الزكاة والضريبة
|

أضيف فى 1433/02/11 الموافق 2012/01/05 - 12:37 م


الزكاة والضريبة

*رجاء بنت صالح باسودان

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد المبعوث رحمة لله العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن مما يتميز به الإسلام شمولية أنظمته وتغطيتها لجميع جوانب الحياة ، ويتضح هذا في طبيعة النظام المالي في الإسلام ومراعاته لمصلحة الفرد والمجتمع ، وتلبية احتياجاتهما في جميع الأحوال ، انطلاقاً من قوله تعالى : {... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... } (المائدة 1).

ومن دلائل اهتمام الإسلام بالمجتمع تطبيقه لمبدأ التكافل الاجتماعي ، والمتمثل في الزكاة ، الركن الثالث من أركان الإسلام .

غير أنه قد لا تغطي فريضة الزكاة الحاجات الملحة ، ويكون الحل في إلزام القادرين مالياً على أداء النفقات المالية لأهداف معينة مشروعة .  فهل هناك أسس وقواعد يبنى عليها عند فرض مثل هذه الضرائب في الإسلام ، أم أن للحاكم فرضها وقتما شاء وكيفما شاء ؟ !

ولأهمية هذا الموضوع في عدم الخلط بين دور الزكاة والضريبة فقد اخترت البحث فيه والمقارنة بين كل من الزكاة والضريبة الوضعية ، وتحديد الضوابط الشرعية لفرض الضريبة ودوافعها .  وعند فرض الضريبة يأتي السؤال حول إمكانية احتساب الضرائب من الزكاة ، وهو الأمر الذي ينبغي أن يوضح لدى العامة من الناس والمغلوب على أمرهم ، فيعرفون ما يحل وما لا يحل فيه .

تم تقسيم البحث إلى : مقدمة وتمهيد وذكرت فيه ما رآه بعض الفقهاء حول هل في المال حق سوى الزكاة أم لا،  وفصلين ، كالآتي :

الفصل الأول : المبحث الأول : المطلب الأول : تعريف الزكاة .

المطلب الثاني : تعريف الضريبة .

المبحث الثاني : أوجه الاتفاق بين الزكاة والضريبة .

المبحث الثالث : أوجه الاختلاف بين الزكاة والضريبة .

الفصل الثاني :  المبحث الأول :دوافع فرض الضريبة .

المبحث الثاني : شروط فرض الضريبة بجانب الزكاة .

المبحث الثالث :  هل تغني الضرائب عن الزكاة ؟

آمل أن أكون قد وفقت في إعداد البحث ، وأسأل الله علماً نافعاً خالصاً لوجهه الكريم ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

تمهيد

اختلف العلماء في المال ، هل فيه حق غير الزكاة أم لا ؟  لكن شقة الخلاف بين الفريقين ليست بالسعة التي نتخيلها ، فإن بينهما مواضع اتفاق ، فكلا الطرفين يتفق أن للوالدين حق في النفقة إذا احتاجا وابنهما موسر ، وكذلك حق القريب لا اختلاف فيه ، وحق المضطر ، بالإضافة إلى حق المسلمين عندما تصيبهم النوازل العامة .

والرأي الذي أميل إليه ، هو أن هناك حق في المال غير الزكاة .  " فالعلماء الذين لا يرون ذلك يقولون أنه يجب على المسلمين أن يتحملوا مسئوليتهم عند تهديد العدو لبلادهم ، أو تهديد حياة فقير أو مصلحة يؤدي تعطيلها إلى وقوع ضرر بالمسلمين [1]

فالزكاة لها أهداف دينية وأخلاقية واجتماعية وسياسية ، ولا تعد هي الفريضة المالية الوحيدة ؛ لأن التضامن الاجتماعي فريضة ، فإذا نزلت بالمسلمين حاجة عامة بعد الزكاة وجب سدّها تحقيقاً لنظريتي التكافل والإخاء .  وأيضاً : مصارف الزكاة محدودة ونفقات الدولة كثيرة ، وإذا نضبت الموارد التي ينفق منها على أمور مهمة فيها مصالح الأمة مثل : تمهيد الطرق ، وبناء المساجد والمدارس وغيرها ، فالحل هو فرض ضرائب على ذوي المال بقدر ما يحقق المصلحة . فمن قواعد الشريعة الكلية:  رعاية المصالح ، وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلاً لأعلاهما ، ويتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام .  بالإضافة إلى أن الجهاد مأمور به ، وهو يتطلب نفقات كبيرة ، ومن حق الولي تحديد نصيب على كل فرد قادر لتغطية نفقات الجهاد .  وتطبيقاً للمبدأ الذي قرره الفقهاء " الغرم بالغنم[2]، فإنه يتحقق في فرض الضرائب التي يعود نفعها على أفراد المجتمع كافة ، كالدفاع والقضاء والأمن والتعليم والصحة والنقل والمواصلات ، وغيرها من المصالح التي يستفيد منها الجميع[3]

وأن النافين لوجود حق في المال سوى الزكاة ، إنما قصدوا نفي المكوس الجائرة التي يفرضها بعض الحكام توسعة على أنفسهم وأتباعهم ، وتضييقاً على شعوبهم ، وخوفاً من اتخاذ الحكمة الظلمة فرض المكوس والضرائب المرهقة بغير حق فسدّوا الباب عليهم بقولهم: لاحق في المال سوى الزكاة .[4]

الفصل الأول : مقارنة بين الزكاة والضريبة

المبحث الأول : تعريف الزكاة والضريبة

المبحث الثاني : أوجه الاتفاق بين الزكاة والضريبة

المبحث الثالث : أوجه الاختلاف بين الزكاة والضريبة

 المبحث الأول : تعريف الزكاة والضريبة

المطلب الأول : تعريف الزكاة

لغة : النماء والزيادة ، يقال :  زكا الزرع :  إذا نما وزاد ، وتطلق على المدح والتطهير والصلاح [5]

اصطلاحاً : واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص[6]

يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[7]

المطلب الثاني : تعريف الضريبة

فريضة نقدية تقتطعها الدولة ، أو من ينوب عنها من أشخاص القانون العام من أموال الناس جبراً  وبصفة نهائية ، وبدون مقابل ، وتستخدمها لتغطية نفقاتها ، والوفاء بمقتضيات وأهداف السياسة العامة للدولة [8]. ذوهي إلزامية يلتزم الممول بأدائها إلى الدولة تبعاً لمقدرته على الدفع بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤديها السلطات العامة ، وتستخدم حصيلتها في تغطية النفقات العامة من ناحية ، وتحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها من الأغراض التي تنشد الدولة تحقيقها من ناحية أخرى[9] . 

