجيز، طبعة دار الكتب العلمية، بعناية طارق فتحي السيد، عام 2004م.

-      نظم الشيخ الإمام عبد العزيز بن أحمد، المعروف بسعد الديريني (ت 697هـ).‏

-      نظم الشيخ موسى بن علي الرازي (ت 720هـ).‏

وممّا له دلالة كبيرة، على أهمية الوجيز، أنّ الاهتمام به، لم يقتصر على علماء المذهب وفقهائه، بل تعدّاهم إلى غيرهم، حيث يذكر حاجي خليفة، كتاب "الجواهر الثمينة على مذهب عالم المدينة" في الفروع ، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي المالكي، (ت610)، وضعه على ترتيب الوجيز للغزالي، قال:  "والمالكية عاكفة عليه لكثرة فوائده"[24].

المنهج الّذي اتّبعه الإمام الغزاليُّ في الوجيز[25]:

تتضمّن مقدّمة الوجيز، بيانَ المنهج الّذي اتّبعه أبو حامد الغزالي، في تأليف هذا الكتاب، والّذي يتمثّل فيما يلي:

أولاً: الهدف من تأليف الكتاب، تلبية حاجة بعض الطّلاب: 

ويتمثّل ذلك في قوله: "فإنّي مُتحِفُك أيّها السّائل المتلطّفُ، والحريص المُتشوّف بهذا الوجيز الّذي اشتدّت إليه ضرورتُك وافتقارُك، وطال فيه انتظارُك، بعد أن مخضتُ لك فيه جملةَ الفقه، فاستخرجتُ زبدته، وتصفّحتُ تفاصيل الشّرع، فانتقيتُ صفوته وعمدته، وأوجزتُ لك المذهب البسيط الطويل، وخفّفتُ عن حفظك ذلك العبء الثّقيل".

فالقصد من تأليف هذا الكتاب، على نحو ما مرّ بنا أعلاه، هي: تلبية حاجة الطّلاب المبتدئين، بتقديم المادّة الفقهية لهم، بصورةٍ شاملة متكاملة، في كتابٍ موجزٍ صغير الحجم، وليس المقصودُ بالمبتدئين، الّذين يبدؤون لتوّهم في طلب العلم، بل الّذين قد درجوا فيه، وامتلكوا الأدوات اللّغويّة اللازمة، واطّلعوا على بعض المسائل الضروريّة، من أحكام العبادات وغيرها، وهم على أُهبة التّخصُّص فيه، أو الاكتفاء منه بموجزٍ شاملٍ متكامل.

ثانياً: تحقيقُ ذلك الهدف يقتضي اتباع آليّاتٍ تُعين على الاختصار:

ويذكر أبو حامد ثلاثة وسائل استخدمها من أجل تحقيق هذه الغاية، بدونما إخلالٍ، على النحو التالي:

1: تحرير لطيف يتناول المسائل، بحيث تندمج فيها أصولها بفروعها، أو كما قال: "وأدمجتُ جميع مسائله بأصولها وفروعها، بألفاظٍ محرّرةٍ لطيفة".

2: التّعميم والتّجريد، بحيث يجمع بين أكبر عددٍ من الفروع، تحت قاعدةٍ واحدةٍ، يقول: "وعبّأتُ فيها الفروع الشَّوارد، تحت معاقد القواعد".

3: استعمال الرّموز، يقول: "ونبّهتُ فيها بالرّموز على الكنوز" والرّموز هنا، ربّما يعني بها العلامات والرُّقوم التي سيذكرها بعد قليل، وربما يعني بها بعض الإشارات الخفيّة لأمورٍ من الفقه، تناولها في البسيط والوسيط، لم يتيسّر له في الوجيز، إلا الإشارة إليها.

4: الإيجاز في نقل الخلاف، يقول: "واكتفيتُ عن نقل المذاهب والوجوه البعيدة، بنقل الظاهر من مذهب الإمام الشّافعيّ المطّلبيّ -رحمه الله- ثمّ عرّفتُك مذهب مالك وأبي حنيفة والمُزَنيّ، والوجوه البعيدة للأصحاب، بالعلامات والرُّقوم المرسومة بالحُمرة فوق الكلمات"، وهكذا جعل لكلّ واحدٍ من هؤلاء حرفاً يدلّ عليه، إذا ذكره فوق الكلمات، فهذا معناه مخالفته في المسألة، فعلى سبيل المثال: إذا ذكر (الميم) التي جعلها علامةً للإمام مالك، في موضعٍ معيّن، فهذا معناه أنّ الإمام مالكٍ يُخالف المذهب في هذه المسألة.

ثالثاً: ثمرة هذا المسلك:

نتج عن الخطّة التي اتّبعها الإمام الغزاليّ، ثمرةٌ ربّما لم يكن يتوقّعها في البدء، لكنّه نصّ عليها بقوله: "فتحرّر الكتابُ مع صغر حجمه، وجزالة نظمه، وبديع ترتيبه، وحسن ترصيعه وتهذيبه، حاوياً لقواعد المذهب مع فروعٍ غريبةٍ، خلا عن معظمها المجموعاتُ البسيطة، فإن أنت تشمّرتَ لمطالعتها وأدمنتَ مراجعتها، وتفطّنت لرموزها ودقائقها المرعيّة في ترتيب مسائلها، اجتزأت بها عن مجلدات ثقيلة، فهي على التحقيق إذا تأمّلتها قصيرةٌ عن طويلة، فكم من كلمٍ كثيرةٍ فضلته كلمٌ قليلة".

