حدود مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف (7)*
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/03/20 الموافق 2018/11/28 - 08:51 ص

ما يشترط فيه إذن القاضي من تصرفات النظار على الأوقاف.

تصرفات الناظر على الوقف العام أو الخاص منوطة بالمصلحة ومقيدة بشرط الواقف كما سبق، وهو أمين على ما ولي عليه، ولما كانت بعضُ التصرفات في الوقف مؤثرةً في الوقف زيادةً أو نقصًا، وتحتاج إلى اجتهاد ونظر، لمعرفة مدى تحقق المصلحة للوقف والغبطة له في هذا التصرف، والتأكد من موافقته لشرط الواقف كان لزامًا على الناظر أن يراجع القاضي فيما عزم عليه من تصرف قد يضر بالوقف ومصالحه، وهذا أمر مجمع عليه من حيث الأصل، وإن اختلف الفقهاء في بعض فروعه وتفاصيله، هل يستقل الناظر بالبت فيها، أو لابد من استشارة القاضي وأخذ موافقته عليها، ومن أظهر الأمثلة على ذلك ما يأتي:

أولًا: بيع الوقف أو نقله أو استبداله: قد تقتضي مصلحة الوقف أو المصلحة العامة بيع الوقف وشراء بدل عنه، أو نقله إلى مكان آخر في البلدة نفسها أو غيرها من البلدان، أو استبداله بما هو أصلح للوقف وأنفع للموقوف عليه.

وفي هذه المسائل خلاف كثير بين الفقهاء، فإن قلنا بجواز شيء من هذا وجب أن يستأذن فيه القاضي، ولا يصح للناظر أن ينفرد برأيه.

قال ابن الهمام: «وروي عن محمد: إذا ضعفت الأرض عن الاستغلال، ويجد القيِّم بثمنها أخرى هي أكثر ريعًا كان له أن يبيعها ويشتري بثمنها ما هو أكثر ريعا»[1].

وقال في موضع آخر: «وكذا أرض الوقف إذا قلَّ نزلها، بحيث لا تحتمل الزراعة، ولا تفضل غلتها من مؤنتها، ويكون صلاح الأرض في الاستبدال بأرض أخرى، وفي نحو هذا عن الأنصاري صحة الشرط، لكن لا يبيعها إلا بإذن الحاكم، وينبغي للحاكم إذا رفع إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعها إذا رآه أنظر لأهل الوقف»[2].

وجاء في «التاج والإكليل لمختصر خليل»: «وقال ابن رشد: إن كانت هذه القطعة من الأرض المحبسة انقطعت منفعتها جملة، وعجز عن عمارتها وكرائها، فلا بأس بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبسًا مكانها، ويكون ذلك بحكم من القاضي بعد ثبوت ذلك السبب والغبطة في ذلك للعوض عنه، ويسجل ذلك ويشهد به»[3].

وقال العلامة البهوتي: «ولا يصح بيعه، ولا هبته، ولا المناقلة به؛ أي: إبداله ولو بخير منه نصًّا للحديث السابق[4]، وقد صنَّف الشيخ يوسف المرداوي كتابًا لطيفًا في ردِّ المناقلة، وأجاد وأفاد، إلا أن تتعطَّل منافعه؛ أي: الوقف المقصودة منه بخراب له أو لمحلته أو غيره، مما يأتي التنبيه عليه بحيث لا يورد الوقف شيئًا على أهله أو يورد شيئًا لا يُعَدُّ نفعًا بالنسبة إليه وتتعذر عمارته وعود نفعه بأن لا يكون في الوقف ما يعمر به ولو كان الخارب الذي تعطلت منفعته، وتعذرت إعادته مسجدًا حتى بضيقه على أهله المصلين به وتعذر توسيعه في محله أو كان مسجدًا وتعذر الانتفاع به لـخراب محلته أي الناحية التي بها المسجد أو كان موضعه أي المسجد قذرًا فيصح بيعه، ويصرف ثمنه في مثله للنهي عن إضاعة المال، وفي إبقائه إذن إضاعة، فوجب الحفظ بالبيع، ولأن المقصود انتفاع الموقوف عليه بالثمرة لا بعين الأصل من حيث هو منع البيع إذن مبطل لهذا المعنى الذي اقتضاه الوقف فيكون خلاف الأصل، ولأن فيما نقول بقاء للوقف بمعناه حين تعذر الإبقاء بصورته فيكون متعينًا. وعموم لا يباع أصلها مخصوص بحالة تأهل الموقوف للانتفاع المخصوص لما ذكرناه. قال ابن رجب: ويجوز في أظهر الروايتين عن أحمد أن يباع ذلك المسجد ويعمر بثمنه مسجد آخر في قرية أخرى إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى.

