حق الاستمتاع بين الزوجين*
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/04/10 الموافق 2018/12/17 - 09:28 ص

لكل من الزوجين حق الاستمتاع بصاحبه فيما أباحه الله له، وهذا أمر تدعو إليه الفطرة، ويتوقف عليه التناسل، ويحصل به المحبة والتآلف، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ }. [المؤمنون: 5-7].

فعلى كل منهما أن يلبي داعي الفطرة لدى صاحبه، ويجتهد في إشباع رغبته ما لم يكن هناك مانع يمنعه.

فالمرأة يجب عليها أن تستجيب لرغبة زوجها، وألا تمتنع منه إذا أرادها لحاجته إلا لمانع شرعي: من صيام واجب أو إحرام بحج أو عمرة، أو مانع حسي: من مرض أو ضرر أو حيض أو نفاس[1]. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور»[2].

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل دلالة صريحة على وجوب مبادرة الزوجة إلى زوجها إذا أرادها لقضاء وطره، وألا يمنعها من تحقيق رغبته عدم رغبتها أو تطلعها لذلك، أو اشتغالها بطبخ أو غيره.

وبين -عليه الصلاة والسلام- أن امتناع المرأة من إجابة زوجها إذا دعاها لحاجته معصية عظيمة تستوجب غضب الرب تعالى، ولعن ملائكته، فقال: " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تصبح " وفي رواية أخرى: " والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبي عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها زوجها"[3].

ومَن المسلمة التي ترضى أن تبيت والملائكة تلعنها حتى تصبح، وأن يظل ربها ـ جل وعلا ـ ساخطًا عليها حتى يرضى عنها زوجها؟!! إنه لوعيد تقشعر منه جلود المؤمنين، وترجف له قلوبهم، خشيةً ورهبة.

قال القرطبي[4]:" وللرجال خلق البُضع منهن، قال الله تعالى:

ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ [الشعراء:166]، فأعلم الله -عز وجل- الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم"

ولعظم حق الزوج في هذا، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة عن الاشتغال بنوافل الطاعات التي تمنع الزوج حقه في الاستمتاع بزوجته. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه"[5]

فنهى المرأة عن الصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه.

وهذا محمول على صوم التطوع، أما الصوم الواجب كصيام رمضان، فليس له منعها من صيامه، وليس عليها طاعته في ذلك، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإن صامت نفلًا وزوجها حاضر من دون إذنه، صح صومها وأثمت لمخالفة النهي، وإن أراد الاستمتاع بها فله ذلك ويفسد صومها، وليس لها الامتناع منه، لأن طاعة الزوج واجبة، وإتمام النفل مستحب.

 

وكذلك الحال في بقية التطوعات من صلاة وحج واعتكاف وغيرها، فإن حق الزوج -عند التعارض- آكد على المرأة من التطوع بالخير، فلا يجوز لها الشروع فيها إذا كان ذلك يمنعه حقه، لأن حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع.[6]

فعلى المرأة أن تفهم هذا الحق، وتعلم أنها في طاعة الله، وتحتسب الأجر عند ربها، وأن تستمتع بأداء هذه الحقوق فهو تكريم لها، لا أن تتكبر وتتعالى على حق زوجها الذي فيه عفة له، وصيانة عما حرم الله.

قال النووي[7]: «وسببه -أي: التحريم- أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام، وحقه فيه واجب على الفور، فلا يَفُوته بتطوع ولا بواجب على التراخي. فإن قيل: فينبغى أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها، فالجواب: أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة، لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد».

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وزوجها شاهد»؛ أي: مقيم في البلد، فإن كان مسافرًا فلها الصوم، لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه. وفي معنى السفر ما لو كان مريضًا لا يقدر على الاستمتاع[8].

 حق الزوجة في الاستمتاع:

وفي المقابل، فإنه يجب على الزوج أن يقضي وطر زوجته، كلما رغبت بذلك، وكان قادرًا عليه، ما لم ينهك بدنه، أو يشغله ذلك عن عبادة واجبة، أو طلب معيشة يحتاجها.

وإذا كانت تتضرر بترك الوطء بسبب عجز الزوج، أو امتناعه عنه مع قدرته عليه، فلها الحق في طلب الفسخ منه، كما لو امتنع من الإنفاق عليها.