ويتضح لنا من خلال التعريفين أن هناك جوانب متفق عليها بينهما ، وأخرى مختلف فيها . غير أن هذا التوافق بين عناصر الضريبة والزكاة هو شكلي فقط ، وليس توافقاً حقيقياً .  وسيتم الحديث عن جوانب الاتفاق والاختلاف في المبحثين القادمين .

المبحث الثاني : أوجه الاتفاق بين الزكاة والضريبة

1 -  التكليف والإجبار

الزكاة ركن من أركان الإسلام ، لذا فإنه يُقاتل من يرفض أداءها . عن أبي هريرة- رضي الله عنه-  لما توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب ، فقال عمر – رضي الله عنه – كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " ، فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لقاتلتهم على منعها ، قال عمر – رضي الله عنه – فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر – رضي الله عنه – فعرفت أنه الحق[10]

وهذا العنصر موجود أيضاً في الضريبة ، فهي لا تتحقق إلا به .  قال الإمام الجويني[11] : " الذي أختاره قاطعاً به أن الإمام يكلف الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما تحصل به الكفاية والغناء[12]

2 -  مسئولية السلطة

تتفق الضريبة مع الزكاة في أن كلاً منهما يدفعا إلى الدولة ؛ لأنها مسئولة عن تحصيلهما وتوزيعهما . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل من يجمع الزكاة ثم يقوم بنفسه بتوزيعها على مستحقيها [13]

3 -  الأهداف

للضريبة -  في الاتجاه الحديث - أهداف اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة ، وللزكاة أيضاً هذه الأهداف ، بل إنها تتفوق عليها ، حيث أنه أبعد مدى وأوسع أفقاً ، وأعمق جذوراً ، مما له عظيم الأثر في حياة الفرد والجماعة [14]

4 -  انعدام المقابل

يدفع المسلم زكاته طلباً للأجر ولطهارة ماله وزيادته ، ينوي بها رضاء ربه ثم إدخال السرور على مستحقيها ، وكذلك تتفق الضريبة مع الزكاة في كونها بدون مقابل ، ينوي بها المساهمة في مساعدة إخوانه[15]

5 -  الوعاء

هو المادة الخاضعة للزكاة أو الضريبة ، والشريعة الإسلامية لم تأخذ بنظام الضريبة الموحدة ، بل أخذت بنظام الأوعية المتعددة (النوعية) ، ويتضح هذا في تقسيمات الضرائب من حيث وعائها ، فتنقسم إلى :  الضرائب على رأس المال ، الضرائب على الدخل ، والضرائب على الأشخاص (ضريبة الرؤوس) ، والضرائب على الاستهلاك . وقد عرف الإسلام الزكاة على رأس المال كما في السائمة من بهيمة الأنعام ، والزكاة على الدخل كما في الخارج من الأرض ، والزكاة على الرؤوس كما في زكاة الفطر [16]

6 -  المبادئ الاقتصادية الحديثة (مبادئ العدالة)

تراعى قواعد معينة عند تطبيق التشريع الضريبي ، نادى بها الاقتصادي "آدم سميث"، وهذه القواعد هي : العدالة ، اليقين ، الملاءمة ، الاقتصاد .  وقد سبق الإسلام بتنظيم وتطبيق هذه المبادئ منذ أكثر من عشرة قرون [17]

أما العدالة في الضرائب ، فهي أن تترتب عليها معاملة ضريبية يؤمن غالبية أفراد المجتمع بعدالتها ، تفرض على جميع الأشخاص والدخول بلا استثناء وتتناسب مع المقدرة التكليفية للمكلف .  وهذا الأمر موجود في الزكاة حيث أنها واجبة على جميع المكلفين المالكين للنصاب في كل زمان ومكان  مع مراعاة تجنب الثنى (الازدواج) وهو إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد .  بالإضافة إلى مراعاة الجهد المبذول ، فيختلف القدر الواجب في الزكاة بحسب ما إذا كان الدخل بجهد أو بغير جهد ، وبهذا تتميز الزكاة عن الضريبة في هذه الجزئية حيث أنها (الضريبة) لا تراعي الجهد المبذول فيه . 

المبدأ الثاني من مبادئ العدالة الضريبية : اليقين ، والمقصود به : تحديد الضرائب بدرجة من الدقة دون مغالاة أو تحيز ، ووضوح النظام الضريبي بحيث يفهمه الجميع دون غموض ، ويمكن تنفيذه دون تعسف ، حيث أن استقرار النظام الضريبي يؤدي إلى اليقين .  وهذا المبدأ متحقق بصورة واضحة في الزكاة ، فالقرآن والسنة هما اللذان حدّدا وعاء الزكاة ونصابها وسعرها ومستحقيها ، وهي خالدة أبد الدهر .

أما المبدأ الثالث فهو الملاءمة ، والمقصود بها : تنظيم أحكام الضريبة بطريقة تتلاءم مع ظروف المكلف الشخصية ، وذلك بأن تجبى الضريبة في الوقت الذين يناسب المكلف لدفع الضريبة وبالطريقة التي تسهل له عملية الدفع .  وقد أولى الإسلام هذا الجانب عناية كبيرة ، منها : تكليف العاملين عليها بالذهاب بالذهاب للصدقات وأخذها على مياه أهلها . فذلك أسهل لهم امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم :  "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم " [18]

ومنها : الأمر بأخذ الوسط وتجنب كرائم الأموال عملاً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن حيث قال له : " فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس " [19]

 ومنها أيضاً : توجيه الخراص بالتخفيف على أرباب الزروع والثمار في الخرص لقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث ، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " [20].

