اختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/04/24 الموافق 2018/12/31 - 12:20 م

 

                                                                                 

لم يترك الشرع الباب مفتوحًا للمسلم أن يتزوج من يشاء وكيفما اتفق، ولا للمسلمة أن تتزوج أي ذكر وعلى أي حال كان؛ لأن الأمر لا يتعلق بهما فحسب، بل إن للأبناء حقًا في هذه المرأة التي ستعيش معهم حياتهم منذ أول استهلالة، وسيرضعون من لبنها، وينهلون من حبها، ويرتوون من خلقها، فهي بالنسبة إليهم القدوة المثلى، والأسوة العليا.

ولذا حرم الله إنكاح المسلمة لمشرك، ونكاح المسلم للمشركة، قال تعالى:" ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن...".

كما حرم نكاح الزانية، وإنكاح الزاني ما داما مصرين على الزنا لم يتوبا منه، فقال - تعالى-: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

أخرج الترمذي وغيره أن رجلًا يقال له مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي عرفته، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبًا وأهلًا هلم فبت عندنا الليلة، قال: قلت يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فظل بولهم على رأسي وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه كبله، فجعلت أحمله ويعييني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَنْكِحُ عَنَاقَ فَسَكَتَ عَنِّي ، فَنَزَلَتْ... وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ سورة النور آية 3 ، فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ وَقَالَ : " لَا تَنْكِحْهَا".. [4]

ولذلك كان من حق الولد على والده: أن ينتقي أمه، لأن التربية أساسًا تعتمد على اختيار الزوجة الصالحة الودود، التي تحسن سياسة أولادها، وتعرف كيفية رعايتهم وإعدادهم، وتحرص على غرس الإيمان في نفوسهم، وتربيتهم على الأدب والأخلاق الفاضلة، وتنشئتهم على مراقبة الله تعالى، ورعاية حقوقه وحقوق عباده، فالزوجة بمنزلة التربة التي تلقى فيها البذور، فإن كانت صالحة، أنبتت نباتًا حسنًا {والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } [الأعراف 58].

قال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: " يا بني، قد أحسنت إليكم صغارًا وكبارًا، وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف ذلك ؟ قال: التمست لكم من النساء الموضعَ الذي لا تعابون به"1

فإن بليت بزوجة غير صالحة، فابذل جهدك لإصلاحها حتى تسعد بها أنت وأولادك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"2.

والزوجة خليل ملازم لا بد أن ينعكس تأثيرها على الزوج والأولاد، فإن كانت ديّنة خيّرة أعانتهم على الخير، ودلتهم عليه، وإلا كانت سببًا لنقصهم في دينهم ودنياهم.

قال الله تعالى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ [البقرة:221]، وحث النبي -عليه الصلاة والسلام- حثًا شديدًا على العناية بهذا الأمر، والحرص على نكاح المرأة الدينة، فقال: «تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»3، وقال - صلى الله عليه وسلم-: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة»4.

فبيّن أهم صفة تطلب في الزوجة، وهي الصلاح، لأن صلاحها عامل مهم لصلاح زوجها وأولادها، ودافع لها للقيام بحقوقهم عليها، وتهيئة أسباب الأنس والخير لهم، فتسعد بهم ويسعدون بها، وتكون سببًا لفلاحهم في الدنيا والآخرة.

وقد صدق القائل:

الأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعبًا طيب الأعراق

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنبّه على عقوقه لأبيه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه ؟ فقال: بلى، قال فما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال عمر: أن ينتقي أمه -أي يختار الأم الصالحة- ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب -أي: القرآن-.

قال الولد: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلًا، ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا. فالتفت عمر إلى الرجل فقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك ؟.5

وفي هذا درس وعبرة، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه!!

المراجع

1 بهجة المجالس 3/32, وأدب الدنيا والدين ص: 132.

2 رواه أبو داود: 4833، والترمذي: 2378، وأحمد: 8015، والحاكم: 7320، وصححه. وقال الترمذي: حديث حسن.

3 رواه البخاري: 4802، ومسلم: 1466.

4 رواه مسلم: 1467.

5 تنبيه الغافلين 1/139.

 


 

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
تعليم مكة يكرم الطلاب الفائزين في مسابقة الأمير نايف للسنة النبوية
كرّم المساعد للشؤون التعليمية بتعليم مكة المكرمة الدكتور فهد الزهراني الفائزين في التصفيات النهائية على مستوى منطقة مكة المكرمة لمسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز - رحمه الله - للسنة النبوية والحديث الشريف في عامها الـ 13 التي استضافتها الإدارة العامة للتعليم بمنطقة مكة المكرمة, وشارك فيها 12 طالباً من خمس إدارات تعليمية القنفذة, وجدة, ومكة, والليث, والطائف, بحضور مدير الإشراف التربوي بتعليم مكة عمر الأحمدي, ورئيس قسم التربية الإسلامية الدكتور سعد العتيبي, وذلك بمقر الادارة بحي العزيزية بمكة.
أداء صلاة الخسوف بالمسجد الحرام
أدَّى المصلون في المسجد الحرام اليوم، بعد صلاة الفجر صلاة خسوف القمر، اقتداء بسنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في أجواء إيمانية تبتهل فيها القلوب خاشعة متضرعة لبارئها راجين مغفرته وعفوه ورضاه.
بالفيديو.." السند" يوضح عقوبات الزنا وكيفية الحذر منه
أوضح الشيخ عبدالرحمن السند، أمس الأحد، عقوبات الزنا وكيفية الحذر منه، وذلك ردًا على سؤال متصل عبر برنامج "يستفتونك".
أنواع الجيران
الجار الذي بينك وبينه قرابة حقه آكد من حق الجار الأجنبي
حاجة الجار إلى جاره
لقد وضع الإسلام نظامًا فريدًا للاجتماع، لحمته التراحم والتعاطف، وسداه التكافل والتكاتف، ومبناه على التعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان، وقيام كل مسلم بما يجب عليه تجاه من يعامله أويصل إليه. وقد عظم الله حق المسلم على المسلم، وحق القريب على قريبه، وحق الجار على جاره.
أحق الأرحام بالصلة
بين النبي - صلى الله عليه وسلم- الرحم التي يجب وصلها بقوله لما سئل: " من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أدناك "
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م