التعارف والتعريف للزواج 1-2
|
الدكتور/ فهد بن عبدالكريم بن راشد السنيدي
أضيف فى 1433/01/19 الموافق 2011/12/14 - 06:28 م


التعارف والتعريف للزواج 1-2

دراسة فقهية تأصيليــــة مع بيان الأجرة عليهما     

خلاصة البحث

الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

البحث في واقعه دراسة فقهية تأصيلية في موضوع «التعارف والتعريف للزواج» مع بيان الأجرة عليهما، فهو يتضمن:

-      بيان المراد بالتعارف والتعريف للزواج في اللغة والاصطلاح مع المقارنة بينهما، فالتعارف تواصل بين رجل وامرأة معينين، بغية معرفة كل منهما بالآخر خَلْقاً وخُلُقاً، معرفة تؤدي إلى حسن الاختيار بينهما من أجل حصول الزواج بعد ذلك.

والتعريف عرض عام بمواصفات رجل أو امرأة وصفاتهما المرغبة في الزواج، دون تعيين لشخص المعرف به وقت التعريف، وإنما بعده، بعد أن يؤدي هذا التعريف إلى التعرف على شخص آخر، موافق في الصفات المطلوبة، راغب في الزواج.

-      ذكر أنواع التعارف للزواج، والمتمثلة في: النظر والوصف والعَرْض والصور والمراسلات وأجهزة الاتصال الحديثة.

وبيان أنواع التعريف للنكاح؛ وهي: الأشخاص والبطاقات والمجلات والصحف والشبكة المعلوماتية ومؤسسات الزواج.

-      التعريف بأركان التعارف والتعريف للزواج، وبالشروط والضوابط الشرعية لهما.

-      ذكر حكم التعارف والتعريف –إجمالاً- وأنه الإباحة فيهما إذا توافرت فيهما شروطهما الشرعية، وقد تعتريهما الأحكام التكليفية الخمسة؛ الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، بالنظر إلى اعتبارات شرعية معينة في كل منها.

-      بيان الأجرة على التعارف والتعريف للزواج؛ بذكر حكمها فيهما، وأنه الجواز دفعاً وأخذاً، وبذكر مَنْ يتحملها؛ وأنه المستفيد الطالب لذلك، مع بيان مقدارها والذي يحدده الشرط، أو العرف وحجم الجهد المبذول فيهما وأحوال الناس من غنى ويسار وفقر، حسب أوضاعهم الاجتماعية.

   هذا، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من علم البشرية الخير وجعل الزواج من سنته، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واتبع سنته القويمة بإحسان إلي يوم الدين.

أما بعد:

فإن الزواج سنة من سنن المرسلين؛ قال الله تعالى  {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } [1].

وهو منّة من الله تعالى على خلقه قال سبحانه: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ... } [2].

وهو آية من آيات الله في خلقه، قال تبارك وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [3].

وإن التعارف والتعريف بين الذكر والأنثى على نهج شرعي، مسلكان مضيئان إليه؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [4].

وقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: « الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» رواه مسلم[5].

فهما وسيلتان لحسن الاختيار بين الذكر والأنثى للنكاح، ولوجود حياة زوجية صالحة، وتكوين أسرة كريمة؛ روى عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: « الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» رواه مسلم[6].

والتعارف والتعريف من أسباب معرفة الصلاح والاستقامة في الرجل والمرأة؛ لبناء حياة زوجية سعيدة بإذن الله تعالى.

لهذا آثرت بحث هذا الموضوع تحت عنوان: «التعارف والتعريف للزواج» دراسة فقهية تأصيلية؛ لتضمنها بيان المراد بهما وأنواعهما وأركانهما وشروطهما ووقتهما وحكمهما، وأخذ الأجرة عليهما.

وحصل الجمع بين لفظي «التعارف» و «التعريف» في العنوان مع أن كلاّ منهما مفيد لحصول المعرفة بالذكر والأنثى من أجل الزواج؛ لأن التعارف يكون بين رجل وامرأة معينين، بينما التعريف يتم بذكر مواصفات عامة مرغوبة في رجل أو امرأة، عله يجد طرفاً آخر مناسباً له للزواج، ليتم التعارف بينهما بعد ذلك على وجه التعيين لشخصيهما من أجل حصول النكاح[7].

ولهذا الموضوع أهميته، فهو يتعلق بحسن الاختيار بين الرجل والمرأة للزواج وفق المعايير الشرعية لذلك، ومنها: التعارف والتعريف للزواج المحمودان شرعاً قبل  عقد النكاح.

وحسن التكوين للأسر وصلاحها، صلاح للمجتمع بأسره، وتحقيق للاستقرار والحياة الزوجية الكريمة، والتربية الصالحة للنشء، والترابط الاجتماعي المتين.

وإن من الأسباب الدافعة للكتابة في هذا الموضوع ما يلي:-

-         الأهمية المشار إليها لهذا الموضوع.

-         تعدد أنواع التعارف والتعريف للزواج ووفرتها في العصر الحاضر، مما يتطلب التعريف بها ومعرفتها من منظور شرعي، ودراستها دراسة فقهية تأصيلية.

-         أثر التقنية الحديثة الكبير في ذلك، مما أضفى عليها في كثير من جوانبها صبغة النوازل، وزاد في الحاجة إلى دراستها وبحثها.

-         مواقف الناس المتباينة في هذا بين إفراط وتفريط، مما يتطلب ضرورة إيضاح الحق في ذلك، وبيان المنهج السليم المعتدل.

-         الحاجة إلى التأصيل الفقهي لهذا الموضوع؛ إسهاماً في تشجيع الدراسات في أحكامه الفقهية التفصيلية الواسعة.

-         شح الدراسات الجامعة لأطراف الموضوع في جانبه الفقهي التأصيلي – حسب اطلاعي – فضلاً عن مستجداته وأحكامه التفصيلية رغم كثرتها.