ومنها : جواز تأخير الزكاة عن مواعيدها المقررة للحاجة أو للمصلحة ، كما فعل عمر رضي الله عنه في المجاعة .

المبدأ الرابع : الاقتصاد ، والمقصود به : أن تكون نفقات الجباية ضئيلة بالمقارنة إلى الحصيلة ، ونلاحظ العمل بهذا المبدأ بوضوح في كافة الأمور في الإسلام ، فهو يأمر بالاعتدال والاقتصاد سواء أكان هذا المال خاصاً أو عاماً (كمال الزكاة) الذين هو فيه أشد حرصاً [21].

المبحث الثالث : أوجه الاختلاف بين الزكاة والضريبة

1 -  التسمية

المدلول اللغوي للزكاة يختلف عنه في الضريبة ، حيث أن الزكاة في اللغة تدل على النماء والزيادة ، بينما الضريبة لفظ مشتق من ضرب عليه الغرامة أو الخراج أو الجزية أو نحوها ، أي ألزمه بها ، وكلفه تحمل عبئها .  فالزكاة مغنماً وتنمية للمال حساً ومعنى ، حيث أن المال الذين ينقص في الظاهر يزكو وينمو ، قال تعالى : {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ... } [22]، وأيضاً : {... وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ... } [23]. أما الضريبة فينُظر لها باعتبارها مغرماً وإصراً ثقيلاً [24].

2 -  الماهية

بخلاف الضريبة التي هي في حقيقتها التزام مدني خالٍ من معاني العبودية والقربة تجب على المسلم وغير المسلم  وهي تكليف دنيوي لا غير [25].

3 -  الأنصبة والمقادير

كون الزكاة فريضة إلهية جعلها مقدرة بتقديره واجبة على سبيل التأكيد والفور ، فالقرآن والسنة هما اللذان حدّدا الأنصبة لكل مال ، وعفيا عمّا دونها ، وحدّدا المقادير الواجبة من الخمس إلى العشر ، إلى نصف العشر ، إلى ربع العشر ، فلا تقبل التغيير أو التعديل .  أما الضريبة فهي تخضع في وعائها وأنصبتها وسعرها ومقاديرها لاجتهاد السلطة وتقدير أولي الأمر ، فهي قابلة للتغيير أو التعديل أو الإلغاء حسب تقدير السلطة[26] .

4 –  الثبات والاستمرار

الزكاة فريضة ثابتة حيث أنها ركن من أركان الإسلام ، يطالب بها كل مسلم قادر على أدائها في كل مكان وزمان ، بينما الضريبة ليس لها صفات الثبات والدوام ، فهي تفرض حسب الحاجة وتزول بزوالها [27].

5 -  المصرف

للزكاة ثمانية مصارف وضّحها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في قوله : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم " [28].وبيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله .  وتخصّص لمصارف الزكاة ميزانية خاصة مستقلة عن الميزانية العامة للدولة تنفق حصائلها في مصارفها كما هي محددة في القرآن الكريم دون تعد أو تحد .  وهذا على خلاف الضريبة ، فمصارفها غير محددة وتحكم فرضيتها المشاركة في تحمل الأعباء العامة ، وتغطية أوجه الإنفاق العام المحدد والمرسوم [29].

6 -  الأهداف الروحية الخلقية

للزكاة والضريبة أهداف اقتصادية و اجتماعية وسياسية بجانب أهدافها المالية ، إلا أن للزكاة أهدافاً خلقية وروحية تقتصر عليها ، لم تستطع الضريبة أن تصل إليها أو حتى أن تقرب منها [30]

7 -  الأساس النظري

تشترك الزكاة والضريبة في أن كلاً منهما تقوم على أساس نظريتي تحقيق التكافل الاجتماعي والنظرية العامة للتكليف إلا أن الزكاة تقوم على أساس نظريتين أخريتين ، هما : النظرية الاستخلافية ، ونظرية الإخاء [31]، بينما يرى الشيخ القرضاوي أنه قد يكون هناك قدر مشترك في نظرية التكافل بين الزكاة والضريبة ، ولكن النظريات الثلاث الباقية مما تتميز به فريضة الزكاة[32].

8 -  طريقة الدفع

تحصل الدولة الحديثة الضريبة في الغالب في صورة نقدية حيث لا يجوز أداؤها في صورة خدمات شخصية أو عينية .  أما الزكاة فقد حدّدت الشريعة الواجب فيها في المواشي والزروع والثمار عيناً من نفس النوع ، ففي كل أربعين شاة ، شاة ، للحديث : " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ، شاة [33]. وفي الزروع والثمار العشر أو نصف العشر من ذات نوعها ، فالأصل في الزكاة هو أداؤها من جنس المال [34].

9 -  الضمانات

إن وضع الزكاة يختلف عن وضع الضريبة إختلافاً كثيراً في قضية الضمانات ، فنظرة الناس إليها غير نظرتهم إلى الضريبة ، حيث أن الضريبة علاقة بين الممول وبين الحكومة (أو الإدارة الضريبية) ، وأما الزكاة فهي علاقة بين المسلم وبين ربه قبل كل شيء، ولا يشعر المكلف بالظلم في إيجابها عليه لأن الله تعالى هو الذين شرعها ، ويعتقد المسلم أنه بأدائه للزكاة فإنه يطهر ماله ويزكيه ، لذلك فهو لا يتهرب من أدائها ، وإذا تهرب من أدائها أُُخذت منه ولو بالقتال .  بخلاف الضريبة التي تنطوي على اقتطاع جزء من دخول وثروات الممولين وهو شيء عزيز عليهم ، فمن المتوقع أن يلجأ بعض الممولين إلى محاولة التخلص جزئياً أو كلياً من دفع الضريبة بشتى الطرق والأساليب المشروعة منها وغير المشروعة [35].