 والوقف على قوم بعينهم أحقُّ بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد و يصح بيع شجرة موقوفة يبست و بيع جذع موقوف انكسر أو بلي، أو خيف الكسر أو الهدم. قال في «التلخيص»: إذا أشرف جذع الوقف على الانكسار، أو داره على الانهدام، وعلم أنه لو أخر لخرج عن كونه منتفعًا به فإنه يباع، رعاية للمالية، أو ينقض تحصيلًا للمصلحة. قال الحارثي: وهو كما قال.

قال: والمدارس والربط والخانات المسبلة ونحوها جائز بيعها عند خرابها على ما تقدم وجهًا واحدًا و يصح بيع ما فضل من نجارة خشبه ونحاتته، أي الموقوف لما تقدم... و حيث يباع الوقف؛ فإنه يصرف ثمنه في مثله؛ لأن في إقامة البدل مقامه تأبيدًا له، وتحقيقًا للمقصود، فتعين وجوبه أو بعض مثله، إن لم يمكن في مثله، ويصرف في جهته وهي مصرفه لامتناع تغيير المصرف مع إمكان مراعاته. فإن تعطلت جهة الوقف التي عينها الواقف صرف في جهة مثلها، فإذا وقف على الغزاة في مكان فتعطل فيه الغزو صرف البدل إلى غيرهم من الغزاة في مكان آخر كما سيأتي قريبًا تحصيلًا لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان. ويجوز نقل آلة المسجد الذي يجوز بيعه لخرابه، أو خراب محلته، أو قذر محله، و نقل أنقاضه إلى مثله إن احتاجها مثله».

إلى أن قال: «ويصحُّ بيع بعضه أي الوقف لإصلاح ما بقيمنه؛ لأنه إذا جاز بيع الكل عند الحاجة فبيع البعض مع بقاء البعض أولى»[5].

وهذا هو ما نصَّت عليه الأنظمةُ السعودية المتعاقبة، وكان آخرها نظام المرافعات الشرعية الذي جاء في مادته الخمسين بعد المائتين ما يأتي: «إذا اقتضى الأمر نقل وقف؛ فليس لناظر الوقف، سواء كان ناظرًا خاصًّا، أو كان إدارة الأوقاف أن يجري معاملة النقل إلا بعد استئذان القاضي الشرعي في البلد التي فيها الوقف، وإثبات المسوغات الشرعية التي تجيز نقله، على أن يجعل ثمنه في مثله في الحال. وكل ذلك يتم بعد موافقة محكمة التمييز».

وجاء تفسير هذه المادة في اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية على النحو الآتي: «250/2 نقل الوقف من بلدٍ إلى بلد آخر داخل المملكة يقتضي إذن قاضي بلد الوقف، وتصديق محكمة التمييز عليه، وشراء بدله يكون لدى قاضي البلد المنقول إليه الوقف، بعد تحقق الغبطة والمصلحة من أهل الخبرة في الحالين.

250/3 الإذن في بيع عقار الوقف أو شرائه يكون لدى المحكمة التي في بلد العقار، بعد تحقق الغبطة والمصلحة من أهل الخبرة.

250/4 الذي يتولَّى الإفراغ في البيع والشراء في الوقف هو القاضي الذي صدر عنه الإذن أو خلفه، وذلك بعد تصديق الإذن بالبيع من محكمة التمييز.