والتساؤلات في هذا الموضوع كثيرة، وهي في مجملها مما يجلي أهميته، ويزيد في بيان الحاجة الماسة لدراسته، ومن أبرز هذه التساؤلات الآتي:-

-         ما المعنى المراد للتعارف والتعريف من أجل الزواج؟ وما الفرق بينهما؟

-         ما أنواع التعارف والتعريف للنكاح؟

-         التعارف والتعريف للزواج، ما أركانهما؟ وما شروطهما؟

-         ما وقت التعارف والتعريف للنكاح؟

-         ما حكم التعارف والتعريف للزواج؟

-         الأجرة على التعارف والتعريف للزواج، ما حكمها؟ وَمَنْ يتحملها؟ وما مقدارها؟

ويهدف من هذه الدراسة، الإجابة التفصيلية على هذه التساؤلات في الجانب الفقهي التأصيلي لهذا الموضوع وما يتعلق به من أحكام، علّها تفتح المجال لدراسات تفصيلية مستقلة في أحكام أنواعه المتعددة، بما يحقق الشمول لمستجداته، ويلبي الحاجة لكل متطلباته.

ولم أطلع على دراسة سابقة للموضوع بهذا العنوان، وهناك عناية من الفقهاء بأحكام النظر للمخطوبة، جاءت متفرقة في كتبهم[8]، لكنها خاصة بأحكام النظر، ولم تكن دراسة فقهية تأصيلية للتعارف والتعريف، مع أن النظر من طرقهما.

وهناك رسالة ماجستير بعنوان: مقدمات الزواج لفضيلة الدكتور: صالح بن إبراهيم الجديعي، من قسم الفقه بكلية الشريعة في الرياض، نوقشت عام 1405هـ، لكنها تضمنت كيفية الاختيار وأسسه، وأحكام النظر والخطبة، وهذا ما لم يتناوله  هذا البحث.

هذا، وقد رسمت لهذا الموضوع خطة تتكون من مقدمة وسبعة مباحث وخاتمة وفهرس بالمصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.

-                    المقدمة: وفيها التنويه على عنوان البحث، وبيان أهميته وأسباب اختياره وأهم تساؤلاته وأهدافه مع الإشارة إلى الدراسات حوله، وخطته ومنهجه.

-                    المبحث الأول: بيان المراد بالتعارف والتعريف للزواج.

أ‌-       تعريفهما في اللغة.

ب‌- تعريفهما في الاصطلاح.

-                    المبحث الثاني: أنواع التعارف والتعريف للزواج.

أولاً: أنواع التعارف للزواج.

ثانياً: أنواع التعريف للزواج.

-                    المبحث الثالث: أركان التعارف والتعريف للزواج.

-                    المبحث الرابع: شروط التعارف والتعريف للزواج.

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: شروط التعارف للزواج.

المطلب الثاني: شروط التعريف للزواج.

-                    المبحث الخامس: وقت التعارف والتعريف للزواج.

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: وقت التعارف والتعريف بالنسبة لعقد الزواج.

المطلب الثاني: وقت التعارف والتعريف بالنسبة لتقدير مدتهما.              

-                    المبحث السادس: حكم التعارف والتعريف للزواج

          أولاً: حكم التعارف والتعريف إجمالاً.

          ثانياً: حكم التعارف والتعريف تفصيلاً.

-                    المبحث السابع: الأجرة في التعارف والتعريف للزواج.

       وفيه ثلاثة مطالب:

       المطلب الأول: حكم الأجرة على التعارف والتعريف للزواج.

       المطلب الثاني: مسؤولية تحمل الأجرة.

       المطلب الثالث: مقدار الأجرة.

-                    الخاتمة: وفيها خلاصة البحث ونتائجه وتوصياته.

-                    فهرس المصادر والمراجع، وفهرس الوضوعات.

وسأشير في بحث هذا الموضوع وفق المنهج المتبع عند الباحثين بعامة، وفي البحوث الفقهية بخاصة، وأبرز ملامحه تتمثل ففي الآتي:

-                    جمع مادته العلمية من مظانها، وصياغتها بم يتناسب مع عنوان البحث وطبيعته. 

-                    الاعتماد على الاستقراء والاستنباط كلما لزم هذا؛ لقلة مادة الموضوع العلمية.   

-                    الاعتماد في الاستدلال على مصادر الشريعة ومقاصدها وقواعدها العامة، وفي مقدمتها الكتاب والسنة.

-                    عزو الآيات لسورها، وبيان أرقام الآيات، وتخريج الأحاديث والآثار.

-                    الحرص على التوثيق قدر الإمكان، وبخاصة من المصادر والمراجع الفقهية المعتمدة، مع العناية بالكتابات الحديثة حول الموضوع متى وجدت.

-                    التعريف بالألفاظ الغريبة والمصطلحات الواردة.

-                    عمل فهرس للمصادر والمراجع، وآخر للموضوعات.

هذا، وأسأل الله تعالى حسن القصد والتوفيق والسداد، وأن يغفر لي أي خطأ أو زلل، وأن ينفع به ويجزي خير الجزاء كل من أهدى إليّ نصحاً أو إرشاداً أو    تصويباً، إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المبحث الأول: بيان المراد بالتعارف والتعريف للزواج.

يمكن بيان المراد بهما وتحديده من خلال معرفة المعنى اللغوي لهما، وما ينبني عليه من معنى اصطلاحي مراد بهذا البحث، ويزداد وضوحا بالمقارنة بينهما في الدلالة، وذكر نصوص شرعية في معناهما؛ وذلك على النحو الآتي:

أ‌-       تعريفهما لغة:

التَّعَارُفُ: مصدر للفعل تَعَارَفَ، يقال: تَعَارَف القومُ تَعَارُفاً؛ أي: عَرَفَ بعضهم بعضاً، ويقول الله تعالى: {... وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ... }  [9].

والتَّعرِيفُ: مصدر –كذلك- من الفعل تَعَرَّفَ – بتشديد الراء – يقال: عَرَّفَ فلان بفلان تَعرِيفاً: أي أعلم به ووصفه ووضحه[10].