10- النسبية والتصاعد                                                                

الضريبة قد تفرض بسعر واحد لا يتغير بتغير المادة الخاضعة للضريبة ( النسبية ) وقد تفرض بأسعار تختلف طردياً باختلاف قيمة المادة الخاضعة للضريبة ( التصاعدية ) .  والزكاة لم تأخذ بالنظام التصاعدي ، وإنما سعرها نسبي ؛ لأن نسبة الواجب في الزكاة ثابتة مهما تغيرت قيمة المادة الخاضعة للزكاة زيادة أو نقصاً ، وذلك باعتبار أن الزكاة فريضة دينية خالدة خلود الإنسان لا تتغير بتغير الأزمنة ولا بتغير الظروف والأوضاع والحاجات ، وهذا على عكس الضرائب حيث أنها تفرض لعلاج أوضاع معينة في ظروف خاصة [36].

الفصل الثاني : بعض قواعد التوظيف

المبحث الأول : دوافع فرض الضريبة

المبحث الثاني : شروط فرض الضريبة

المبحث الثالث : هل تغني الضرائب عن الزكاة ؟

المبحث الأول : دوافع فرض الضريبة

ذكر الإمام الجويني بعض هذه الدوافع في كتابه القيّم : غياث الأمم في التياث الظلم :

أولاً -  القحط والجدب والفقر ، حيث ذكر في الحديث عن سد الحاجات والخصاصات بأنها من أهم المهمات ، وأضاف : " إذا بنينا على غالب الأمر في العادات وفرضنا انتفاء الزمان عن الحوائج والعاهات ، وضروب الآفات ، ووفق المثرون المؤثرون لأداء الزكوات ، انطبقت أموال الأغنياء على أقدار الحاجات ، وأن قدرت آفة وأزمة وقحط وجدب وعارضه غلاء في الأسعار تزيد معه أقدار الزكوات على مبالغ الحاجات ...

أ  -  فالوجه استحثاث الخلق بالموعظة الحسنة على أداء ما افترض الله عليهم في السنة فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم ، فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله ، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر .

ب -   فإن لم يبلغهم نظر الإمام فإنه يجب على ذوي اليسار والاقتدار البدار إلى دفع الضر عنهم وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين حرجوا عن آخرهم ، وباءوا بأعظم المآثم وكان الله طليبهم وحسيبهم[37].  

ثانياً -  الجهاد ورواتب الجند ، لاسيما عند هجوم الأعداء أو توقع هجومهم .

ذكر الإمام الجويني في نجدة الإمام لوظيفة الجهاد ، أنه يتعين على الإمام تجنيد الجند (المرتزقة) وعدم الاعتماد على المتطوعة حتى يتفرغوا لمهمتهم .. " ولايجوز أن يكون معوله المطوعة الذين لاينشأون إذا ندبوا مبادرين حتى يتأهبوا ويستعدوا ويتألبوا ولن تقوم الممالك إلا بجنود مجندة وعساكر مجردة ، هم مشرئبون للانتداب ، مهما ندبوا بعزائم جامعة ... ويتحتم استظهار الإمام بالأعوان والأنصار " [38].

-   إذا خلا بيت المال فهناك ثلاث فرضيات :

الفرضية الأولى : 

إذا وطىء للكفار والعياذ بالله ديار المسلمين ، فقد اتفق حملة الشريعة قاطبة على أنه يتعين على المسلمين أن يخفوا ويطيروا إلى مدافعتهم زرافات ووحداناً .... " فإذا كانت الدماء تسيل على حدود الظبات فالأموال في هذا المقام من المستحقرات " [39].

الفرضية الثانية :

أن لا يطؤوها ولكنا نستشعر من جنود الإسلام اختلالاً ونتوقع انحلالاً و انفلالاً لو لم نصادف مالاً ثم يترتب على ذلك استجراء الكفار في الأقطار وتشوفهم إلى أطراف الديار ...فهذا الفن ملحق بالقسم الأول قطعاً (الفرضية الأولى) ، .... ولا يحل في الدين تأخير النظر للإسلام والمسلمين إلى اتفاق استجراء الكافرين .... وأموال العالمين لا تقابل وطأة الكفار في قرية من قرى الديار وفيها سفك دم المسلمين أو امتداد يد إلى الحرم " [40].

الفرضية الثالثة :

أن يكون جنود الإسلام في الثغور والمراصد على أهب وعتاد وشوكة واستعداد لو وقفوا ولو ندبوا للغزو والجهاد لاحتاجوا إلى ازدياد في الاستعداد وفضل استمداد ولو لم يمدوا لانقطعوا عن الجهاد(3) . فهنا موضع نظر ، واختلف الفقهاء فيه ، فمنهم من ذهب إلى أنه لا يكلف الإمام المثرين والموسرين ، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك ، ومنهم الإمام الجويني حيث قال : " والذي أختاره قاطعاً به أن يكلف الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما يحصل به الكفاية والغناء " [41].

ومما ينبغي ذكره في هذا الموضوع ، أن الأموال التي يأخذها الإمام عندما يكون بيت المال خالياً هل هي من قبيل القرض على بيت المال فيجب ردّها ، أم تكون قرضاً فبالتالي لا ترد ؟!

ذكر الإمام الجويني اختلاف الفقهاء في هذا على قولين :

1 - أن ما يأخذه الإمام في معرض الاقتراض على بيت المال ، فيجب عليه ردّه والمقترض يطالبه.

2 - إن عمّم بالاستيدان مياسير البلاد والمثرين من طبقات العباد فلا مطمع في الرد والاسترداد ، وإن خصّص بعضاً لم يكن إلا قرضاً .

وذكر أدلة كل من الفريقين ، فقال :

-      من قال الإمام يستقرض ، استمسك بأن أقدار الواجبات مضبوطة الجهات في قواعد الدين ومذاهب المسلمين .  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أضاق المحاويج والفقراء استسلف من الأغنياء وربما استعجل الزكوات ، فلو كان يسوغ الأخذ من غير اقتراض لكان عليه السلام بيّنه ليقتدي به من بعده عند فرض الإضافة .

