مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف(8)*
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/03/24 الموافق 2018/12/02 - 04:00 م

 

واقع الإشراف القضائي على النّظار، وكيفيَّة تطويره

أترك الحديث في هذه القضية لأحد القضاة المعنيين بالوقف، وهو فضيلة الشيخ الدكتور: هاني الجبير، حيث يقول: «من خلال ممارسة العمل القضائي والاطلاع على المجريات فيه، فإنه يظهر بكل وضوح: أنَّ الإشراف القضائي على النظار محصور واقعًا بحالة التقدم للمحكمة في الدعاوى والإنهاءات، ولا يقوم قاضٍ بمحاسبةٍ أو إجراءٍ آخر تجاه ناظر إلا بطلب يقدم إليه، أو لكشف دعوى أو معاملة تتطلب ذلك.

بل ربما يتقدم من يطلب إقامته ناظرًا للوقف بدلًا عن ناظر متوفى، فتقيمه المحكمة ناظرًا، وتعطيه إعلامًا بذلك، دون أن يُسأل عن مصروفات الوقف السابقة وتسجيلاتها، وما استلم وما لم يستلم.

كما أنَّ قيمة الأوقاف المبيعة إما لنقلها واستبدالها، أو لنزع ملكيتها للمصلحة العامّة، تحفظ لدى بيت المال بالمحاكم، وقد تبقى مجمدة لديها مددًا طويلة دون أن يُشترى بها بدل، أو يعمر بها، سواء أكان ذلك إهمالًا من الناظر، أم لضعف المبلغ، ولا يكون ذلك مدعاة لمساءلة الناظر.

ويمكن أن نحصر سبب ذلك في أمور أربعة:ـــــــــــــــــــــــــــــ

أولها: أن عمل المحاكم مبني على سبق قضائي متبع، وهو لا يجعل للقاضي محاسبة الناظر إلا عند الدعوى1.

الثاني: تعدد القضاة في البلد الواحد، وكل قاضي لا ينظر من المعاملات إلا ما أُحيل إليه، باعتبار القضاء ولاية ذات اختصاص، ولذا فلا يمكن للقاضي أن يتولى متابعة الأوقاف ما لم تحل إليه.

الثالث: أنَّ الأوقافَ الأهلية والخيرية لا يمكن حصرها لكثرتها، وكل حين يتقدم إلى المحاكم من يوقف وقفًا بشرط معيَّن، ومتابعة كل هذه الأوقاف ونظارها غير ممكنة، خاصة في المناطق التي يكثر فيها الوقف.

الرابع: أنَّ القضاءَ ليس له السلطان التام حيال إقامة الناظر على الأوقاف الخيرية واستبدال الأوقاف، أو إجراء أي مبايعة عليها، بل لا بد من إشعار إدارة الأوقاف وأخذ رأيها، كما تضمن ذلك نظام مجلس الأوقاف الأعلى وتعاميم وزارة العدل2.

وصارت بذلك مهام القاضي الإشرافية موزعة بينه وبين مجلس الأوقاف الذي أيضًا أنيط به حصر الأوقاف وتسجيلها، ووضع قواعد تحصيل واردات الأوقاف3.

وإذا أريد تقديم اقتراح أو توصية لتطوير الوضع المذكور؛ فإني أبين ما يلي:

الوقف عبادة معقولة المعنى، مصلحية الغرض4، ولذا فإن المصلحةَ معتبرة في التعامل مع أحكامه غير المنصوصة، وهذا ظاهر بجلاء في كثير من الأحكام التي تناولناها فيما سبق، فإن الفقهاء علَّلوا كلَّ مأخذٍ بتعليل مصلحي في الغالب.

ولذا؛ فإن ذلك يفتح البابَ للمصلحة لتكون مراعاتها هي المناط المهم في كيفيَّة الإشراف على النظار، وأطر المحافظة والمحاسبة5.

ولذا؛ فإن اقتراح ترتيب جديد للإشراف على النظار لن يكون إحداثًا ممنوعًا ما دام محققًا للمصلحة.

وأول خطوة هي إعداد قاعدة معلومات عامة من واقع سجلات المحاكم ومدوناتها، ومن خلال الرصد الواقعي6 لجميع الأوقاف الخيرية والأهلية، ويكون هذا بإشراف لجنة أو أمانة مختصة بالرقابة على الأوقاف ونظارها، تتبع إدارة الأوقاف أو الجهات القضائية.

وبعد ذلك يتم إلزام كل ناظر بتقديم حساب سنوي، وإمساك مستندات الصرف ومراجعتها، وهذا لابد فيه من تعاون بين جهات المتابعة وجهات التنفيذ والإلزام.