ومن المعاني اللغوية لمادة «عَرَفَ» مايلي:

التعريف: الإعلام؛ يقال: عرّف فلانٌ فلاناً الأمرَ: أعلمه إيّاه، ويقال عرّفه بيته: أعلمه بمكانه، وعرّفه بكذا وسمه به.

والتعريف: الإنشاد، يقال عرّف الضالة؛ أي نشدها، بمعنى: ذكرها وطلب من يعرفها، ومنه: إنشاد الضالة.

والتعريف: طلب المعرفة، يقال اعترف واعرورف فلانٌ القومَ: سألهم عن خبر ليعرفه، وتعرّفتُ ما عندك: طلبت حتى عرفت، ويقال: ائت فلاناً فاستعرف    إليه حتى يعرفك، ويقال استعرف إليه: انتسب إليه ليعرفه.   

والتعريف: التأمل؛ يقال: تعرّف المكان وفيه؛ أي: تأمَّلَه وتَأَمَّلَ به.

والتعريف: الدلالة والإخبار؛ يقال: اعرورف فلانٌ الشيء: عَرَفَهُ ودلّ عليه، وانقاد إليه، واعرورف إليّ: أخبرني باسمه وشأنه.

والتعريف: « تحديدُ الشيء بذكر خواصّه المميزة »[11].

والتعريف: التطييب، ومنه قوله تعالى {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } [12]. أي: طيبها لهم[13].

والعريف: من يعرف أصحابه، ويطلق على القيم والسيد ورئيس القوم؛ لمعرفته بسياسة القوم، يقال: هو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس، بمعنى : هو الذي يلي أمورهـم، ويتعرف الأمير منه أحـوالهم. وهو فعـيل بمعنى فاعل، فعـريف بمعنى عارف، مثل عليم وعالم. ورجل عروفة بالأمور؛ أي : عارف بها، والهاء للمبالغة.

والعِرف: المعرفة المتأخرة يقال: ما عرف عرفي إلا بآخرة، أي: ما عرفني إلا أخيراً.

والمعارف: الوجوه؛ لأن الأشخاص يعرفون بها، يقال: حيّا الله المعارف؛ أي الوجوه، وهو من المعارف، أي من الأشخاص المعروفين بوجوههم، ويطلق المعارف  – أيضاً – على محاسن الوجه، يقال: امرأة حسنة المعارف؛ أي: الوجه وما يظهر منها.

وعرفات: موقف الحاج يوم عرفة، قيل: سميت بذلك؛ لأن آدم وحواء تعارفا  بها، وقيل غير ذلك[14].  

وبهذا يتبين أن التعارف والتعريف لهما معان لغوية متعددة، جماعها: طلب المعرفة بالشيء وتحقيقها؛ للعلم والوصول إلى غاية معينة غالباً.[15]

ب‌- تعريفهما في الاصطلاح:  

المراد بهذا البحث: بيان معرفة كل من الرجل والمرأة بالآخر من أجل الزواج.

بيان هذا التعريف:

هذا الموضوع له جانبان؛ أحدهما: تعارف للزواج، والآخر: تعريف للزواج  أيضاً.

ويراد بالتعارف للزواج : الوصول إلى تحقق المعرفة بين رجل وامرأة معينين معاً خَلْقاً وخُلُقاً من أجل حصول الزواج بينهما بعد ذلك؛ باعتبار هذا التعارف يؤدي إلى حسن الاختيار بينهما، وغلبة الظن بصلاحهما للحياة الزوجية السعيدة مستقبلاً.

ويراد بالتعريف للزواج : العَرْض التعريفي العام بامرأة، بذكر مواصفاتها وصفاتها، ومتطلباتها فيمن يمكن أن تقبل به زوجاً لها، دون تعيين لشخصها وقت التعريف، علّ هذا التعريف يؤدي إلى التعارف مع معين مستقبلاً؛ ليتحقق بعد ذلك الزواج بينهما.

وكذلك يراد به: العَرْض التعريفي العام برجل بذكر مواصفاته وصفاته ومتطلباته فيمن يرغب في الزواج بها، دون تعيين لشخصه وقت التعريف، علّه يؤدي إلى التعارف للزواج مع امرأة معينة مستقبلاً؛ ليتم عقد الزواج بينهما بعد ذلك.

وبالمقارنة بينهما بناء على هذا التحديد للمراد بكل منهما، يتضح اتفاقهما في الآتي:  

1- أن كلاًّ منهما يتم خلال مدة تسبق عقد الزواج، يمكن أن تسمى بمرحلة الخطوبة أو التمهيد لها.

2- أن كلاًّ منهما مما يمهد لعقد الزواج، ويهيئ الظروف المناسبة لحصوله.

3- أن كلاًّ منهما يراد منه الوصول إلى الزواج بعد حسن اختيار بين الطرفين.

4- أن كلاًّ منهما يؤدي إلى معرفة رجل بصفات امرأة يرغب في الزواج منها، أو امرأة بصفات رجل كذلك، أو كلاهما.

كما يتبين افتراقهما فيما يلي:

1-         التعارف يتم بين رجل وامرأة معينين، والتعريف يتم دون تعيين للطرف الآخر في ابتدائه.

2-         التعارف لا يلزم أن يكون بواسطة بين الرجل والمـرأة، بينما التعريف يلزم فيه ذلك؛ لأنهما وسيلة التواصل فيه، والتوفيق بين الرغبات.

3-         التعارف يكون برؤية أو مواصفات شخصية للطرف الآخر، في حين أن التعريف يتم ابتداء بذكر مواصفات عامة، ودون كشف للاسم الحقيقي للراغب.

4-         يتم التعارف برغبة كل من الرجل والمرأة فيه أو أحدهما، وغالباً برغبة الرجل، والتعريف في بدايته يحصل برغبة أحدهما.

5-         التعارف يكون بين رجل وامرأة بذاتيهما، وبالسّرّ غالباً، بينما التعريف قابل لأن يطلع عليه أشخاص كثيرون، وربما يكون معلناً على الملأ عبر صحافة أو شبكة معلوماتية انترنت ونحوهما.