-    أدلة القول الثاني :  أنه لو فرض خلو الزمان عن مطاع ، لوجب على المكلفين القيام بفرائض الكفايات من غير أن يرتقبوا مرجعاً ، فإذا وليهم إمام ، فكأنهم ولّوه أن يدبرهم تعييناً وتبييناً فيما كان فرضاً بينهم فرض ، ولولاه لأوشك أن يتخاذلوا .... وأنه (الإمام) لو استقرض لكان يؤدي ما اقترضه من مال فاضل مستغنى عنه في بيت المال .

واختار الإمام الجويني الرأي الثاني  فيقول : " لست أمنع الإمام من الاقتراض إن رأى ذلك "[42] .

عبّر الإمام الغزالي عن رأيه في هذا الموضوع بقوله : " إذا كان الإمام لا يرتجي انصباب مال إلى بيت المال ، يزيد على مؤن العسكر ونفقات المرتزقة في الاستقبال ، فعلى ماذا الاتكال في الاستقراض مع خلو اليد في الحال ، وانقطاع الأمل في المآل ؟ نعم لو كان له مال غائب (دين مؤجل) أو جهة معلومة تجري مجرى الكائن الموثوق به ( مثل وديعة عند مليء أو خراج ) فالاستقراض أولى[43] .

وأيّد رأيه الإمام الشاطبي بقوله :  " والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل ينتظر أو يرتجى ، وأما إذا لم ينتظر شيء وضعفت وجوه الدخل بحيث لا يغني كبير شيء ، فلا بد من جريان حكم التوظيف [44]

ذكر الإمام الجويني أنه ذهبت طائفة من علماء السلف أن الإمام إذا أعطى كل ذي حق حقه ، ففضل في بيت المال مال فإنه ينبغي تفريقه ، ومنهم المرتزقة ، أما الزكاة ، فإن اكتفى أصحابها فلا سبيل إلى رد فاضل الزكوات عليهم ، ويرد الفاضل إلى سهم المصالح العامة .

ولكن يرى الإمام الجويني غير ذلك فيقول : " والذي أقطع به أن الحاجات إذا انسدت فاستمكن الإمام من الاستظهار بالادخار ، فحتم عليه أن يفعل ذلك " [45].

- زيادة النفقات العامة

اتسعت دار الإسلام وزادت نفقاتها على الجند والفقراء وغيرهم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مما اضطره إلى عدم تقسيم أرض العنوة على الفاتحين بل وقفها على المسلمين[46].وقال لمن أراد قسمتها : " فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما تسد به الثغور ، وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق ؟ " .

وقال أيضاً : " أرأيتم هذه الثغور ، لابد لها من رجال يلزمونها ، أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر ، لابد لهل من أن تشحن بالجيوش وادرار العطاء عليهم ، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج ؟ " [47]

وقال الإمام الجويني : " لما انتشرت الرعية وكثرت المؤن المعنية تسبب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى توظيف الخراج ، والإرفاق على أراضي العراق باطباق واتفاق ، والذي يؤثر من خلاف فيه فهو في كيفيته لا في أصله " [48].

المبحث الثاني : شروط فرض الضريبة بجانب الزكاة

1 -  الضرورة الملحة إلى المال وعدم وجود مورد آخر للدولة غير فرض الضرائب مع زوالها بزوال الحاجة[49]ووجود حاجة عامة مشروعة [50] . قال الإمام الجويني : " فلست أرى للإمام أن يمد يده إلى أموال أهل الإسلام ليبتني في كل ناحية حرزاً ويقتني ذخيرة وكنزاً ويتأتل مفخرة وعزاً " [51]. فالإنفاق على هذه الوجوه خاصة وليست عامة ، فهي غير مشروعة ، حيث أن الأصل في المال الحرمة ، وبراءة الذمة من التكاليف المالية ، فلا يجوز انتهاك هذه الحرمة إلا لضرورة قصوى .

2 - توزيع الأعباء على الرعية بالعدل ، وفقاً للقدرة المالية للمكلف ، بدون استثناء أحد منهم (4). ولا يقصد بالعدل "المساواة" لأن المساواة بين المتفاوتين ظلم ، فلا تؤخذ نفس النسبة من الجميع ، بل تختلف حسب المصلحة الاقتصادية والاجتماعية[52] .

3 - إنفاقها في مصالح الأمة التي من أجلها فرضت لا في الشهوات [53] . لهذا اهتم القرآن الكريم بالنص على مصارف الزكاة حتى لا يتم صرفها في غير محلها ، وتذهب أموالها لغير مستحقها[54].

4- إجماع أهل الرأي والشورى في الأمة على فرضها ، فليس للإمام الإنفراد فرض الضريبة ، بل لا بد من إستشارة أهل العلم والخبرة والاختصاص .  يوضح ذلك الشيخ القرضاوي [55] قائلاً : " فهم الذين يستطيعون مراعاة الشروط السالفة ، فيتبينون وجوه الحاجة إلى المال ، ويعرفون كفاية الموارد الأخرى أو عجزها ويضعون من التنظيم ما يكفل توزيع أعباء الضريبة على الرعية بالعدل ، مستعينين بالخبراء وأهل الاختصاص ، ثم يراقبون بعد ذلك صرف الحصيلة " .  وقد دلّ القرآن على ذلك ، قال تعالى : "وأمرهم شورى بينهم " [56] وكذلك قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " [57] ومن السنة : فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يشاور أصحابه في الأمور المهمة ، ومنها : في غزوة بدر ، حيث شاورهم في المنزل الذي ينزلون فيه .  وفي الخروج يوم أحد ، وكذلك في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ وكان ذلك في غزوة الخندق ، وأيضاً شاورهم يوم الحديبية في ذراري المشركين[58]

وقد ذكرت ضوابط وقواعد أخرى لفرض الضريبة ، منها : عدالة الإمام ، وعدم التوظيف على العامة لما فيه نفع الخاصة .  وألا يكون هناك فرائض مالية مستحقة لم تحصل عليها الدولة ، ومن الممكن لها تحصيلها وتلبية حاجتها بها .  وأن يصرف المال المجموع في الوجوه التي جمع من أجلها ، فلا تكون هناك حيلة أو خديعة .  وأيضاً : ألا يكون في حوزة رجال الدولة أو المتنفذين فيها من رجال جيش وغيرهم من الأموال الترفية ما إذا بيعت أمكن بقيمتها سد الحاجة [59]. وفي ذلك : موقف العز بن عبد السلام من السلطان قطز حين داهم التتار بلاد الإسلام وأراد السلطان في مصر أن يقترض من التجار لقلة المال في بيت المال ، فاستشار الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال : " اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر ، إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام ، وضربته سكة ونقداً وفرّقته في الجيش ولم تعم بكفايتهم ، ذلك الوقت اطلب القرض أما قبل ذلك فلا" [60].