250/5 العقار المشترك بين وقف وغيره يكون إفراغه لدى القاضي الذي أذن ببيع حصة الوقف أو خلفه.

250/6 الإذن باستبدال الأوقاف الخيرية وبيعها يكون بعد موافقة مجلس الأوقاف الأعلى على ذلك.

250/7 إفراغ ما انتزع للمصلحة العامة، من عقار الأوقاف يكون من قبل كاتب العدل.

250/8 عقار الوقف الذي يراد نزع ملكيته لصالح الشركات الأهلية العامة لا يعتبر للمصلحة العامة، فلا يباع إلا بعد صدور إذن من المحكمة المختصة بعد تحقق القاضي من الغبطة والمصلحة في البيع، وموافقة محكمة التمييز على ذلك»[6].

فلا بد من نظر المحاكم الكبرى في موضوع بيع الوقف، أو نقله، أو استبداله، ولا يكتسب الحكم القطعية إلا بعد التصديق عليه من محكمة التمييز»[7].

ثانيًا: الاستدانة على الوقف: أجاز عامة العلماء في المذاهب الأربعة وغيرها الاستدانة على الوقف عند الحاجة الماسَّة أو المصلحة الراجحة، ولكن لا بد من إذن القاضي في ذلك، للتأكد من أنَّ المصلحةَ تقتضي هذه الاستدانة.

قال الكمال بن الهُمام: «ولا يستدين على الوقف إلا إذا استقبله أمر لا بد منه، فيستدين بأمر القاضي، ويرجع في غلة الوقف»[8].

وقال برهان الدين الطرابلسي: «قال الفقيه أبو الليث: إذا استقبله أمر ولم يجد بُدًّا من الاستدانة ينبغي له أن يستدين بأمر الحاكم، ثم يرجع به في غلة الوقف، لأنَّ للقاضي ولاية الاستدانة على الوقف»[9].

وقال ابن نُجيم: «الاستدانة على الوقف لا تجوز إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف، كتعمير وشراء بذر، فتجوز بشرطين: الأول: إذن القاضي، الثاني: أن لا يتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها، كما حرَّره ابنُ وهبان، وليس من الضرورة الصرف على المستحقين كما في القنية، والاستدانة: القرض والشراء بالنسيئة»[10].

وقال النووي: «ويجوز أن يقرض الإمام الناظر من بيت المال أو يأذن له في الاقتراض أو الإنفاق من مال نفسه على العمارة بشرط الرجوع، وليس له الاقتراض دون إذن الإمام»[11].

وقال ابن حجر الهيتمي: «ذكر الرافعي ما مقتضاه: أنه يجوز للإمام -أي: أو القاضي- أن يقترض لعمارة الوقف، وصرح بأنه لا يجوز ذلك للناظر بغير إذن الإمام -أي ومن في معناه-، وأفتى ابن الصلاح بأنه يجوز ذلك للناظر، وإن لم يؤذن له فيه؛ لأنَّ النظرَ ولاية تقبل مثل هذا»[12].

وذهب الحنابلةُ إلى عدم اشتراط إذن الحاكم لذلك ما دامت مصلحة الوقف تقتضيه؛ لأنَّ الناظرَ مؤتمن على ما وكل إليه. قال البهوتي: «وللناظر الاستدانة على الوقف بلا إذن حاكم كسائر تصرفاته لمصلحة، كشرائه للوقف نسيئة أو بنقدٍ لم يعينه؛ لأنَّ الناظرَ مؤتمن مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان»[13].

ولا شكَّ أن في اشتراط إذن القاضي مزيد ضبط وحماية للأوقاف من التلاعب أو الاجتهادات الخاطئة، وعلى هذا جرى العمل القضائي في بلادنا[14].

ثالثًا: إقراض مال الوقف: اختلف العلماء في حكم إقراض مال الوقف، خصوصًا ما فضل من غلته، أو كان إقراضه أحرز له من إمساكه عنده، واتخذت الضمانات اللازمة لحفظ مال الوقف، وكان ذلك بإذن القاضي.

