المجمع الفقهي السعودي
|
د. خالد بن عبد الله المزيني
أضيف فى 1432/05/15 الموافق 2011/04/19 - 10:52 م

المجمع الفقهي السعودي
الإعلان عن تشكيل مجمع فقهي سعودي يلقي العبء على ثلاث جهات: أولاها اللجنة المعنية بإعداد دراسة بشأن المجمع، وثانيها: هيئة كبار العلماء بوصفها مشرفاً على أعمال المجمع، وثالثها: وزارة المالية باعتبار اختصاصها بتمويل هذه المؤسسة الناشئة.
وهذه المسؤوليات المتوازية إذا ما أخذت حظها من العناية البالغة فسيكون لهذه المؤسسة دور ريادي في بناء فقه عصري قادر على حل كثير من المشكلات التشريعية سواء في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي أو الطبي، وإيجاد مركز لاستقطاب الحلول والأفكار والأطروحات الواقعية المستنيرة بنور الشريعة والفقه، وتعزيز موقع المملكة على خارطة الأفكار والتشريعات.
إن قيام مجمع فقهي يتمتع بدعم معرفي وإسناد مالي سخي - لو كان - يساعدانه على القيام بدوره المنشود سوف يعمل على ردم الفجوات التشريعية بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وسوف يقوم بتنشيط البحث الفقهي المنهجي، ويسهم في حوكمة أعمال الفتوى، ويطعم الحركة العلمية المحلية بالفيتامينات اللازمة للوصول إلى حالة الصحة المعرفية، وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف نتوقع أن يفيد المجمع من تجارب المؤسسات الحديثة النظيرة، وبالأخص المؤسسات العلمية والبحثية العالمية، فقد تسابقت الدول المتقدمة اليوم في إنشاء مراكز التفكير (ثينك تانك) وبيوت الخبرة ومختبرات المعلومات وبنوك المعلومات، وصارت توظف تلك المؤسسات في توجيه سياساتها الداخلية والخارجية، وفي صناعة الحلول المناسبة لأزماتها ومشكلاتها الإستراتيجية، وإلى تلك المراكز يعزى الفضل في التفوق الذي وصلت إليه تلك الدول، والدراسات تثبت أن التفوق الأمريكي على أوروبا العجوز كان من نتائج دعمها للمؤسسات البحثية والتفكيرية.
والمهم أن تلك المراكز لديها من المرونة المؤسسية ما يحميها من التأثر السلبي بالمتغيرات المتسارعة التي لا تفتأ تعصف بالعالم، بخلاف الكثير من المؤسسات ذات الطابع التقليدي، فهي سرعان ما تتأثر وتتعرض للضعف والتراجع أو الزوال والانقراض، ولهذا فإن المؤسسات الفقهية الناضجة ستكون أكثر رشداً على كل حال من مثيلاتها المحسوبة على شخص أو تيار أو نظام.
ومن المناسب أن يتوازى مع وضع اللبنات الأولى للمجمع وضع خطة لتطوير الوضع الفقهي لعقدين قادمين، فترسم الغايات والأهداف، ثم تصمم البرامج المناسبة لتحقيقها، ومن ذلك أن يقوم المجمع بتوسيع قاعدة المشاركة في دوراته ومناسباته ليستوعب أكبر قدر ممكن من العلماء وطلبة العلم والباحثين والخبراء والفنيين من الجنسين، وأن يعمل على تنظيم ندوات وحلقات نقاش ودورات متخصصة في فنون الفقاهة المعاصرة وأسس الإفتاء العام والخاص ومهارات البحث الشرعي وكيفيات التعامل مع المستفتين والسائلين، يجتمع فيها أهل العلم والخبرة، ويتبادلون فيها الرأي الحر إلا من قيود المحكمات، ويخلصون من خلالها إلى قواعد سلوك ومبادئ عامة يستهدي بها المشتغلون في المجال الفقهي والقضائي والإفتائي، وتكون مواد يتلقاها طلاب وطالبات الدراسات الشرعية.