وتكرر هذا الموقف الشجاع للإمام النووي مع الظاهر بيبرس :  فحينما خرج الظاهر إلى قتال التتار بالشام ولم يكن في بيت المال ما يقوم بتجهيز الجيش والانفاق على المقاتلين ، استفتى علماء الشام في جواز فرض ضرائب على الشعب ، لإعانة السلطان والجيش على قتال الأعداء وتغطية النفقات المطلوبة ، فأفتاه العلماء بجواز ذلك للحاجة والمصلحة ، وكتبوا له بذلك ، وكان الإمام النووي غائباً ، فلما سأل السلطان العلماء : هل بقي من أحد ؟  قالوا : نعم بقي الشيخ محي الدين النووي ، فطلبه فحضر فقال له : اكتب خطك (توقيعك) مع الفقهاء ، فامتنع الشيخ وأبى ، وسأله السلطان : ما سبب امتناعك ؟ قال الشيخ : أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقار وليس لك مال ثم منّ الله عليك وجعلك ملكاً وسمعت أن عندك ألف مملوك لكل مملوك حياصته من الذهب ، وعندك مائتا جارية لكل جارية حُق من الحلي ، فإن أنفقت ذلك كله ، وبقيت مماليكك بالبتون والصوف بدلاً من الحوائص ، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي ، أفتيك بأخذ المال من الرعية[61]

ومن الشروط أيضاً :  أن تسبق الدعوة للتبرع للتوظيف ، وألا يزيد عن الحاجة وينتهي بانتهائها  وألا يؤخذ من الناس ما يمس حوائجهم الأصلية وقوت سنة ، وألا يقدر الحاكم على تعجيل الحقوق الواجبة كالزكاة [62] .

المبحث الثالث : هل تغني الضرائب عن الزكاة ؟

فرض الضرائب بجانب الزكاة يحمل الكثير من المسلمين على التساؤل عن إمكانية احتساب الضرائب من الزكاة ، خاصة وأن بعض أبواب الميزانية العامة للدولة الإسلامية تقوم بإعانة العاجزين ، وتشغيل العاطلين ، وإيواء المشردين ...وهي أبواب تعد من مصارف الزكاة .

واحتساب الضرائب من الزكاة يعني أسبقية الضرائب على الزكاة ، وهذا لا ينسجم مع مكانة الزكاة وهي الركن الثالث من أركان الإسلام التي لا يسقطها شيء ، ولا يغني عنها شيء قط فهي فريضة فرضها الله سبحانه وتعالى فلا يملك نسخها أو تجميدها العباد ، ولا بد أن تؤخذ باسمها ورسمها ومقاديرها وبشروطها وتصرف في مصارفها التي عيّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز [63].

وإذا نظرنا إلى الأسس التي قامت عليها الضرائب ، والأسس التي بنيت عليها فريضة الزكاة نجد اختلافاً كبيراً بين الزكاة والضريبة[64]  التي تفرضها الحكومات الآن ، الأمر الذي يقطع بأنه لا يمكن أن تغني هذه الضرائب عن أداء الزكاة[65] .

ولا يجوز أن تصنف الزكاة كضريبة .  فالفكر المالي الإسلامي يؤصل الزكاة على أسس ومفاهيم ونظريات شرعية تنبني أصلاً على النصوص القرآنية ، والنبوية بحيث يجعلها تختلف دائماً عن الضريبة التي تقم على أسس ومفاهيم وأفكار وصفية ، وبحيث يصنف الزكاة كعبادة مالية ، وفريضة إلهية وركن من أركان الإسلام ، وحكمها حكم أركان الإسلام وفرائض الإسلام .  لأخرى لا تكتمل شواهد الإسلام إلا بها ، ولا تتحقق معالم الإيمان إلا بتأديتها ؛ لمؤديها الثواب ، والأجر من الله ، ولجاحدها القتل والعذاب  وللمتهرب المسلم من دفعها الإجبار عليها حتى ولو بمحاربته[66] . أما سائر الضرائب ، فإن الحاكم هو الذي يفرضها عند الضرورة ، وللحاكم أن يسقط تلك الضريبة التي فرضها ، أو يخففها ، أو يعد لها حسبما تتطلبه مصلحة الأمة[67] .

فالزكاة لا تكون زكاة إلا بأمور ثلاثة:

1.    المقدار المخصوص الذي عينه الشرع من عشر إلى نصف عشر إلى ربع عشر .  بخلاف الضرائب التي قد ترتفع ، أو تنخفض ، أو تلغى بالكلية [68].

2.    النية المخصوصة وهي قصد التقرب إلى الله وامتثال أمره بأداء فرض الزكاة التي أمر بها عباده.

3.     المصرف المخصوص، وهو الأصناف الثمانية التي حدّدها القرآن الكريم [69]بخلاف الضرائب فإنها قد لا تصرف إلى هذه المصارف بل تذهب إلى المصالح العامة ، ولهذه الأسباب فلا يصح أن تقوم الضريبة مقام الزكاة ، ولا تغني عن الزكاة .  يقول الشيخ محمود شلتوت : " وإذا كانت الزكاة من وضع الله تعالى ، وكانت فرضاً إيمانياً يجب إخراجها ، وُجدت حاجة إليها أم لم توجد وتكون في تلك الحالة بمثابة مورد دائم للفقراء والمساكين الذين لا تخلو منهم أمة ، أو شعب . وكانت الضرائب من وضع الحاكم عند الحاجة ، كان من البين أن إحداهما لا تغني عن الأخرى ، فهما حقان مختلفان في مصدر التشريع ، وفي الغاية ، وفي المقدار ، وفي الاستقرار والدوام .