قال ابن الهمام: «وفي النوازل في إقراض ما فضل من مال الوقف قال: إن كان أحرز للغلة أرجو أن يكون واسعًا»[15].

وقال ابن نُجيم: «للقاضي ولاية إقراض مال الوقف كما في جامع الفصولين، وله إقراض اللقطة من الملتقط، وإقراض مال الغائب، وله بيع منقوله إذا خاف التلف»[16].

وجاء في «مجمع الأنهر»: «ويقرض القاضي مال اليتيم، وكذا مال الوقف والغائب لقدرته على استخراجه متى شاء مع حصول منفعة الحفظ؛ لكونه مضمونًا على المستقرض»[17].

وقال النووي: «وإقراض مال الوقف حكمه حكم إقراض مال الصبي»[18]، وقال في حكم إقراض مال الصبي: «ليس لغير القاضي إقراض مال الصبي إلا عند ضرورة تجب أو حريق ونحوه، أو إذا أراد سفرًا. ويجوز للقاضي الإقراض وإن لم يكن شيء من ذلك لكثرة أشغاله، وفي وجه، القاضي كغيره»[19].

وقال ابن حجر الهيتمي: «إقراض مال الوقف كمال الطفل، وذكروا أنه يجوز للقاضي -أي: ومن في معناه- إقراض مال الطفل، وإن لم يكن ضرورة، بخلاف نحو الأب، فلا يجوز له ذلك إلا لضرورة»[20].

وسُئل رحمه الله: هل للناظر إقراض غلة الوقف؟ فأجاب بقوله: «لا يجوز له إقراض ذلك إلا إن غاب المستحقون، وخشي تلف الغلة أو ضياعها، فيقرضها لمليء ثقة»[21].

وقال شهاب الدين القليوبي: «وله إقراض مال الوقف, كما في مال اليتيم، وله الاقتراض على الوقف ولو من ماله عند الحاجة، إن شرطه الواقف، أو أذن فيه الحاكم»[22].

والذي يتلخَّص من كلام العلماء في إقراض غلة الوقف: أنَّه جائز بالشروط الآتية:

1- إذن القاضي، حتى ينظرَ في الغاية من القرض، وهل فيه غبطة للوقف أم لا؟

2- أن يكون القرضُ من غلَّة الوقف، وليس من عين الوقف أو قيمتِه.

3- أن يكون في حال استغناء الموقوف عليهم أو غيبتهم، فإن كانوا في حاجته كانوا أولى به من إقراضه لغيرهم.

4- أن يخشى تلف الغلة أو نقصها بضياعٍ، أو حريقٍ، أو سرقةٍ، أو غيرها.

5- أن يكون القرضُ على ثقة باذل، متى طُلب منه رَدُّ القرضِ ردَّه.

رابعًا: تحديد القاضي لأُجْرة النَّاظر: الذي عليه عامة العلماء: أنَّ الناظرَ يستحقُّ الأجرة مقابل نظارته، كما يستحق ذلك العاملون على الزكاة، والمجاهدون في سبيل الله، ولو كانوا أغنياء؛ لأنَّهم يعطون الأجرة مقابل عملهم وقيامهم بهذه المصلحة الشرعية، وليس لحاجتهم وفقرهم، ولو منعوا من الأجرة مع تعذُّر الأخذ من بيت المال لهلكت الأوقاف، كما أنَّ هذا هو الذي عليه العمل في كل البلدان، وبه جرى العرفُ منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم[23].

ولا يخلو إما أن يُقَدِّرَ الواقفُ أجرةَ الناظر أو لا، فإن قدَّرَها له الواقفُ استحقها الناظر، ولو كانت أكثرَ من أجرةِ المثل؛ لأنَّه لو جعل ذلك له من غير أن يشترط عليه القيام بأمر الوقف جاز، فأولى أن يجوز مع الشرط[24].

وأما إن كانت أقل من أجرة المثل، فإنه يرجع للقاضي للنظر في زيادته.

قال ابن عابدين: «وأما الناظر بشرط الواقف، فله ما عيَّنه له الواقف، ولو أكثر من أجر المثل، ولو عين له أقلّ، فللقاضي أن يكمل له أجر المثل بطلبه»[25].