6-         التعارف الشخصي قد يكون مبنياً على تعريف عام سبقه من قبل الرجل أو المرأة أو كلاهما، أما التعريف فلابد أن يتلوه تعارف شخصي قبل تمام الزواج.

ومن كل ما تقدم، تبدو العلاقة بين المعنيين اللغـوي والاصطلاحي ظاهرة، فالمعنى اللغوي أوسع وأشمل؛ إذ أنه يتناول الإعلام بالشيء وطلب المعرفة به     والدلالة عليه والإخبار فيه، وهذا هو ما يدور حوله المعنى الاصطلاحي، فإذن،    المعنى الاصطلاحي في حقيقته يتضمن بعضاً من المعاني اللغوية لمادة «عرف» ولا يخرج منها.

وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة مستخدمة لفظ «عَرَفَ» وفق معانيه اللغوية، وبما يتفق مع معناه الاصطلاحي المراد بهذا البحث. من هذه النصوص ما يلي:

أ‌-          من الكتاب العزيز:

1-     قول الله تعالى: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } [16].

2-     قوله تعالى: ) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ... } [17].

3-     قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ... } [18].

ب‌- من السنة:

1-     حديث: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ..» الحديث، رواه أحمد والحاكم والسياق له[19].

ومعناه «اجعله يعرفك بطاعته، والعمل فيما أولاك من نعمته»[20].

2-     حديث: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف ..»الحديث، رواه مسلم[21].

3-     حديث: «فإن اعتُرِفَت فأدها ...» الحديث، رواه مسلم[22].

والمراد: إن جاء من يَعتَرِفُها؛ أي: اللقطة؛ بمعنى: «يصفها بصفة يُعلمُ أنه صاحبها»[23].

المبحث الثاني: أنواع التعارف والتعريف للزواج:

للتعارف والتعريف للزواج باعتبار وسائلهما وطرق تحقيقهما أنواع كثيرة؛ إذ لكل منهما أنواع متعددة خاصة به، ويمكن بيانها وفق الآتي:

     أولاً: أنواع التعارف للزواج:

لما كان التعارف مقصوداً به تحقق المعرفة المرغبة في الزواج بين رجل وامرأة معينين، فإن أنواع ذلك يمكن إجمالها في الآتي:

1-                    النظر: بأن ينظر الرجل إلى المرأة أو المرأة إلى الرجل أو كلاهما مباشرة بالعين المجردة، بنية الرغبة في الزواج، والنظر قد يكون بعلم الطرف الآخر، وقد يكون بغير علمه، كأن يتخبأ له، أو يتم النظر بحضرة ولي المرأة وبإذنه[24].

2-                    الوصف: بأن تُذكَر للرجل صفات المرأة التي يمكن أن ترغبه في الزواج منها، سواء كانت الصفات خَلْقيَّةً أو خُلُقِيَّةً، وكذلك المرأة، فتذكر لها صفات الرجل التي تدعوها وتدعو وليها إلى الموافقة على الزواج منها، سواء تم الوصف بطريق الخاطب أو الخاطبة أو إحدى القريبات للرجل كأمه أو أخته، ونحو ذلك.

3-                    الصور والمراسلات، بأن يطلع الرجل أو المرأة على صورة الشخص الآخر الفوتوغرافية، والتي تبين قدراً من الصفات الخَلْقِيَّة للشخص.    

ويتم ذلك بتبادل الصور بينهما، أو عبر الجوالات ذوات الكاميرات أو الأشرطة التلفزيونية المسجلة للرؤية ونحوها. ومثلها حصول مراسلات تتضمن الصفات المرغوبة في النكاح لكل من   الرجل والمرأة، سواء كانت خَلقية أو خُلقية، وربما أتاحت المراسلات قدراً من إجابة التساؤلات الواردة بين الطرفين في شأن الزواج وإتمامه، وكذا المزيد من التفاهم والتعارف بين الرجل من جانب وبين المرأة ووليها من جانب آخر. والمقصود: المراسلات المعهودة المعتادة بالرسائل البريدية وبالحاسوب الفاكس ونحوها.

4-                    أجهزة الاتصال الحديثة: حيث تسهل الاتصال بين الرجل وجهة المرأة وتحقق السرعة في ذلك، وأبرز وسائلها الهواتف المعهودة والتي تتيح الحديث بينهما في كل ما يرغب في الزواج ويوصل إليه.

وتأتي كذلك شبكة المعلومات الانترنت في مقدمة هذه الوسائل والطرق المستجدة المعروفة اليوم والواسعة الانتشار؛ لتسهل التواصل بغية التعارف للزواج بين رجل وامرأة أو وليها معينين.

5-                    العرض: بأن تعرض صفات المرأة المعينة المرغبة في نكاحها على الرجل المعين المتوقع رغبته في الزواج منها، وكذلك العكس سواء كانت المواصفات خَلْقيَّةً أو خُلُقِيَّةً.

ومن هذا القبيل لو عرضت امرأة نفسها على رجل مع أمن الفتنة أو العكس بغية الزواج والرغبة في الآخر لدى العارض.[25]

ومنه ما عرف في الوقت الراهن من عرض المرأة نفسها على الملأ على منصة أو عبر شاشة التلفزيون، وكذا الرجل، ليتقدم الراغبون فيها لطلبها مباشرة، فتختار منهم من ترى أنه الأنسب لها منهم، لجماله أو ماله أو مكانته ونحو ذلك، وكأن عارض نفسه أمام الملأ في مزاد علني للاقتران به.

هذه أبرز أنواع التعارف للزواج بين الرجل والمرأة المعينين، وهي مدركة من الواقع في حياة الناس في مساعيهم لطلب النكاح.

ثانياً: أنواع التعريف للزواج:

لما كان التعريف يتمثل في عرض مواصفات خَلْقِِيَّة وخُلُقِيَّة لشخص يرغب في الزواج على الملأ ، عله يجد من تناسبه هذه المواصفات أو تتحقق فيه، ويرغب هو كذلك في الزواج؛ ليتم التواصل بعد ذلك للتعارف الشخصي، ثم الزواج، أمكن حصر أنواعه فيما يلي:

1- الأشخاص: وذلك بوجود أشخاص أمناء محتسبين كالقضاة وأئمة المساجد، يزودهم الشخص الراغب في الزواج بمعلومات شخصية عنه من مواصفات ترغب فيه ونحوها، ويطلب عرضها ضمن مواصفات غيره على طالبي الزواج الذين يبحثون عن مواصفات معينة فيمن يرغبون في الاقتران به بالزواج.