وإذا كان الناس يحسون بشيء من الإرهاق في بعض ما يفرض عليهم من ضرائب ، فتبعة ذلك إلى الفقير بحرمانه من حقه الذي أوجبه الله له ، وإنما سبيله مطالبة الحكومة بالاقتصاد في مصارفها  ومحاسبتها على ما تجمع وتنفق [70]

الخاتمة

من أهم النتائج التي توصّلت إليها في البحث :

-      الزكاة ليست الحق الوحيد في المال ، بل هناك حقوق أخرى ملزمة في حالات وأوقات معينة .

-      أن التصنيف القائل بأن الزكاة تشبه الضريبة ( الوضعية ) من حيث العناصر المشتركة بينهما  تصنيف باطل .  ويتضح ذلك من خلال المقارنة الني تمت بينهما في البحث .  فالزكاة وضعت على أسس ونظريات شرعية مبنية على النصوص القرآنية والنبوية .  لذا فإنه لا يمكن أن تكون الضريبة بديلة للزكاة .

-      من دوافع فرض الضريبة بجانب الزكاة :

1-   القحط والجدب والفقر .

2-   الجهاد ورواتب الجند .

3-   زيادة النفقات العامة، وهذا في حالة خلو بيت المال .

-      من شروط فرض الضريبة بجانب الزكاة :

1-   الضرورة الملحة إلى المال وعدم وجود مورد آخر .

2-   توزيع الأعباء على الرعية بالعدل .

3-   إنفاقها في مصالح الأمة .

4-   إجماع أهل الشورى والرأي على فرضها .

بالإضافة إلى غيرها من الشروط المذكورة في ثنايا البحث . 

ولله الحمد من قبل ومن بعد ، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

المصادر والمراجع

1 -  الخراج ، القاضي أبو يوسف ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان .

2 -  السياسة المالية للدولة في صدر الإسلام ، أد. أحمد علي الأزرق ، الدار السودانية للكتب ، الخرطوم .

3 -  الروض المربع ، شرح زاد المستقنع ، الشيخ العلامة : منصور الباهوتي ، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، 1390 هـ -  1970 م .

4 -  صحيح البخاري ، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، 194 – 256 هـ ، مركز الدراسات والإعلام ، دار إشبيليا ، الرياض ، المملكة العربية السعودية .

5 -  غياث الأمم في التياث الظلم ، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت:478هـ) ، تحقيق ودراسة:

د. مصطفى حلمي ، د. فؤاد عبد المنعم أحمد ، دار الدعوة ، الإسكندرية ، مصر .

6 -  تهذيب سير أعلام النبلاء ، تصنيف: الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748) مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1412 هـ - 1991 م .

7 -  الزكاة أحكام وتطبيق ، أد. سلطان بن محمد بن علي السلطان ، إصدارات الجمعية السعودية للمحاسبة ، الإصدار الحادي عشر ، الطبعة الأولى ، 1417 هـ - 1997 م .

8 -  فتح الباري شرح صحيح  البخاري ، الإمام أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني (ت852) تحقيق : محب الدين الخطيب ، محمد فؤاد عبد الباقي ، دار المعرفة ، بيروت ، 1379 هـ .

9 -  المالية العامة والتشريع الضريبي ، أد. غازي عناية ، دار البيارق ، عمّان ، الأردن ، الطبعة الأولى ، 1419 هـ - 1998 م .

10-          النظام المالي في الإسلام ، د. رفعت العوضي ، طبعة خاصة بالجامعة الأمريكية المفتوحة ، 1421 هـ - 2000 م .

11-  فقه الزكاة ، دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة ، د. يوسف القرضاوي ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة السادسة ، 1401 هـ - 1981 م .

12-  سنن ابن ماجة ، الإمام محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني (207-275) ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر ، بيروت ، مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي ، قرص إلكتروني ، إصدار 1.5 1420 هـ - 1999م .

13-  فقه الاقتصاد العام ، يوسف كمال محمد ، ستابرس للطباعة والنشر ، 1410 هـ- 1990 م .

14-  بحوث في الزكاة ، أد. رفيق يونس المصري ، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع ، سورية ، دمشق ، الطبعة الأولى ، 1420 هـ - 2000 م .

  *باحثة سعودية .



[1] انظر : النظام المالي في الإسلام ، د. رفعت العوضي ص185 -  فقه الزكاة ، القرضاوي ، ج2 ، ص 985

 

[2] قاعدة فقهية معناها :  مقابلة النفع الذي يجنيه الإنسان بالضرر الذي ينشأ عنه .

 

[3] انظر : فقه الزكاة ، مرجع سابق ،  ص1072-1078

 

[4] المرجع السابق ، ص 987

[5] الروض المربع  شرح زاد المستقنع ، الشيخ منصور البهوتي ، ج1 ، ص 358

 

[6] المرجع السابق ، ص 358

[7] التوبة 103

[8] المالية العامة والتشريع الضريبي ، أ د. غازي عناية ، ص 72

 

[9] أنظر : فقه الزكاة للقرضاوي ، ج2 ، ص 997

[10] أخرجه البخاري ك الزكاة ، باب 24 وجوب الزكاة ، ص 109-110

 

[11] شيخ الشافعية ، إمام الحرمين ، أبو المعالي الجويني ، صاحب التصانيف ، ولد سنة 419 هـ سمع من أبيه وأبي سعد النصروي ، وعدة . قال أبوسعد السمعاني : كان إمام الأئمة على الإطلاق ، توفي سنة 478 هـ .  تهذيب سير أعلام النبلاء ، ج2 ، ص 412  

[12] غياث الأمم في التياث الظلم ، الإمام الجويني ، ص 193

 

[13] أنظر : النظام المالي في الإسلام ، د. رفعت العوضي ، ص 156-157 ، 214

 

[14] فقه الزكاة ، القرضاوي ، ج2 ، ص 998 وللتوسع : أنظر أهداف الزكاة ، الباب السادس من هذا المرجع .

