المهذّب في فقه الإمام الشّافعيّ للإمام الشّيرازيّ
|
صلاح عباس فقير
أضيف فى 1433/01/13 الموافق 2011/12/08 - 12:00 ص

المهذّب في فقه الإمام الشّافعيّ للإمام الشّيرازيّ

أهمّية كتاب المهذّب:

المهذّب للإمام الشيرازيّ، من كتب المذهب الشّافعيّ المعتمدة، التي كُتبَ لها قدرٌ كبيرٌ من الذّيوع والانتشار، وممّا يدلّ على مكانة المهذب في فقه المذهب الشافعيّ: حفاوة علماء المذهب به، واعتناؤهم بشأنه، قال الدكتور محمد الزحيلي: "وكان عليه المعوّل في المذهب حتى القرن السادس الهجريّ، والتفّ حوله العلماء، وحفظوه غيباً، وكانوا يتبارون في فهمه، وعكف عليه المحقّقون بالدراسة والتدريس، وفي الشروح والحواشي، وفي التعقيبات والتذييل، وفي التصحيح والتوضيح، وفي بيان لغاته ومشكلاته وغوامضه، وفي تخريج أحاديثه وآثاره"[1]، حيث أُنشِئت عليه كثيرٌ من الشروح ما بين مطوّلٍ ومختصرٍ، منها "فوائد على المهذب" لتلميذ الشيرازيّ أبي عليٍّ حسن بن إبراهيم الفارقيِّ، و"أحكام المذهب مما خرّجه صاحبُ المهذّب" لموفق الدين صالح بن أبي بكر المقدسي، و"الاستقصاء لمذاهب العلماء والفقهاء" لضياء الدين المارانيّ، كما قام بشَرح غريب المهذّب وألفاظَه علماء كثيرون، منهم ابن بطال اليمني وعبد الكريم الجيلي، ومحمد بن عليّ بن أبي عليّ الشافعي، وخرّج أحاديثه كثيرون، وصفوة القول: إنّ شروح المهذب ومختصراته والكتب التي صُنّفت حوله كثيرةٌ، ويصعب حصرها واستقصاؤها، وأكثرها لا يزال مخطوطاً، بل يقول الدكتور محمد الزحيلي أنّه لم يطبع من هذه الكتب إلا كتابان: كتاب المجموع شرح المهذب للإمام النوويّ، وكتاب "النظم المستعذب في شرح غريب المذهب" لابن بطال الرُّكبيّ[2].

المهذب في إطار كتب المذهب:

ولو أنّا مثّلنا للكتب المعتمدة في المذهب الشافعيّ بشجرةٍ، فإنّ كتاب الأمّ للإمام الشافعيّ، هو جذرها وأصلها الكبير، أما ساقها فهو مختصر المُزَنيّ، الّذي تفرّع عنه غصنان كبيران، هما الحاوي للماورديّ، ونهاية المطلب للجويني، وعن نهاية المطلب تفرّعت أفنانُ المذهب ونمت، من خلال كتب أبي حامد الغزالي ، التي انتهت إلى شيخي المذهب الرَّافعيّ والنَّوويّ، وبالإضافة إلى غصن نهاية المطلب، وفي عصره كان هناك غصنٌ آخر من هذه الشجرة الطّيّبة يمتدّ بقوّةٍ، ألا وهو المهذّب للشيرازيّ، يُعبّر الإمامُ النوويّ عن المكانة التي كانت لهذين الكتابين في عصره، قائلاً في سياق كلامه، عن المصنّفات في المذهب الشافعيّ: "وَاشْتَهَرَ مِنْهَا لِتَدْرِيسِ الْمُدَرِّسِينَ وَبَحْثِ الْمُشْتَغِلِينَ: الْمُهَذَّبُ وَالْوَسِيطُ، وَهُمَا كِتَابَانِ عَظِيمَانِ، صَنَّفَهُمَا إمَامَانِ جَلِيلَانِ" ثمّ يقول: "وَفِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ دُرُوسُ الْمُدَرِّسِينَ وَبَحْثُ الْمُحَصِّلِينَ الْمُحَقِّقِينَ، وَحِفْظُ الطُّلَّابِ الْمُعْتَنِينَ فِيمَا مَضَى وَفِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فِي جَمِيعِ النَّوَاحِي وَالْأَمْصَارِ"[3]، وكما هو معلوم فإنّ الوسيط، قد استوعب فيه أبو حامد الغزالي نهاية المطلب لأستاذه إمام الحرمين الجويني.

منهج كتاب المهذب ومقصده:

يقول أبو إسحاق الشيرازيّ في بيان الغرض من كتابه ما يلي:

"هذا كتابٌ مهذّب، أذكر فيه إن شاء الله أصول مذهب الشّافعيّ رحمه الله بأدلّتها، وما تفرّع على أصوله من المسائل المشكلة بعللها"[4].