وهذا طريق مأمون في تحقيق المطلوب وحفظ الأسرار؛ لأنه يكون بيد ثقات قادرين على حفظ أسرار الناس في الجملة، وقد يوجد هذا عند من يشتهر بالخاطب أو الخاطبة، وغالباً ما يكون أمره سهلاً ميسوراً على كثير من الناس، وهو متعارف    عليه قديماً، وربما سعى الخاطب أو الخاطبة بنفسيهما إلى توفير المعلومات عن الأشخاص طالبي الزواج، ولكن نطاقه محدود غالباً في محيط جماعة المسجد أو الحي ونحو ذلك.

2- البطاقات: وهي بطاقات تُعَدّ من قبل مختصين بشؤون الزواج والتوفيق فيه، تتضمن بنودها أهم المواصفات المرغبة في الزواج، ويقوم طالب الزواج من رجل أو امرأة بنفسها أو وليها بتعبئة نموذج طالب الزواج، وتوضع عند أمناء مهتمين بهذا الشأن، فإذا ما وجد بطاقتان لرجل وامرأة بينهما توافق كلي أو بنسبة كبيرة سُعي إلى التعارف الشخصي بينهما، علّه أن يتوصل بعد ذلك إلى إتمام عقد الزواج بينهما.       

وهذه الأمور تتم بجهود أشخاص أو مكاتب متخصصة بذلك، وربما عن طريق جهات رسمية تعنى بهذا الشأن.

وقد أثبت هذا الطريق فعاليته، وبخاصة مع ذوي الإعاقات، لصعوبة العثور على من يقبل بالزواج من ذي الإعاقة أحياناً.

3- المجلات والصحف: من المجلات والصحف ما يعني بشؤون الزواج والتوفيق فيه بين راغبي الزواج من الذكور والإناث، ومنها ما يخصص زوايا لهذا الأمر، والمعهود نشر مواصفات راغبي الزواج العامة وشروطهم فيمن يرغبون به عبر هذه المجلات والصحف، مع المحافظة على الأسماء الحقيقية سرية؛ حفاظاً على أسرار الناس، وتبقى المجلة الوسيط بين الطرفين، فإذا ما تقاربت المواصفات بين طرفين سُعي إلى تزويد كل طرف بعنوان الآخر، لينتهي دور المجلة أو الصحيفة، ويأتي دور التواصل بين الطرفين المعنيين. 

ومن هذه الصحف من يقف دورها على مجرد نشر المعلومات الشخصية العامة؛ لأن عرفها نشر العناوين مع المواصفات، وطالبوا الزواج عبرها على علم بذلك.

ومن تلك المجلات مجلة الزواج التي تصدر بجدة، وتم عن طريقها التوفيق للزواج بين أناس كثر.

 وغالباً ما تكون الصحف والمجلات واسعة الانتشار، وتتعدى حدود الدولة التي تصدر فيها.

4- الشبكة المعلوماتية: والمقصود نشر المواصفات للراغب في الزواج والمرغوب فيه عبر الشبكة المعلوماتية في مواقع تعد لذلك، ليتم اطلاع راغبي الاطلاع عليها والاستفادة منها عبر هذه المواقع المعنية.

ومن هذه المواقع من لا يمكن الاستفادة من إلاّ مقابل أجر يحدده على المستفيد منه ابتداء، وربما تضاعف الأجر عندما يصل الأمر إلى نجاح التوفيق بين الطرفين والتوصل إلى الزواج.

ويتميز التعريف عن طريق الشبكة المعلوماتية المسماة بالانترنت وبالشبكة العنكبوتية بأن انتشارها يكون على مستوى العالم, ومن الممكن استفادة الشخص منها في أي مكان من العالم.

ولذلك يوجد زواجات طرفاها كانا في دول متباعدة، وعبر هذا الطريق تم التعارف ثم التواصل، فالزواج.

5- مؤسسات الزواج: وهي جهات تعنى بالتوفيق بين راغبي الزواج من ذكور وإناث، وفق تنظيمات معينة تخصها، بحيث يتواصل طالبوا الزواج مع هذه المؤسسات مسجلين رغباتهم ومواصفاتهم عندها؛ لتقوم بدور الوسيط الأمين في ذلك.

وهذه المؤسسات يحتاج إليها غالباً في المجتمعات الكبيرة والمدن التي يصعب على فئات من الناس فيها أن يَعْرِف أو يُعْرَف بغرض الزواج. وقد يكون لهذه المؤسسات رعاية رسمية وإشراف عام من قبل الجهات ذات العلاقة في الدول كمحكمة الضمان والأنكحة.

وقد قامت هذه المؤسسات بدور الأفراد في التعريف والتوفيق للزواج، لما صار دور الأفراد في مجتمعات كثيرة لا يفي بالمطلوب؛ لكثرة الناس، وقلة التواصل الاجتماعي بينهم.

وغالباً ما تتقاضى أجراً على جهودها في هذا المجال؛ لتغطية أجور موظفيها وتوابع ذلك.

هذه أظهر أنواع التعريف للزواج، وهي لا تقل شأناً عن أنواع التعارف للزواج؛ إذ كلها وسائل يهدف من ورائها إلى تحقيق الزواج بين رجل وامرأة، وقد تعددت هذه الأنواع؛ نظراً لمقتضيات العصر الراهن ومتطلباته.

وكل هذه الأنواع للتعارف والتعريف للزواج تتطلب دراسة مستقلة؛ لمعرفة أحكامها الفقهية التفصيلية، وبالله التوفيق.