وكما لو حلف على ترك وطئها، فإنه يمهل أربعة أشهر، فإن فاء ووطئها فبها ونعمت، وإلا أمر بتطليقها إن طلبت ذلك، فإن أبى تطليقها طلق الحاكم عليه، رفعًا للضرر عنها[9]، قال الله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاقَ فَإِنَّ اللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 226-227].

وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عبد الله! ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًّا»[10]

فنهاه عن المبالغة في العبادة الذي يترتب عليه إجهاد بدنه وعينه، وتفويت حق زوجته في الاستمتاع والمؤانسة.

قال ابن حجر في شرح الحديث[11]: «قال ابن بطال: لما ذكر في الباب قبله حق الزوج على الزوجة ذكر في هذا عكسه، وأنه لا ينبغي له أن يجهد بنفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب.

  ورد عن عائشة، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: دخلت علي خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية وكانت عند عثمان بن مظعون قالت: فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذاذة هيئتها، فقال لي: " يا عائشة، ما أبذ هيئة خويلة ؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله، امرأة لا زوج لها يصوم النهار، ويقوم الليل فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها، قالت: فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن مظعون فجاءه، فقال: " يا عثمان، أرغبة عن سنتي؟ " قال: فقال: لا، والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: "فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم"[12] .

  وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان و بين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدراء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال ما شأنك متبذلة ؟ قالت: إن أخاك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء قرب إليه طعامًا، فقال: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: نم فنام، فلما كان عند الصبح قال له سلمان قم الآن، فقاما فصليا، فقال: إن لنفسك عليك حقًا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك، فقال له:" صدق سلمان"[13].

المراجع

*فقه التعامل مع الناس – لفضيلة الشيخ أ.د.عبدالعزيز الفوزان

[1] انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 28/384، والمبدع 7/193، والفروع 5/244، ومطالب أولي النهى 5/258.

[2] رواه الترمذي: 1160، والنسائي في السنن الكبرى: 8971، والبيهقي في السنن الكبرى 14487، والطبراني في المعجم الكبير: 8240، وصححه ابن حبان: 4165، وحسنه الترمذي.

[3] رواه البخاري: 3065، ومسلم: 1436.

[4] تفسير القرطبي 14/17.

[5] رواه البخاري: 4896، ومسلم: 1026.

[6] انظر: الأم 2/163، والمجموع شرح المهذب 6/419، وفتح الباري 9/296، ومجموع فتاوى ابن تيمية 32/274، والمبدع 3/66، والفروع 3/111، وكشاف القناع 2/349.

[7] شرح النووي على صحيح مسلم 7/115.

[8] انظر: المصدر السابق، وفتح الباري 9/296.

[9] انظر: المغني 11/46، وكشاف القناع 5/362.

[10] رواه البخاري: 4903، ومسلم: 1159.

[11] فتح الباري 9/299.

[12] أخرجه أحمد في مسنده43/335، برقم:26308.

[13] أخرجه الترمذي في سننه4/608 برقم:2413، وصححه الألباني.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
البحوث الإسلامية يحذر من فعل شائع وصفه رسول الله بالخيانة الكبرى
قال مجمع البحوث الإسلامية، إنه فيما ورد عن رسول الله– صلى الله عليه وسلم-، إن هناك فعلا شائعا بين الكثير من الناس، وصفه النبي– صلى الله عليه وسلم- بأنه خيانة كبرى.
السويد.. متطرفون يحرضون على حرق مساجد
طبعت مجموعة من العنصريين في السويد، أمس الأحد، عبارات عنصرية على قمصان، تحرض على إحراق المساجد.
السجن لثلاثة أشخاص خططوا لتفجير مسجد في كانساس الأمريكية
أصدر قاضٍ فدرالي أمريكي أحكاما بالسجن على 3 أشخاص، لإدانتهم بالتخطيط لتفجير مسجد في ولاية كانساس عام 2016.
أهمية الاجتماعات بين الجيران
من الأمور المعينة على القيام بحق الجار ـ وبخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الشواغل والصوارف والمغريات
مراتب حق الجار
حق الجار على ثلاث مراتب: أدناها كف الأذى عنه، ثم احتمال الأذى منه، وأعلاها وأكملها: إكرامه والإحسان إليه.
الإحسان إلى الجار
فأوصى بالإحسان إلى الجيران كلهم، قريبهم وبعيدهم، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. كلٌ بحسب قربه وحاجته وما يصلح لمثله .
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م