إذن، فيما لا يزيد عن السطرين، بيّن الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مقصده ومنهجه من تأليف الكتاب، في حين أن إمام الحرمين الجوينيّ احتاج إلى صفحةٍ كاملةٍ، حتى يُبيّن مقصده ومنهجه من كتابه[5].

ومن الواضح أنّ الشيخ في كتابه هذا، لم يلزم نفسه بشيءٍ، سوى أن يعود إلى كتب الإمام الشافعيّ، ليبنيَ منها أصول مذهبه الفقهيّ بأدلّتها، وليُبيّنَ ما يتفرّعُ على هذه الأصول من المسائل المشكلة بعللها.

الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين:

ونلحظ أنّ أبا إسحاق الشيرازيّ 393 - 476هـ قد عاصر إمام الحرمين الجويني 419 – 478هـ وكتب كلٌّ منهما كتابه أواخر عمره، يقول الإمام النووي عن صاحب المهذب: "وَنُقِلَ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: بَدَأْتُ فِي تَصْنِيفِ الْمُهَذَّبِ سنة خمس وخمسين وأربع مائة، وفرغت يوم الأحد آخر رجب سنة تسع وستين وأربع مائة"[6]، ويذكر إمام الحرمين ما نلمس منه كذلك أنه كتب كتابه في آخر عمره، إذ يقول عنه في مقدمته: "وهو على التحقيق نتيجةُ عمري، وثمرةُ فكري في دهري"[7]، وانتهت إلى كلٍّ منهما رئاسة المذهب الشّافعيّ، في إقليمه إمام الحرمين بخراسان، والشيرازيّ بالعراق، وقولُ البعض عن مهذَّب الشيرازيّ أنّه "أصبح أهمَّ كتابٍ في فقه المذهب الشافعيّ في عصره، وتهافت عليه العلماء، وأكبَّ عليه الطلاب في الدراسة والتدريس، وأصبح المرجع الوحيد للفتوى في المذهب إلى عصر الرافعي والنوويّ"[8]، محمولٌ على الإقليم الّذي ينتمي إليه، أي العراق، يؤيّد ذلك ما "روي عن شجاع الذهلي، أنه قال: إمامُ أصحاب الشافعي والمقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة ورعاً صالحاً، عالماً بالخلاف علماً لا يشاركه فيه أحد"[9].

 وكما هو معلوم فإنَّ المذهب الشافعيّ في القرنين الرّابع والخامس الهجريّين، كانت تسود فيه طريقتان: طريقة الخراسانيّين وطريقة العراقيّين، يقول الإمام النوويّ في التمييز بين هاتين الطريقتين: "وَاعْلَمْ أَنَّ نَقْلَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ لِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ وَوُجُوهِ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا، أَتَقْنُ وَأَثْبَتُ مِنْ نَقْلِ الْخُرَاسَانِيِّينَ غَالِبًا، وَالْخُرَاسَانِيُّونَ أَحْسَنُ تَصَرُّفًا وَبَحْثًا وتفريعا وترتيبا غالباً"[10]. فالشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ، وشيخه القاضي أبو الطيب الطبريّ ينتميان إلى طريقة العراقيّين، أمّا إمام الحرمين الجوينيّ فقد كان أبوه أبو محمد الجوينيّ من متّبعي طريقة الخراسانيّين، وكان هو ممّن مهد لدمج الطريقتين، وهو الأمر الّذي تحقّق أخيراً على يدي الرّافعيّ والنّوويّ، وإن كان النووي يُشير في بعض مواطن المجموع إلى أنّ إمام الحرمين من متأخّري الخراسانيّين[11].

وقد ورد في طوايا كتب الطبقات، أنّ هذين العلمين البارزين من أعلام المذهب الشافعيّ: إمام الحرمين وأبو إسحاق الشيرازي، قد التقيا، وذلك لمّا أوفد الخليفة المقتدي بأمر الله الشيخ أبا إسحاق سفيراً له إلى نيسابور، من أجل خطبة ابنة الملك جلال الدولة، فسافر أبو إسحاق مصطحباً معه عدد من تلاميذه، قال ابن السُّبكيُّ: "ثمَّ إِن الشَّيْخ دخل نيسابور، وتلقاه أَهلهَا على الْعَادة المألوفة مِمَّن وَرَاءَهُمْ من بِلَاد خُرَاسَان، وَحمل شيخُ الْبَلَد إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ غاشيته، وَمَشى بَين يَدَيْهِ كالخديم، وَقَالَ: أفتخرُ بِهَذَا، وتناظر هُوَ وإياه فِي مسَائِل"[12]. [الغاشِيَةُ: "حديدَةٌ فَوْقَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ"[13]]

فَصْلٌ فِي أَحْوَالِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ:

كتب الإمام النوويّ، هذا الفصل في مقدمات شرحه للمهذب، وهاهنا موجزٌ له، يقول[14]:

