منهج البحث في الفقه الإسلاميِّ (10)
|
صلاح عباس فقير
أضيف فى 1433/01/24 الموافق 2011/12/19 - 03:30 م


منهج البحث في الفقه الإسلاميِّ (10)

مقدّمة:

في الحلقات الماضية، تعرّفنا على المساهمة التي قدّمها الباحث الدكتور فريد الأنصاريّ، الّذي اقترح أربعة مناهج، رأى أنها أكثر مواءمةً للدِّراسات الشّرعيّة، ولقد لحظنا أنّه يوجد تداخلٌ بين تلك المناهج الأربعة التي اقترحها، فثمّة عناصرُ متشابهةٌ من حقّها أن تجتمع في إطارٍ واحد، وعلى سبيل بناء هذه الرؤية الكليّة الجامعة، نتعرّف في هذه الحلقة -بإذن الله- على "منهج البحث في الفقه الإسلاميّ"، كما عبّر عنه   الأستاذ  الدكتور عبد الوهاب إبراهيم محمد أبو سليمان، في كتابٍ صدر في عام (1416هـ/1996م) بنفس العنوان، يؤكّد في مقدّمته، على أنّ مكانة الفقه الإسلاميِّ، بين العلوم الإسلاميّة، تُماثل مكانة القلب من الجسد، ثمّ يقرّر أنّ الفقه الإسلاميَّ بما له من خصوصيّةٍ، يتميّزُ بأنّ له منهجاً متكاملاً في البحث، يتمثّلُ في "علم أصول الفقه"[1]، بيد أنّ الدكتور أبو سليمان لم يُلزم نفسه بإثبات هذه المقدّمة، وبناء بحثه في "منهج البحث الفقهيِّ" عليها، بل توجّه نحو صياغة تصوّرٍ عامٍّ، اعتمد فيه على العلامة محمود شاكر رحمه الله.

شطرا المادّة والتّطبيق:

ينقل الدكتور عبد الوهاب، عن الأستاذ محمود محمد شاكر، نقلاً مهمّاً في تحديدِ معنى المنهج، يقول فيه: "فهذا الّذي يُسمّى منهجاً، ينقسم إلى شطرين: شطرٌ في تناول المادّة، وشطرٌ في معالجة التطبيق"[2]،

أمّا شطرُ المادّة، ففيه دلالةٌ أساسيّة، وهي: أنّ لكلّ بحثٍ مادّةً، وأنّ هذه المادّة، ينبغي جمعُها وتصنيفُها وتمحيصُها، "وذلك بتحليل أجزائها بدقّةٍ متناهيةٍ، ... حتّى يتيسّر للدّارس أن يرى ما هو زيفٌ جليّاً واضحاً، وما هو صحيحٌ مستبيناً ظاهراً".

أمّا بالنسبة للشّطر الثّاني، المتعلّقُ بمعالجة التَّطبيق، فيتمثّل في ترتيب تلك المادة، بوضع كلّ حقيقةٍ من الحقائق، في موضعها المناسب، يقول محمود شاكر: "على الدّارس أن يتحرّى لكلّ حقيقةٍ من الحقائق موضعاً هو حقُّ موضعها، لأنّ أخفى إساءةٍ في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليقٌ أن يُشوّه عمود الصورة، تشويهاً بالغ القبح والشّناعة"، وينتج من ذلك إعادة تركيب تلك المادة، في صورة متكاملةٍ متآخذةٍ!

وسنضرب مثلا لكلٍّ من هذين الشَّطرين، فيما يلي:

دعائم منهج البحث الفقهيّ:

يذكر الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، أنّ المنهج في الفقه الإسلاميّ، يرتكز على الخطوات التالية:

أولاً: استقراء النّصوص المتّصلة بالموضوع استقراءً تامّاً، سواء كانت نفياً أو إثباتاً، عامّةً أو خاصّةً، مطلقةً أو مقيّدة، ثم تصنيفها، وترتيبها حسبما يقتضيه التحليل العلميّ.

وما وصفه المؤلف بـ "النصوص المتّصلة بالموضوع"، هو ما أشار إليه العلامة محمود شاكر، بقوله: "شطر المادّة".

ثانياً: التّحليل العلميُّ للنّصوص: قال: "والتحليل العلميّ لأداة البحث الفقهيّ، يعني تمييز الأدلّة بمدلولاتها وتأويلاتها، بإثبات القويّ، واطّراح الضّعيف، وبيان المعاني التي تحتملها، والصور التي تندرج تحتها، أو تشذّ عنها، ونقد ما يحتاج إلى النقد والتضعيف، فيخلص منها القويُّ".

وهذه الخطوة، في رؤية العلامة محمود شاكر، تندرج في الخطوة الأولى، المتعلقة بشطر المادة.