المبحث الثالث: أركان التعارف والتعريف للزواج

لا يمكن أن يوجد تعارف أو تعريف للزواج إلاّ إذا وجدت العناصر الأساسية المكونة لكل منهما، وهي ما يمكن أن يسمى بالأركان، وهي الآتي:

1-   الراغب في التعارف أو التعريف للزواج: وهو الشخص الذي يبدي رغبته في ذلك، رجلاً كان أو امرأة، وبأي نوع من أنواع التعارف أو التعريف، والتي سبق بيانها في المبحث الثاني.

2-   المرغوب في معرفته من أجل الزواج بالتعارف أو التعريف: وهو الشخص المرغوب في التعرف عليه، رجلاً كان أو امرأة، وتعيينه من أجل الزواج، بأي من أنواع التعارف أو التعريف للنكاح.

3-   القائم بالتعارف أو التعريف للزواج: وهذا قد يكون شخصاً؛ وهو المسمى بالخاطب أو الخاطبة أحياناً، وقد يكون جهة، كمؤسسة مخصصة لذلك، ومنها المواقع الالكترونية المخصصة لذلك.

فإذا وجدت هذه الأركان الثلاثة، أمكن تصور وجود ما يمكن أن يسمى بالتعارف أو التعريف للزواج. وإذا فقدت كلها أو بعضها، لم يمكن تصور وجود ذلك.  

المبحث الرابع: شروط التعارف والتعريف للزواج

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: شروط التعارف للزواج:

   لما كان التعارف للزواج يتم بين رجل وامرأة أو وليها، وأنواع ذلك متعددة، اقتضى الأمر وضع ضوابط شرعية لذلك، وهي ضوابط عامة، تستقرأ من الأحكام التفصيلية لأنواع التعارف، ويمكن أن تسمى شروطاً، وبيانها ـ إجمالاً ـ فيما يأتي:

1-    الرغبة الحقيقية في الزواج، والعزم عليه عند الشروع في التعارف؛ حتى لا يؤدي عدم الرغبة فيه، وعدم العزم عليه إلى الاطلاع على ما لا يباح الاطلاع عليه بلا سبب شرعي، وحتى لا تهتك أسرار الناس بلا مسوغ شرعي؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ... » الحديث، متفق عليه وسياقه للبخاري[26].

ومن المعلوم أن الأمور بمقاصدها[27].

2-    تعيين الطرف المرغوب فيه، وعدم تجاوز ذلك إلى التعارف المحرم؛ لأن عدم تعيينه يؤدي إلى الوقوع في المحرم، والاطلاع على محارم غيره، وهتك حدود الله، والوقوع في الإثم.

3-    عدم تجاوز ما يحصل به التعارف للزواج، لأن ما زاد على قدر الحاجة يبقى على أصل الحرمة؛ إذ لا مسوغ شرعاً لإباحته.

4-    الأمانة وحفظ السر فيما اطلع عليه، سواء كان بواسطة أو بغير واسطة؛ لأن فقدان الأمانة خيانة، والخيانة محرمة شرعاً، وآثارها ضارة.

ومن الأمانة؛ الأمانة في الواسطة، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... } [28] وقال النبي –صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتنمك ... » الحديث، رواه الترمذي وأبو داود[29].

وقد حذر الشارع من هتك الأستار وإفشاء الأسرار بلا حاجة شرعية، وقد جاء حديث «المجالس بالأمانة...» الحديث، رواه أبو داود[30].

5-    عدم المانع الشرعي من النكاح؛ كأن تكون المرأة معتدة أو مخطوبة أو أختاً لزوجة الخاطب، أو أن تكون خامسة بالنسبة للراغب في الزواج منها، وذلك حتى لا تنتهك حرمات الله؛ قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [31].

المطلب الثاني: شروط التعريف للزواج

   هنـاك ضـوابط عامة في التعريف للـــزواج، ويمكن أن تُعَدّ شروطـاً له، وهي ـ إجمالاً ـ ما يلي:

1-    حفظ المعلومات الشخصية وتبادلها عبر وسائل التعريف بأمانة، والتزام السرية فيما تلزم له من معلومات شخصية؛ حفاظاً على حقوق الناس وكراماتهم وأسرارهم.

2-    الدقة في المعلومات اللازمة، وتحري الصدق فيها، حتى لا يحصل غرر أو غش أو تدليس.

3-    الحذر من استغلال المعلومات الشخصية في غير ما أعطيت له؛ حتى لا يضار أحد بها، بالتعدي على شخصه أو حقوقه أو نحو ذلك.

4-    عمل الإجراءات الاحترازية والضمانات اللازمة عن التعدي الخارجي على المعلومات الشخصية واختراقها.

المبحث الخامس: وقت التعارف والتعريف للزواج

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: وقت التعارف والتعريف بالنسبة لعقد الزواج

الوقت المناسب للتعارف والتعريف، ما كان قبل الزواج بوقت مقارب لعقد الزواج[32]؛ لما يأتي:

1-    إذن الشارع في النظر إلى المرأة عند نية خطبتها وقبل العقد عليها في أحاديث، منها ما يلي:ـ

‌أ-       ما رواه جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه ـ قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا جناح على أحدكم إذا أراد أن يخطب المرأة أن يغترها، فينظر إليها، فإن رضي نكح، وإن سخط ترك» رواه عبدالرزاق[33] في مصنفه[34].

ب- ما رواه محمد بن مسلمة[35]رضي الله عنه-  قال: «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  يقول:"إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها».رواه ابن ماجه واللفظ له، ورواه أحمد وعبدالرزاق والحاكم والبيهقي[36].

حيث دل الحديثان على أن وقت النظر للتعرف على المرأة إنما هو قبل العقد عند إرادة خطبتها، لا بعده[37].

2-      أن ما أبيح من طرق التعارف والتعريف وسيلة لغاية وهي الزواج وسبب له والوسيلة تسبق الغاية، والسبب يسبق المسبب.

3-     أن وجود ذلك قبل العقد يثمر ما هو مطلوب منه، وهو العقد، فكأن الزواج ناتج عن ذلك ومتولد منه، فكان أصلاً لما هو متفرع عنه وهو الزواج، والأصل سابق لفرعه.