فهي كما يبدو ثمرة طبيعيّة، لإعادة سبك المسائل الفقهيّة، بالصورة الموجزة التي اقتضت منه أن يسلك مسلك التعميم والتحرير، والتّرتيب الدّقيق المقتصد، الّذي يُشير إليه بقوله: "تفطّنت لرموزها ودقائقها المرعيّة في ترتيب مسائلها"، تجده كأنّه يُريد أن يقول لك: إنّ لوضع عنصرٍ معيّن، في مكانٍ معيّن، دلالة معنويّة مؤثِّرة على حكمه وحقيقته.

ختاماً،

لسنا نملك في إطار مقدّمة تعريفيّة، بهذا الكتاب، إلا هذه الرؤى العامّة، والافتراضات المسبّقة، التي تستلزم بذل مزيدٍ من البحث والتّحرّي، والقراءة المتأنيّة للكتاب، ومقارنته مع البسيط والوسيط.



[1]  الغزالي الفقيه وكتابه الوجيز، د. محمد الزحيلي، "مجلة التراث العربيّ"، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 22، 1986م-1406هـ.

[2]  مجموع الفتاوى: 4/ 71.

[3]  من مقدمة كتاب التنقيح في شرح الوسيط للإمام النووي، وهو مطبوعٌ مع كتاب الوسيط في المذهب: 1/79.

[4]  مجلة المنار: (2/ 492).

[5] عن الدكتور يوسف القرضاوي، بتصرف، من: نهاية المطلب في دراية المذهب: المقدمة/ 37.

[6] كشف الظنون: 2/  2003.

[7]  الوجيز: 1/103 وما بعدها.

[8]  ذكر ابن العماد في شذرات الذهب (5/292) أنّ أبا الحسن الواحديّ المفسّر، ألف ثلاث مصنّفاتٍ، أسماها البسيط ثم الوسيط ثم الوجيز، وكلّها في التّفسير، قال: "ومنه أخذ الغزّالي هذه الأسماء"، وكان مثله شافعيّ المذهب، وهذا القول لا يتنافى مع ما ذكره السّيد رشيد رضا.

[9]  مجلة المنار: 2/ 492.

[10]  فتح العزيز بشرح الوجيز: 1/ 73.

[11] راجع في هذه النافذة، موضوع: الوسيط للإمام الغزالي، الّذي ورد فيه ذكرُ هذه المراحل الأربعة للمذهب الشّافعيّ، وهي مرحلة الإمام الشّافعيّ وأصحابه، ثمّ مرحلة إمام الحرمين وتلميذه، ثمّ مرحلة الشيخين الرّافعيّ والنووي، ثم مرحلة المتأخرين.

[12] باعتبار أنّ التّحرير الأول للمذهب، قد تمّ على يد الإمام الجوينيّ في نهاية المطلب، راجع في هذه النافذة، موضوع: نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني.

[13]  فتح العزيز بشرح الوجيز: 1/ 73.

[14] عن الدكتور يوسف القرضاوي، بتصرف، من: نهاية المطلب في دراية المذهب: المقدمة/ 37.

[15] روضة الطالبين وعمدة المفتين: 1/ 5.

[16] انظر: تشجير أهم الكتب الفقهية المطبوعة على المذاهب الأربعة، إعداد باسم عبد الله الفوزان، تقديم الشيخ عبد الله بن عبدالعزيز العقيل، والشيخ عبد العزيز بن عبدالله الراجحي، المنشور على شبكة الألوكة.

[17] العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، 2/334، عن: الوسيط، مقدمة المحقق: 1/14.

[18]  البيانات الواردة تحت هذه الفقرة، معظمها مأخوذة عن (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) لحاجي خليفة، من مواضع متفرّقة، فلم أهتمّ بإثبات مواضعها جميعاً، وأثبتُّ ما ليس من كشف الظنون.

[19] كشف الظنون: 2/  2003.

[20] عن الدكتور يوسف القرضاوي، بتصرف، من: نهاية المطلب في دراية المذهب: المقدمة/ 37.

[21] إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: 4/  45.

[22]  هذية العارفين: 2 /15.

[23] إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: 4/  602.

[24] كشف الظنون: 1/613.

[25]  كل النصوص المقتبسة، في هذه الفقرة، عن الإمام الغزالي، مأخوذة من مقدمة كتابه الوجيز: 1/103 وما بعدها.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
موقف ابن تيمية من ليلة النِّصف من شعبان
تُطِلُّ ليلةُ النصف من شعبان، على الأّمّة كلّ عامٍ، وتُطِلُّ معها نُذُر فرقةٍ واختلاف، ما يدفعنا إلى التّساؤل:
فقهُ اعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الْإِسْلَامِ
(مَسْأَلَةٌ: لَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْقَوْلَ فِي اعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الْإِسْلَامِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَوَقَعَ فِيهَا الْإِفْرَاطُ وَالتَّفْرِيطُ، وَكَمَا قِيلَ: كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ.
منهج ابن تيمية في مواجهة بدعة الاحتفال بالمولد النّبويّ
الخلاف بين الأمّة، بمناسبة هذه الذكرى المباركةِ ضربة لازب، أم إنّه شيءٌ يمكن تجاوزه، بل وتوظيفُه من أجل النُّهوض بها، حتى تواجه تحدّياتها الكبيرة؟
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م