المنهج الوصفيّ في الدِّراسات الشّرعيّة (6)
|
صلاح عباس فقير
أضيف فى 1432/11/28 الموافق 2011/10/26 - 05:12 م


المنهج الوصفيّ في الدِّراسات الشّرعيّة (6)

في مقدّمة هذه الحلقة السّادسة، نؤكّد على ما أكّدنا عليه في أوّل حلقةٍ: أنّ هذه السّلسلة، تستهدف إثارة الفكر والحوار، بين الباحثين في حقل الدّراسات الشّرعيّة، حول مختلف القضايا المنهجيّة، ولئن كنّا إلى هذه اللحظة واقفين عند المبادئ العامّة لمنهج البحث عموماً، سواءٌ تعلّقت بحقل الدّراسات الشّرعيّة أو بغيره من حقول المعرفة الإنسانيّة، فذلك لأنّها القاعدة العامّة المشتركة التي ينطلق منها كلّ الباحثين، ثمّ من بعدها نلجُ -بإذن الله- إلى الحقل الخاصِّ بالدِّراسات الشّرعيّة.

في الحلقة الماضية، ذكرنا ما قرّره الباحث الكبير الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، من أنّ البحث العلميّ من حيث تصنيف أنواعه، لا يعدو أن يكون بحثاً وصفيّاً أو تاريخيّاً أو تطبيقيّاً، أو مزيجاً من هذه الثلاثة، أو من اثنين منها (ص 32)، ثمّ وعدنا في خاتمة الحلقة بالوقوف عند البحث الوصفيّ، ولسوف نستعرضُه في هذه الحلقة من زاوية وجهة نظر الأستاذ فريد الأنصاري، كما سجّله في كتابه "أبجديّات البحث في العلوم الشرعيّة"[1]، وطرحه باعتباره واحداً من أربعة مناهجَ للبحث في إطار العلوم الشرعيّة، وهي: المنهج الوصفي، المنهج التوثيقيّ، المنهج الحواريّ، المنهج التحليلي.

فما هو المنهج الوصفيّ؟

هو منهجٌ تقريريٌّ، تُقدّم فيه المادّة العلميّة كما هي، بوصفها وصفاً كمّيّاً أو كيفيّاً أو كمّيّاً وكيفيّاً، وتُعرض عرضاً إخباريّاً بلا تعليلٍ أو تفسير،، فتكون ثمرة هذا المنهج أشبه ما تكون بدليلٍ أو مرشدٍ علميٍّ، لموضوعات العلوم أو مسائلها أو مصطلحاتها، فلذا يتمّ استقراء المادّة العلمية، وترتيبها ترتيباً منهجيّاً، يتّخذ في الغالب إحدى صورتين: صورة العرض، أو صورة التكشيف والفهرسة.

* أوّلاً:

ما هي صورة العرض؟

صورة العرض الّتي هي إحدى ثمرتي المنهج الوصفيّ، تُصنّف إلى نوعين:

النّوع الأول: البحث المرجعيّ (الببليوغرافيا):

ويتمّ بناءً عليه إعداد سجلٍّ علميّ للإنتاج الفكريّ المكتوب، سواء كان مخطوطاً أو مطبوعاً، وسواءٌ كان قديماً أو حديثاً، وهو عمل عرفه علماء الإسلام منذ القديم، تحت اسم "الفهرست" أو "الثّبت" أو "البرنامج"، وهو عمل ضروريّ لكلّ باحث، بيد أنّه البوّابة الَّتي ينبغي أن يلِجَ منها الباحث المبتدئ.

ويمكن تصنيف العرض المرجعيّ إلى أربعة أنواع:

1.    المرجعية السرديّة: تسرد المؤلفات على ترتيب منهجي معيّن، مقتصرة على معلومات الكتاب الظاهرة.

2.    المرجعيّة الوصفيّة: تزيد على المرجعيّة السردية بذكر المضمون الإجماليّ للكتاب، فهي أكثر تفصيلاً.