4-    أن حصول ذلك بعد العقد أمر لا حاجة إليه، لاستلزام العقد له، ولفوات محله.

5-    أن تحقق آثار ذلك من حسن الاختيار، وتأكيد الرغبة، لا تحصل إلاّ بحصول ذلك قبل العقد.

   وأما مصاحبة ذلك للعقد فأمر نسبي، أقرب إلى الافتراض، وإن كان قد يحقق قدراً يسيراً من آثاره؛ لأن وقت إبرام عقد الزواج قصير عادة، وقد لا يتعدى الدقائق.

   المطلب الثاني: وقت التعارف والتعريف  بالنسبة لتقدير مدتهما

تقدم أن مدة التعارف والتعريف لا بد أن تسبق عقد الزواج، فما مقدار تلك المدة؟ هل تتحدد بالأشهر أو بالأيام؟

والمطلوب في هذا ما يكفي من وقت لتحقق حسن الاختيار، وما يكفي من الوقت للوصول إلى عقد الزواج بين معينين.

ولا تحديد في ذلك شرعاً، فيرجع في ذلك إلى ما تقتضيه حاجة التعارف والتعريف من الوقت، وما عليه الأعراف في المجتمعات المختلفة، كل مجتمع بحسبه.

وأقل ذلك مقدار نظرة عابرة.  

وقد يتأثر ذلك طولاً بتباعد المسافات بين طرفي الزواج، وتأخر التواصل بينهما إن وجد؛ كالمراسلات العادية، وسفر الأشخاص لهذا الغرض.

على أن التعارف أقل مدة من التعريف؛ لأن التعارف يسبقه التعريف عادة، ويأتي بعد التعريف وقبل العقد.

ولا ينبغي الاستعجال بما لا يحقق المطلوب منه على الوجه الكافي، ولا ـ كذلك ـ طول الوقت بما يزيد عن الحاجة مما قد يفوت فرصاً أخرى على راغبي الزواج لو لم ينم هذا الزواج، ولأن الفورية في تحقيق المصالح مطلوبة متى ما كانت ممكنة.

وما تجري عليه بعض المجتمعات من تحديد مدة للتعارف والتعريف كستة أشهر، هذه لا أصل لها شرعاً، وقد تؤدي إلى مخاطر وخيمة، وكثيراً ما استغلت المرأة، وتُمُتِّع بالفتاة بطريق حرام، وخدعت بذلك، ثم رُفِض الزواج بها.

ولو تمّ عقد الزواج، وطلبت مدة للتعارف بين الرجل والمرأة قبل تمام مظاهر الزواج المعتادة في كل مجتمع بحسبه، فهذا لا بأس به؛ لأنهما زوجان شرعاً بمقتضى العقد، لكن هذا التعارف اللاحق بعد عقد النكاح ليس هو المقصود في هذا البحث؛ لأن عقد الزواج قد تمّ، وبتمامه فات وقت الاختيار بالتعارف والتعريف له، ولأن هذا فائدته ظاهرة في تحقيق الاستقرار والألفة والسكن والمودة بين الزوجين، وهذه مرحلة مترتبة على معرفة كل من الزوجين بالآخر، وتعيينه بالعقد، والله تعالى أعلم.

 

 



[1] الرعد، من الآية: 38.

[2] النحل، من الآية: 72.

[3] الروم، الآية: 21.

[4] الحجرات، من الآية: 13.

[5] صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب/ باب: الأرواح جنود مجندة، 16/424، رقم الحديث 2638، عن أبي هريرة – رضي الله عنه.

[6] صحيح مسلم: كتاب الرضاع/باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، 10/310، رقم الحديث: 1467. وروى نحوه: النسائي في سننه: كتاب النكاح/ باب: المرأة الصالحة، 6/377، رقم الحديث: 3232، وابن ماجه في سننه: أبواب النكاح/ باب فضل النساء، 1/342، رقم الحديث: 1860.

[7] سيأتي بيان هذا مفصلاً من خلال المقارنة بينهما في المبحث الأول، ص: 15، 16.

[8] من العلماء من خص أحكام النظر بمؤلف مستقل وهم – حسب علمي – الآتي:

-          محمد بن عبدالله العامري، المعروف بابن الخباز، المتوفى سنة 530هـ في كتابه أحكام النظر للحرمات.

-          علي بن محمد بن عبدالملك، المعروف بابن القطان، المتوفى سنة 628هـ في كتابه: النظر في أحكام النظر بحاسة البصر.

-          ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة 751هـ في كتابه: حكم النظر إلى النساء.

-          علي بن عطية الحموي الشافعي المتوفى سنة 936هـ في كتابه: أحكام النظر.

-          ومن المعاصرين ما يلي:

-          أ.د. عبدالله بن عبدالمحسن الطريقي في كتابه: النظر وأحكامه في الفقه الإسلامي.

-          د.علي بن عبدالرحمن الحسون في كتابه: أحكام النظر إلى المخطوبة.

-          أ.د. مساعد بن قاسم الفالح، في رسالة قصيرة بعنوان: دليل الطالب في حكم نظر الخاطب. 

[9] الحجرات، من الآية 13.

[10] جاء في لسان العرب 2/746 ما نصه: « قال سيبويه: عَرَّّفتهُ زيداً، فذهب إلى تعدية عَرَّّفتُ – بالتثقيل – إلى مفعولين، يعني أنك تقول: عَرََفتُ زيداً، فيتعدى إلى واحد، ثم تثقل العين، فيتعدى إلى مفعولين، قال: وأما عَرَّفتُهُ بزيد، فإنما تريد: عَرَّفتُُهُ بهذه العلامة وأوضحته بها، فهو سِوى المعنى الأوّل، وإنما عَرَّفته بزيد كقولك: سميته بزيد».

 

[11] المعجم الوسيط 2/601، وينظر: التعريفات ص: 64 ، 65.

[12] محمد، الآية: 6.

[13]ينطر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 16/153، وفيه: « قال ابن عباس: عرّفها لهم أي: طيبها لهم بأنواع الملاذ، مأخوذ من العَرف؛ وهو الرائحة الطيبة».