اعْلَمْ أَنَّ أَحْوَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَقْصَى لِخُرُوجِهَا عَنْ أَنْ تُحْصَى: [فهو] الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ الْمُتْقِنُ الْمُدَقِّقُ، الزَّاهِدُ الْعَابِدُ الْوَرِعُ الْمُعْرِضُ عَنْ الدُّنْيَا الْمُقْبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَى الْآخِرَةِ: أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بن يوسف بن عبد الله الشيرازي الفيروزبادى، منسوب إلى فيروزباد بُليدة مِنْ بِلَادِ شِيرَازَ، وُلِدَ سَنَةَ 393هـ وتفقه بفارس على أبى الفرج ابن البيضاوى وبالبصرة على الخرزى: ثم دخل بغداد سنة 415هـ وَتَفَقَّهَ عَلَى شَيْخِهِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ الْفَاضِلِ أَبِي الطَّيِّبِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيِّ وَجَمَاعَاتٍ مِنْ مَشَايِخِهِ الْمَعْرُوفِينَ.

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ كُنْتُ أُعِيدُ كُلَّ دَرْسٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْتُ شِعْرٍ يُسْتَشْهَدُ بِهِ حَفِظْتُ الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا مِنْ أَجْلِهِ! وَكَانَ عَامِلًا بِعِلْمِهِ صَابِرًا عَلَى خُشُونَةِ الْعَيْشِ.

قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: كَانَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إمَامَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُدَرِّسَ بِبَغْدَادَ فِي النِّظَامِيَّةِ شَيْخَ الدَّهْرِ وَإِمَامَ الْعَصْرِ رَحَلَ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْأَمْصَارِ وَقَصَدُوهُ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ وَالْأَقْطَارِ وَكَانَ يَجْرِي مَجْرَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ!

قال أبو الوفاء ابن عُقَيْلٍ: شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا إِسْحَاقَ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا إلَى فَقِيرٍ إلَّا أَحْضَرَ النِّيَّةَ وَلَا يتكلم في مسألة الاقدم الِاسْتِعَانَةَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخْلَصَ الْقَصْدَ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ: وَلَا صَنَّفَ مَسْأَلَةً إلَّا بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكَعَاتٍ فَلَا جَرَمَ شَاعَ اسْمُهُ وَانْتَشَرَتْ تَصَانِيفُهُ شَرْقًا وَغَرْبًا لِبَرَكَةِ إخْلَاصِهِ!


المراجع



[1] المهذب في فقه الإمام الشافعي، مقدمة المحقق الدكتور الزحيلي، ص21.

[2] المهذب في فقه الإمام الشافعي، مقدمة المحقق الدكتور الزحيلي، ص23، كان ذلك في حدود علم الكاتب، لغاية تاريخ طبعة الكتاب عام 1992م، ففي عام 2000م على سبيل المثال، صدر كتاب البيان في مذهب الإمام الشافعيّ بتحقيق قاسم محمد النوري، عن مكتبة دار المنهاج بجدة، وهو الكتاب الّذي اعتمد فيه مؤلفه العمرانيّ اليمانيّ، على مهذب الشيرازي، ورتّبه على ترتيبه.

[3] المجموع شرح المهذب: 1/ 3.

[4] المهذب في فقه الإمام الشافعي، مقدمة المصنف، ص38.

[5] انظر في هذه النافذة: نافذة الكتب المعتمدة في المذهب الشافعيّ، كتاب: نهاية المطلب لإمام الحرمين الجويني.

[6] المجموع شرح المهذب: 1/ 3.

[7] نهاية المطلب في دراية المذهب 1/ 3.

[8] المهذب في فقه الإمام الشافعي، تعريف بكتاب المهذب بقلم محققه د. محمد الزحيلي: ص13.

[9] أعلام النبلاء: 18/455.

[10] المجموع شرح المهذب: 1/ 69.

[11] المجموع شرح المهذب: 1/ 16.

[12] طبقات الشافعية الكبرى: 4/ 222.

[13] تاج العروس: 39/ 167.

[14] المجموع شرح المهذب: 1/ 14.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
محامٍ: عقوبة التطاول على الله ورسوله تصل لحد الحرابة
أكد المحامي والمستشار القانوني حمود بن فرحان الخالدي أن عقوبة كل من تطاول على الله تعالى أو على رسوله...
محامٍ: عقوبة التطاول على الله ورسوله تصل لحد الحرابة
أكد المحامي والمستشار القانوني حمود بن فرحان الخالدي أن عقوبة كل من تطاول على الله تعالى أو على رسوله...
باحث : صيام " عاشوراء" مستحب.. وتكفير للعام الماضي
يستقبل المسلمون هذه الأيام ذكرى طيبة عطرة على نفوس المسلمين جميعا...
من فقهاء العصر : محمد الحبيب بلخوجة
مفتي الجمهورية التّونسيّة الأسبق
الجامع الصّغير لمحمد بن الحسن الشّيبانيّ
هو كتاب، قديم، مبارك. مشتمل على: ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م