ثالثاً: الاستنباط: "وهو يمثل الغاية القصوى، من العمليّة الفقهية، التي يُتوصّل فيها إلى أحكام جزئية، أو قواعد كلية".

وهذه الخطوة، تقابل عند الشيخ محمود شاكر رحمه الله، ما أسماه بشطر التطبيق، والّذي يعتبر أنه "الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول، وتتناصُّ الحججُ، أي أن تأخذ الحجَّةُ بناصية الحجة، كفعل المتصارعَين، والذي تسمعُ فيه صليلَ الألسنة جهرة أو خفية، وفي حومته تتصادمُ الأفكار بالرِّفق مرَّةً وبالعنف أخرى".

وقد قدّم الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، نموذجين تطبيقيّين، على هذا المنهج، يؤكّدان أنّ علماء الفقه كانوا يحذون حذو هذا المنهج العام، ويتّبعونه في كتبهم ومؤلّفاتهم وبحوثهم، لنستعرض أحد هذين النموذجين التطبيقيّين:

بحثٌ تطبيقيٌّ لأبي جعفر الطّحاويّ في كتابه (شرحُ معاني الآثار):

تناول الإمام أبو جعفر الطحاوي، في كتابه أعلاه، هذا الموضوع:

(بابٌ: المكّيُّ يُريد العمرةَ، من أين ينبغي له أن يُحرم؟)

بدأ الطحاوي، بعرض الأحاديث والآثار الواردة فيما يتعلّق بالمسألة الأساسيّة التي يتضمّنها البحث، فهذه الأحاديث والآثار، هي المادّة الأساسيّة للبحث.

وفي أثناء سوقه للآثار، يقوم بتحليلها وتمحيص دلالاتها ومعانيها، في اتّجاه الإجابة عن سؤاله الأساسيِّ: من أين يُحرم المكّي للعمرة؟ فذكر أولاً قول القائلين أنّ ذلك يكون من التنعيم خاصّةً، وما استدلّوا به من دليل، ثمّ قال: "وخالفهم في ذلك آخرون" رأوا أنّ الحِلَّ مطلقاً، وليس التنعيم خاصّةً، هو الصواب في ذلك، دافعين الدّليل الّذي استدلّ به الأولون، بأنّ ما ورد من توجيه النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن أبي بكر، بأن يُعمِرَ عائشة رضي الله عنها من التنعيم، لأنّه كان أقربَ الحِلِّ منها.

ثمّ ذكر الطّحاويّ حديثاً، رجّح به القول الأول، ورد فيه أنّ عائشة رضي الله عنها أخبرت بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لمّا أراد أن يُعمِرها لم يقصد إلا الحلّ، قالت: (واللهِ ما ذكر الجِعِرّانة ولا التّنعيم).

ثمّ بلغ الإمام الطحاويّ، إلى مرحلة الاستنباط، قائلاً: "فثبت بذلك أنّ وقت أهل مكة لعمرتهم، هو الحِلُّ، وأنّ التّنعيم في ذلك وغيره سواء"، ثمّ قال: "وهذا كلُّه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".

هذا هو الإطار العامّ، الّذي رسمه الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، في لمنهج البحث الفقهيِّ، مستنداً إلى ما قرّره العلامة محمود محمد شاكر.

وإضافةً إلى ذلك، تناول الدكتور عبد الوهاب، ما أسماه بخصائص البحث الفقهيّ، ونواقصه، كما تناول خطّة البحث الفقهيّ، وهي الموضوعات التي سنتناولها بإذن الله في الحلقات القادمة.



[1] منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: ص7.

[2] المتنبي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 22، عن منهج البحث في الفقه الإسلاميّ: ص15.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الجمعية الفقهية تستضيف لقاء علميا بعنوان : التجديد في أصول الفقه
أعلنت الجمعية الفقهية السعودية عن إقامة محاضرة علمية بعنوان :" التجديد في أصول الفقه"
باحث شرعي: إغلاق المحلات في أوقات الصلاة ليس فيه "إكراه"
الموضوع ينبغي أن يطرح على أهل العلم والفتيا حتى يخرجوا لنا فتوى مناسبة في هذا المجال
د.المصلح: إدخال "الإعجاز العلمي" في المناهج الدراسية بات ضرورة
أكد فضيلته أن شواهد الإعجاز وأمثلته باتت لا تُحصى لكثرتها وهي من وسائل تقوية الإيمان عند المسلمين
من فقهاء العصر : محمد الحبيب بلخوجة
مفتي الجمهورية التّونسيّة الأسبق
الجامع الصّغير لمحمد بن الحسن الشّيبانيّ
هو كتاب، قديم، مبارك. مشتمل على: ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م