وكذلك إن كان الواقف لم يقدر أجرة للناظر، فيرجع للقاضي لتقدير أجرته أيضًا.

فهاتان حالتان يرجع تقدير أجرة الناظر فيهما للقاضي.

وعامة الفقهاء على وجوب الرجوع إلى القاضي في تقدير أجرة الناظر إذا لم يُعينها الواقف، ولا يترك تعيينها إليه؛ لأنه متَّهم بمحاباة نفسه[26].

وأفتى ابن الصبَّاغ: أنَّ للمتولي على الوقف أن يأخذ قدر عمله من ريع الوقف دون إذن القاضي، ووجَّهه الشرواني بأن هذا في حالة فقد الحاكم بذلك المحل، أو تعذر الرفع إليه[27].

واختلفوا في قدر ما يفرضه القاضي للناظر على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يفرض أجرة المثل. وقال به الحنفية والمالكية، وهو قياس المذهب عند الحنابلة، وقول عند الشافعية[28].

القول الثاني: يفرض قدر الكفاية، وهو قول للشافعية[29].

القول الثالث: يفرض الأقل من أجرة المثل، أو مقدار الكفاية، وهو قول للشافعية، وتخريج عند الحنابلة[30].

ومن تأمل الأدلة التي احتجَّ بها أصحابُ هذه الأقوال وجد مردَّها إلى أحد الأمور الآتية:

1- بناء ذلك على العرف المعهود، والمعروف كالمشروط، والعرف يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال.

2- مراعاة الاحتياط للوقف ببذل الأقل للناظر.

3- التردد بين قياس ناظر الوقف على وصي اليتيم الذي أذن الله له بالأكل مع فقره بقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا  وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ  وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  ...} [النساء:6].

وقد اختلف العلماءُ في هذا المعروف هل هو قدر كفايته، أو أجرة عمله، أو الأقل منهما[31]، أو قياسه على العامل على الصدقة الذي جَوَّز الله تعالى له الأخذ منها فقيرًا كان أو غنيًّا بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ...} [التوبة:60]، لأننا نعطيه لحاجتنا إليه، وليس لحاجته وفقره، وكذلك هو حال الناظر، فإنه يُعطى لقيامه بهذه المصلحة، وليس لكونه فقيرًا.

والراجح: أنَّ الناظر يعطى أجرة مثله.

ووجه ذلك: أنَّ هذه الأجرة مقابل جهده في رعاية الوقف والقيام بمصالحه، وإعطاء الناظر دون ما يستحقه يفضي لتعطل الأوقاف أو إهمالها، إذ قد يقلُّ المحتسبون لذلك، خصوصًا مع ما تحتاجه بعض الأوقاف من الوقت الكثير والكلفة الشديدة في إدارتها.

وأمَّا الاحتياط للوقف فلا يكون ببذل الأقل الذي قد يضر بالوقف، بل بما تتحقق به مصلحة الوقف، ويندفع به الفساد عنه، كما أنَّ هذا هو المعهود في العمل القضائي[32].

ويجتهد القاضي في تحديد مقدار أجرة المثل بما يناسب كلَّ حالة، وذلك لوجود عوامل عديدة تؤثر في مقدار هذه الأجرة، فالقاضي ينظر إلى كلفة الناظر في إدارته للوقف، ومقدار كفاءته، والوقت الذي يبذله، والنفع الذي يلحق الوقف من نظره.

ولذا فلا يمكن تحديد أجرة الناظر بنسبة ثابتة دائمًا كالعشر مثلًا[33].

ويتحقق القاضي من مقدار الأجرة بالعرف السائد، والاستعانة بأهل الخبرة[34].