ومن الدروس المهمة التي استفدناها من مسيرة المجامع الفقهية أن على هذه المؤسسات الفقهية الشرعية أن تبادر بالتواصل مع الإعلاميين وتجسر الفجوة مع النخب العلمية المحلية والعالمية، وتعقد الشراكات مع المؤسسات الإعلامية مما يساعدها على أداء رسالتها ويقلل هامش التجاوزات التي تقع أحياناً بسبب ضعف التواصل، بحيث يتبلور لنا ميثاق شرف فقهي إعلامي، يسهم في ردم الفجوة من جانبيها النظري والعملي، ويميز للجميع الفرق بين الرأي الناقد والرأي الهادم.
 إن المملكة العربية السعودية لها مكانتها التي تستمدها من كونها عمقاً إسلامياً ومرجعاً شرعياً ومحضناً للحرمين الشريفين ومثابة للحجاج والمعتمرين، وهذا الكون لا يستعاض عنه بثروة طبيعية أو ترسانة عسكرية أو تحالف جيوسياسي، وإن كانت هذه كلها عناصر لتكريس الريادة والهيبة والاستقرار، كما أن للفقه دوره الكبير في تعزيز الصورة الذهنية عن هذه الريادية، ولفقهاء المملكة أثرهم المشهود في إبراز موقعها على خارطة التفكير التشريعي والثقافي هذا ما يلمسه من يسافر خارج المملكة ويلتقي شعوب العالم، وكثير من الدول تسابق اليوم في إبراز مرجعياتها الفقهية ورموزها العلمية لما لهم من أثر في الصعود إلى منصة المنافسة الفكرية والحضارية.
د. خالد بن عبد الله المزيني
muzeini@kfupm.edu.sa
 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
آل الشيخ يحذر من تهييج الشباب بالخطب الحماسية
أكد وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ صالح آل الشيخ أن الوزارة ترصد المخالفين على منابر الجمع والمنابر الدعوية، مبينا أنه لا يوجد وصاية على الخطباء بتوحيد خطب الجمعة، لأنهم ثِقاة بحسب ما صرّح به لوسائل الإعلام أمس.
دور الأئمة في المجتمع المعاصر في مؤتمر بألبانيا
نظمت المشيخة الإسلامية في جمهورية "ألبانيا" مؤتمرًا عن "دور الأئمة والخطباء في المجتمع المعاصر"، حيث عُقِد في فندق "تيرانا الدولي"؛ حيث جمع علماء وباحثين في مختلف المجالات، وقد أسهموا بالأفكار والمشورة حول دور الأئمة في المجتمع المعاصر، وكان من بين الحاضرين أيضًا الدكتور "شريف أفني" أحد الباحثين المشهورين في جزيرة العرب.
رئيس مجلة الحسبة بالسودان: السعودية قطعت يد المد الصفوي الخبيث
أكّد الرئيس العام لمجلة "الحسبة وتزكية المجتمع" في السودان؛ الشيخ عبدالقادر أبو قرون، أن برنامج خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة أسهم بشكل كبير في جمع كلمة المسلمين في مختلف أنحاء العالم، مشيراً إلى أن البرنامج قطع الطريق على المدّ الصفوي البغيض الذي يدعو إلى التطرُّف ونبذ الآخر، وتفريق الصف والكلمة.
نفقة الزوجة في ضوء متغيرات العصر
من محاسن هذه الشريعة المباركة عمومها وشمولها لأحوال المكلفين في كل زمان ومكان
ضغط العامة على المفتي
ينظر كثير من طلبة العلم إلى ضغط العامة على المفتي، وتوارد استفتاءاتهم على قضية معينة؛ بشيءٍ من الريبة، بل يراها بعضهم من أسباب انحراف الفتوى.
الخارطة الفقهيّة
أثر المكان على الفقه، لا بذاته، بل بكونه ظرفاً محيطاً بالفقه والفقيه، فلكل بلدٍ مدرسته الفقهية ذات النكهة الخاصة، ولا يقدح هذا في وحدة الأصول، وتطابق الثوابت..
123
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م