ويتم بالتنسيق مع المحاكم ألا يقام ناظر مطلقًا, أو يقام مؤقتًا، فلا تجدد نظارته إلا بعد إبراز ما يدل على أدائه للمحاسبة، وعدم وجود العجز لديه.

ومن امتنع عن المحاسبة، أو ثبت لديه العجز، فإن هذه تهمة تستدعي إحالته للقضاء للنظر في عزله، أو ضم أمين إليه.

وإذا تم إلزام النظار بإيداع ريع الأوقاف لدى حساب بنكي باسم الوقف الذي يتولَّى نظارته سهلت محاسبته بعد ذلك.

وما ذكرته سواء فيه الأوقاف الأهلية والخيرية.

وهو تطبيق لما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من إنشاء ديوان لحساب الأوقاف، وتبقى للمحاكم مهام فصل الخصومات وقطع النزاعات، ويكون الإشراف لهذا الديوان، إذ تقرر سابقًا: أن ولاية القاضي الإشرافية مستفادة من تولية الإمام الأعظم له، ولذا فإن له جعلها لديوان، أو أمانة، أو لجنة مستقلة»7.

المراجع

*من كتاب "مسئولية الدولة لحماية الأوقاف" لفضيلة الشيخ أ.د.عبدالعزيز الفوزان 
1 الظاهر من كلام الفقهاء: أنَّ للقاضي محاسبة الناظر ولو دون دعوى, ولا أعلم نصًّا يشترط الدعوى لمحاسبة الناظر, كما أنه لا شيء يمنع من المحاسبة والعزل دون دعوى في النظام، وقد نصَّت المادة 32/10 من نظام المرافعات ولائحته التنفيذيَّة على أن للقاضي عزل النظار حال عجزهم، أو فقد الأهلية المعتبرة شرعًا، ونص قرار مجلس القضاء الأعلى رقم 85/5 في 5/5/1405هـ على أنَّ للقاضي الولاية العامة على الأوقاف, فإذا وجد من الناظر على الأوقاف التواءً أو اتهامًا في بعض التصرّفات, فإن للقاضي عزله ومحاسبته، وهذا يُفهم منه عدم اشتراط إقامة الدعوى لأجل المحاسبة والعزل, ويبقى تنزيل هذا واقعًا وجعله عملًا متبعًا، والله المستعان.

2 التعميم رقم 142/3 في 25/10/1390هـ.

3 المادة الثالثة من نظام مجلس الأوقاف الأعلى.

4 صنفه ضمن المصلحيات العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام 1/26، وانظر بحثًا بعنوان: أثر المصلحة في الوقف للشيخ عبد الله بن بيّة، وهو منشور في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد السابع والأربعون.

5 ولا يعني هذا تغييب آراء الفقهاء واجتهاداتهم والجهد الذي قاموا به عبر عصور متتالية، وإنما المقصود اعتبار المصلحة مناطًا توزن به الاجتهادات المحضة دون تغييب للاستدلالات الفقهية.

6 ويذكر في هذا المجال كأنموذج: الجهد المبذول لباحثين مكلفين من قبل جامعة الملك عبد العزيز بجدة لرصد الأوقاف ميدانيًا واللقاء بالنظار، بهدف جمع مادة تعرف بأثر الوقف الاجتماعي.

الإشراف القضائي على الأوقاف ص 39-42.


 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
البحوث الإسلامية يحذر من فعل شائع وصفه رسول الله بالخيانة الكبرى
قال مجمع البحوث الإسلامية، إنه فيما ورد عن رسول الله– صلى الله عليه وسلم-، إن هناك فعلا شائعا بين الكثير من الناس، وصفه النبي– صلى الله عليه وسلم- بأنه خيانة كبرى.
السويد.. متطرفون يحرضون على حرق مساجد
طبعت مجموعة من العنصريين في السويد، أمس الأحد، عبارات عنصرية على قمصان، تحرض على إحراق المساجد.
السجن لثلاثة أشخاص خططوا لتفجير مسجد في كانساس الأمريكية
أصدر قاضٍ فدرالي أمريكي أحكاما بالسجن على 3 أشخاص، لإدانتهم بالتخطيط لتفجير مسجد في ولاية كانساس عام 2016.
أهمية الاجتماعات بين الجيران
من الأمور المعينة على القيام بحق الجار ـ وبخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الشواغل والصوارف والمغريات
مراتب حق الجار
حق الجار على ثلاث مراتب: أدناها كف الأذى عنه، ثم احتمال الأذى منه، وأعلاها وأكملها: إكرامه والإحسان إليه.
الإحسان إلى الجار
فأوصى بالإحسان إلى الجيران كلهم، قريبهم وبعيدهم، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. كلٌ بحسب قربه وحاجته وما يصلح لمثله .
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م