[14] لسان العرب 2/748. القاموس المحيط 3/173.

[15] ينظر: الصحاح 4/1400-1403، مجمل اللغة 3/661، مختار الصحاح ص: 426 ، 427، لسان العرب 2/745-748 مادة «عرف» في الأربعة المتقدمة، القاموس المحيط 3/ 173-175، مادة «عرفه». المطلع على أبواب المقنع ص:213. المعجم الوسيط 2/ 601 ، 602 مادة عرف، واستفيد كذلك من كتاب: العُرف وأثره في الشريعة والقانون ص 27-30 ، الموسوعة الفقهية الكويتية 12/ 251.

[16] يوسف، الآية 58.

[17] الحجرات، من الآية 13.

[18] يونس، من الآية: 45.

[19] مسند الإمام أحمد 1/382، رقم الحديث: 2803، المستدرك 3/541.

[20] النهاية في غريب الحديث والأثر 3/217.

[21] صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب/ باب: الأرواح جنود مجندة، 16/424، رقم الحديث:2638.

[22] صحيح مسلم: كتاب اللقطة 12/267، رقم الحديث، 1722، وروى البخاري نحوه في صحيحه: كتاب الطلاق/ باب حكم المفقود في أهله وماله، 10/538، رقم الحديث:5292.

[23] النهاية في غريب الحديث والأثر 3/217.

[24] للباحث بحث بعنوان: « التعارف بالنظر للزواج » وهو قيد النشر.

[25] والأصل في هذا: ما رواه سهل بن سعد الساعدي –رضي الله عنه-: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنطر إليها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: أي رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها ...» إلى أن قال النبي –صلى الله عليه وسلم- في آخر الحديث: «اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن».

رواه البخاري في صحيحه والسياق له: كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة قبل التزويج= =10/226، برقم 5126، ومسلم في صحيحه: كتاب النكاح/باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد ..، 9/223 ، 224، برقم 1425. فقد عرضت هذه المرأة نفسها على النبي –صلى الله عليه وسلم- ومن معه من الصحابة؛ رغبة في الزواج، وأقرها النبي- صلى الله عليه وسلم- على ذلك، بتزويجها من أحد أصحابه.

قال النووي –رحمه الله- في شرح صحيح مسلم 9/224:«فيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها».

[26] صحيح البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/15، رقم الحديث: 1، صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم:« إنما الأعمال بالنيات ... »، 13/57، رقم الحديث: 1907.

[27] ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص: 6، كتاب القواعد للحصني، 1/208، الأشباه والنظائر للسيوطي، ص: 8.

[28] النساء: من الآية 58.

[29] سنن الترمذي: أبواب البيوع، باب 38، 4/263 رقم الحديث: 1264، سنن أبي داود: كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، 3/805، رقم الحديث: 3535، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه.

[30] سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب في نقل الحديث، 5/189، رقم الحديث: 4869، عن جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه.

[31] النساء: الآية 23.

[32] ينظر: الذخيرة 4/191، روضة الطالبين 7/20، مغني المحتاج 3/128، الإنصاف 8/18، الفقه الإسلامي وأدلته 7/24، 25 ، المفصل في أحكام المرأة 3/222.

[33] هو: أبوبكر، عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري بالولاء الصنعاني، حافظ ثقة، له :«المصنف» المشهور باسمه «مصنف عبدالرزاق» والمسمي «الجامع الكبير» وله كتاب في «تفسير القرآن»، كان مولده سنة 126هـ، توفي عام 211هـ.

     ينظر: الفهرست لابن النديم، ص: 318، طبقات الحنابلة 1/209، رقم الترجمة: 280، نكت الهيمان في نكت العميان، ص: 191، 192.   

[34] مصنف عبدالرزاق 6/157، رقم الحديث: 10337.

     ورواه بلفظ آخر: أبو داود في سننه: كتاب النكاح، باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها 2/565، 566، برقم: 2082، والإمام أحمد في مسنده 3/434، برقم: 14570، والحاكم في المستدرك 2/165 وصححه، والبيهقي في السنن الكبرى 7/84، وحسنه ابن حجر في فتح الباري 10/227.

     وينظر: التلخيص الحبير 3/147.

[35] هو: أبوعبدالله، محمد بن مسلمة الأنصاري الأوسي، صحابي جليل، شهد بدراً والمشاهد بعدها، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة، وكان ممن اعتزل الفتنة، فلم يشهد الجمل ولا صفين، توفي بالمدينة سنة 46هـ، وهو ابن سبع وسبعين سنة.

     ينظر: الاستيعاب 3/334ـ 336، سير أعلام النبلاء 2/369ـ 373، رقم الترجمة: 77، الإصابة 3/383، 384، رقم الترجمة: 7806.

[36] سنن ابن ماجه: أبواب النكاح، باب: النظر للمرأة إذا أراد أن يتزوجها 1/343، 344، رقم الحديث: 1869، مسند الإمام أحمد 3/648، رقم الحديث: 16008، 4/307، 308، رقم الحديث: 17941، مصنف عبدالرزاق 6/158، رقم الحديث: 10338، المستدرك 3/434، السنن الكبرى 7/85.

[37] ينظر الغاية القصوى 2/722.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
باحث شرعي: الأضحية سنة مؤكدة
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور مرسي محمد المرسي، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية، جامعة الأزهر...
انطلاق فعاليات ندوة الحج الكبرى بعنوان " تعظيم شعائر الحج"
رعى وزير الحج الدكتور بندر بن محمد حمزة حجار، إطلاق فعاليات ندوة الحج الكبرى في رحاب مكة المكرمة...
فقيه: صيام يوم عرفه مستحب لغير الحاج
يعد يوم عرفه من أفضل الأيام إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين...
التعارف والتعريف للزواج 2-2
المبحث السادس: حكم التعارف والتعريف للزواج التعارف والتعريف للزواج يمكن بيان حكمهما إجمالاً وتفصيلاً؛ وذلك فيما يلي:
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م