3.    المرجعيّة الموضوعيّة: تهتمّ أساساً بالمضمون، مسلّطةً الانتباه إلى فكرةٍ معيّنة أو إشكالٍ معيّن أو قضيّة جزئيّة، وذلك لخدمة موضوعٍ يُراد دراسته مستقبلاً.

4.    المرجعيّة النقديّة أو التقويميّة: تُضيف إلى ما سبق: تقويماً إجماليّاً للكتاب بذكر مزاياه ونقائصه.

أمّا مصادر البحث أو العرض المرجعيّ، فتتمثّل فيما يلي: فهارس الخزائن والمكتبات العامّة، الفهارس الرّاصدة للكتب المطبوعة أو المخطوطة، فهارس المرويّات والسماعات، كتب الطبقات والوفيات وأشباهها، معاجم المؤلفين، الدّوريّات وهي المجلات الفصليّة أو السّنويّة، التي تُعرض فيها المرجعيّات المختلفة أو المتخصّصة.

النّوع الثّاني: التّقرير العلميّ:

ويكون على وجهين:

الوجه الأول: يتعلّق بما هو واقع: ويتمثّل في تقديم وصفٍ مفصّل لمادّةٍ علميّة، يستشهد ببعض نصوصها المختارة، أو يسرد المادّة العلميّة كلّها، على سبيل الاستقراء [مثاله: استخراج النصوص المتعلقة بموضوع المصلحة الشرعيّة، من كتب أصول الفقه، في مرحلةٍ معينة، أو في مذهبٍ معيّن، أو لدى مؤلّفٍ معيّن، أو ...].

الوجه الثّاني: يتعلّق بما هو متوقّع: ويدخل تحته كلّ التقارير العلميّة التي تقدّم لتسجيل الرسائل والأطروحات الجامعيّة، فيلزم أن تتضمّن بيان الأهداف والمنهج وطريقة الإنجاز.

* ثانياً: ما هي صورة التّكشيف أو الفهرسة؟

هي عمل وصفيّ، يهدف إلى وضع دليلٍ يُتوصّل بواسطته إلى مختلف المعلومات المذكورة في كتابٍ أو أكثر، فيُسمّى كشّافاً أو فهرساً.

ويُميّز الدكتور عبد الهادي الفضليّ، بين نوعين من الفهارس:

1.    فهرس خاص، يتضمن العناوين العامّة لموضوعات الكتاب، وقد يُفصل أكثر لتُذكر فيه جزئيّات الأبواب والفصول فيُسمّى بالفهرس التفصيلي.

2.    فهرس عام، يشتمل على عدة فهارس تتضمن كل المعلومات الواردة في الكتاب المفهرس، من أعلامٍ وكتبٍ وغيرها، ويُسمّى بالفهرس التَّحليليّ.

وهناك كشّاف من نوعٍ آخر، وهو الكشّاف الموضوعيّ للعلوم الشرعيّة، وهو مشروعٌ علميّ يهدف إلى وضع دليلٍ معجميّ للموضوعات المدروسة لدى القدماء، وتقريبها ما أمكن إلى الباحثين والمفكرين المعاصرين.

وما هو الفارق بين التّقرير العلميّ  -الّذي هو أحد نوعي العرض الوصفي-  والتّكشيف؟

الفارق يبدو في أنّ التّقرير العلمي يقوم على وصف المادّة الموضوعيّة، أو استخراج النصوص وتصنيفها، بينما يكتفي الثاني بسرد أرقام الصفحات التي وردت فيها المعلومات المكشّفة استقراءً، مع تصنيفها كذلك. فالتّكشيف وصف يقوم على الرموز لا على التعبير.

انتهى عرض المنهج الوصفي، من منظار الأستاذ فريد الأنصاري، ملخّصاً عن كتابه: "أبجديّات البحث في العلوم الشرعيّة"، وهو يُعطينا فكرة متكاملةً عن هذا المنهج، مطبّقةٍ على العلوم الشّرعيّة، تُتيح لنا أن نفهم جيّداً حدوده، وما يتميّز به عن بقيّة مناهج البحث، فلماذا لا نستكمل جوانب الصورة، ونتعرّف على بقيّة أنواع المناهج التي يقترحها الدكتور فريد الأنصاري لدراسة العلوم الشرعيّة؟ إذن، فسوف يكون موضوعُ الحلقة القادمة بإذن الله عن المنهج التّوثيقيّ.