 

[15] أنظر : فقه الزكاة للقرضاوي ، ج2 ، ص 998

[16] أنظر : الزكاة أحكام وتطبيق ، د. سلطان السلطان ، ص 45

[17] أنظر : فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ج2 ، ص 1038

 

[18] سنن ابن ماجة للقزويني ، ج1 ، ص 577 ، الموسوعة الإلكترونية .

[19] صحيح البخاري ، ك الزكاة ، ب 41 ، ص 125

 

[20] فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ، ج3 ، ص 347 ، الموسوعة الإلكترونية .

[21] فقه الزكاة للقرضاوي ، ج2 ، ص 1039-1052 -  الزكاة أحكام وتطبيق للسلطان ، ص 45-49 -  المالية العامة لغازي عناية ، ص94-98

[22]  البقرة 276

[23] سبأ 39

[24] أنظر : الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص50  -  فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ص 999 – المالية العامة ، مرجع سابق ، ص 88

[25] المراجع السابقة .

[26] أنظر : فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ص 1000-1001 -  الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص 51

[27] المالية العامة والتشريع الضريبي ، مرجع سابق ، ص 90 -  فقه الزكاة  ، مرجع سابق ، ص 1001

[28] التوبة 60

[29] فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ص 1001 – الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص 51

[30] المالية العامة والتشريع الضريبي ، مرجع سابق ، ص 91-93 -  فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ص1003

[31] الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص 52 

[32] فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ص 1022

[33] أخرجه البخاري عن أنس ، ك 24 ، ب 38 زكاة الغنم  ، ص 124

[34] الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص 52

[35] المرجع السابق ، ص 52-53  -  فقه الزكاة ، مرجع سابق ، ص 1061-1063

[36] فقه الزكاة ، ص 1056

[37] غياث الأمم في التياث الظلم ، ص 173

[38] المرجع السابق ، ص 178 - 179

[39] غياث الأمم للإمام الجويني ، ص 190 ، 191

[40] المرجع السابق ، ص 190 ، 192

3  المرجع السابق ، ص 190

[41] المرجع السابق ، ص 193

[42] أنظر : غياث الأمم للجويني ، ص 201 - 203

[43] بجوث في الزكاة ، أد. رفيق يونس المصري ، ص 296

[44] المرجع السابق ، ص 296

[45] غياث الأمم ، ص 185

[46] بحوث في الزكاة ، أد. رفيق يونس المصري ، ص 293

[47] الخراج  لأبي يوسف ، ص 25

[48] غياث الأمم للجويني ، ص 209

[49] الزكاة أحكام وتطبيق ، د. السلطان ، ص 55

[50] فقه الاقتصاد العام ، يوسف كمال محمد ، ص434  -  بحوث في الزكاة ، أد. رفيق المصري ، ص 294

[51] غيث الأمم للجويني ، ص 210

4   الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص 55

[52] فقه الزكاة ، الشيخ القرضاوي ، ج2 ، ص 1081

[53] الزكاة أحكام وتطبيق ، مرجع سابق ، ص 55

[54] فقه الزكاة للشيخ القرضاوي ، ص 1084

[55] المرجع السابق ، ص 1085

[56] الشورى ، 38

[57] آل عمران ، 159

[58] فقه الزكاة للقرضاوي ، ص 1086

[59] بحوث في الزكاة ، أد.رفيق المصري ، ص 294-297

[60] فقه الاقتصاد العام ، يوسف كمال محمد ، ص 434

[61] فقه الزكاة للقرضاوي ، ص 1080-1081

[62] فقه الاقتصاد العام ، يوسف كمال محمد ، ص 434

[63] الزكاة أحكام وتطبيق ، د. السلطان ، ص 55

[64] ذكرت هذه الفروق في المبحث الثالث من الفصل الأول في هذا البحث .

[65] السياسة المالية للدولة في صدر الإسلام ، أد. أحمد علي الأزرق ، ص 124

[66] المالية العامة والتشريع الضريبي ، أد. غازي عناية ، ص 76 ، 93

[67] السياسة المالية ، مرجع سابق ، ص 124

[68] فقه الزكاة للقرضاوي ، ص 1107 -  السياسة العامة للأزرق ، ص 124

[69] فقه الزكاة ، ص 1107

[70] السياسة المالية للأزرق ، ص 125 نقلاً عن فتاوى الشيخ محمود شلتوت ، مطبوعات الإدارة العامة للثقافة بالأزهر ، ص 17 ، 18

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
تركيا تسعى لتدشين مسجد بكل جامعة حكومية
أعلنت أعلى هيئة دينية في تركيا، عن سعيها الحثيث من أجل بناء مسجد داخل كل جامعة حكومية، في خطوة تلقى انتقادات العلمانين في البلاد.
باحث: الإجارة على المنافع المحرمة كالزنى والنوح محرمة
أكد باحث قضايا فقهية معاصرة وفقه النوازل عبد الأحد أحمدي أن الإجارة على المنافع المحرمة كالزنى والنوح والغناء والملاهي....
القبض على معالج بالرقية ابتز فتاة جسدياً ومالياً في الدمام
ضبطت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدمام، شخصاً يدعي العلاج بالرقية والطب الشعبي والتدليك....
باحث شرعي: الأضحية سنة مؤكدة
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور مرسي محمد المرسي، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية، جامعة الأزهر...
عضو كبار العلماء :المحرم شرط لوجوب الحج على المرأة
قال فضيلته : إن إرادة المعصية موجبة للعقاب ،فلا ينبغي التساهل في هذا وإن أفتى به من أفتى
التميمي: زيارات المسلمين للقدس في ظل الاحتلال لن تغير من التهويد
رجح التميمي عدم جواز زيارة الأقصى المبارك في ظل الاحتلال الصهيوني خاصة للفلسطينيين
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م