 

 

عناصر المنهج الوصفي في الدراسات الشرعيّة

 

من وجهة نظر الأستاذ فريد الأنصاري

 

 

 

 

سردي.

 

وصفي.

 

موضوعي.

 

العرض المرجعي

نقدي أو تقويمي.

 

صورة العرض

 

 

 

التقرير العلمي

عمّا هو واقع.

 

المنهج الوصفي

 

عمَّا هو متوقّع.

 

 

 

فهرس خاص/ تفصيلي.

 

صورة التَّكشيف أو الفهرسة

فهرس عام تحليلي.

 

 

كشّاف موضوعيّ.

 

 

 

 

 



[1] أبجديات البحث في العلوم الشرعية، د. فريد  الأنصاري، منشورات الفرقان، مطبعة النجاح  الجديدة، الدار البيضاء، 1417هـ/ 1997م

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"الشؤون الإسلامية" توقع اتفاقية لتطوير عمل المكاتب التعاونية
وقّعت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الوزارة اليوم اتفاقية تعاون مع مؤسسة خدمات التنفيذ المثالية بحضور نائب الوزير الدكتور توفيق بن عبد العزيز السديري، بهدف تطوير عمل المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات، والاستفادة من الوسائل العصرية في مجال الاتصالات والمجالات التقنية، في نشر الدعوة الإسلامية على المنهج الصحيح، وبيان سماحة الدين والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
"ابن حميد" يناقش تسهيل إجراءات العمل بين الهيئة و محكمة الاستئناف
بحث مدير عام فرع الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة الحدود الشمالية "الشيخ خالد بن ناصر بن حميد"، خلال زيارته رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة "الشيخ إبراهيم بن جاسر الجاسر"؛ تسهيل إجراءات العمل بين الجهتين.
د.حسان: المملكة رائدة في خدمة العقيدة واستقامة الفكر الأصيل
أكد الدكتور حسين حسان، المشارك ضمن وفد من جمهورية مصر العربية خلال اليوم الثاني من مؤتمر رابطة العالم الإسلامي تحت عنوان (الاتجاهات الفكرية بين حرية التعبير ومحكمات الشريعة)، أن المملكة العربية السعودية دائمًا هي القائدة والرائدة والموجهة والمهتمة بكل قضايا العالم الإسلامي وخدمة العقيدة الإسلامية السمحة واستقامة الفكر الإسلامي الأصيل، وهي دائمًا تتقدم في كل مناسبة عندما تحس بخطر على العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية بعقد المؤتمرات والندوات، ومجمعها الفقهي يقنن للأمة الإسلامية ما يحميها ويحفظها من التيارات الفكرية الزائغة، ويحميها من كل ما يمس وينسب للإسلام من عنف وإرهاب، والإسلام منه براء. ونسأل الله - عز وجل - أن يحفظ على المملكة العربية السعودية أمنها، ويحميها من كل سوء.
شدَّدتُ فشُدِّد عليَّ
هذا مشهدٌ في ظلّ فقه النّبوّة، نُطلُّ عبره على ما كان يتميّزُ به الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، من المجاهدة واستفراغ الوُسع في العبوديّة، كما نرى فيه حدب الوالد عمرو بن العاص رضي الله عنه، واجتهاده من أجل نصيحة ابنه.
تصنيف أحاديث السّواك في السُّنّة المطهّرة
أمّا بعد، فهذا استقراءٌ جامع لمادَّة "السِّواك" في الأحاديث النّبويّة الواردة في الكتب الستّة، وتصنيفٌ لها بحسب الموضوعات الفقهيَّة.
كتاب "التّمهيد" لابن عبد البرّ
"التَّمْهِيد لما فِي الْمُوَطَّأ من الْمعَانِي والأسانيد"، للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البَرّ النَّمَري، كتابٌ من أعظم كتب المذهب المالكيّ
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م