خامسًا: الرقابة على تصرفات النظار:

الدولة مسؤولة عن تعيين ناظر على الوقف إذا كان الواقف لم يعين ناظرًا عليه[35]، وإذا تصرف الناظر بما ليس في مصلحة الوقف منعته الدولة، وأبطلت تصرفه، ولهذا نصَّ أكثر العلماء على منع الناظر من تأجير الوقف مدة طويلة قد ترتفع خلالها الأجور، فيحرم الوقف من هذا الارتفاع، كما يمنع من تأجير الوقف لمن يخاف منه إتلاف عينه، ويمنع كذلك من تأجير الوقف لنفسه، أو لولده، أو والده، أو زوجه؛ لأنه متهم بالمحاباة على حساب الوقف، وإذا أجر الوقف بأقل من أجرة المثل لزمه ضمان ما نقص عن أجرة المثل، ولو منعه الواقف من تأجير الوقف مطلقًا أو ألا يؤجره أكثر من سنة، فخالف الشرط بطلت الإجارة، ولم يصح تصرفه[36].

كما أنَّ يد الناظر على الوقف يد أمانة، فإذا تعدى أو فرط ألزمته الدولة بضمان ما تلف بتعديه أو تفريطه[37]، وإذا كانت مصلحة الوقف تقتضي عزل الناظر واستبداله بأصلح منه، أو ضم ناظر آخر إليه؛ لأنه تصرَّف بخلاف شرط الواقف، أو قصَّر فيما يجب عليه تجاه الوقف، فلها ذلك[38].

فهذه عدة أمثلة يتبين فيها مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف وحفظ مصالحها، سواء أكانت أوقافًا خاصة أم عامة.

المراجع

*كتاب "مسئولية الدولة في حماية الأوقاف" لفضيلة الشيخ أ.د.عبدالعزيز الفوزان
[1] فتح القدير 14/103.

[2] فتح القدير 14/122.

[3] التاج والإكليل 6/42.

[4]    يعني حديث عمر: «لا يباع، ولا يورث، ولا يوهب...»، وسبق تخريجه.

[5] كشاف القناع 4/294. وينظر: المقنع والشرح الكبير والإنصاف 16/521، والمغني 8/220، ومجموع الفتاوى 31/92، 214، وكتاب الوقف 2/613.

[6] نظام المرافعات الشرعية ولائحته التنفيذية، المادة 250.

[7] ينظر: الحماية الجزائية للتعدي على الأوقاف وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية ص: 184.

[8] فتح القدير 6/223.

[9] الإسعاف ص: 57.

[10] الأشباه والنظائر 1/193. وينظر نحوه في: البحر الرائق 5/353، ومجمع الضمانات 2/702.

[11] روضة الطالبين 5 / 361.

[12] الفتاوى الفقهية الكبرى 3/259.

[13] كشاف القناع 4/267، وينظر نحوه في: الإنصاف 7/56.

[14] ينظر: قرار مجلس القضاء الأعلى رقم 8 في 3/1/1396هـ المتضمن ضرورة إذن القاضي الذي يقع الوقف في بلده عند الاقتراض لعمارته، وبموجبه صدر قرار مجلس الوزراء رقم 1834 في 8/11/1396هـ.

[15] فتح القدير 14/159.

[16] البحر الرائق 7/24.

[17] مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 3/240.

[18] روضة الطالبين 5/349.

[19] روضة الطالبين 4/191.

[20] الفتاوى الفقهية الكبرى 3/259.

[21] الفتاوى الفقهية الكبرى 3/265.

[22] حاشية القليوبي على شرح المحلي على منهاج الطالبين 3/110.

[23] ينظر: مواهب الجليل 6/40، وحاشية الدسوقي 4/88، ومغني المحتاج 2/394، وكشاف القناع 4/271.

[24] ينظر: الإسعاف ص 45، وحاشية الدسوقي 4/88، ومغني المحتاج 2/394، وكشاف القناع 4/271.

[25] حاشية ابن عابدين 6/653.

[26] ينظر: الإسعاف ص 57، 59، والبحر الرائق 5/264، ومواهب الجليل 6/40، وحاشية الدسوقي 4/88، وتحفة المحتاج 6/290، ونهاية المحتاج 5/398، والإنصاف 7/58، ومطالب أولي النهى 3/418.

[27] ينظر: تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني 2/290.

[28] الأشباه والنظائر لابن نجيم 1/401، وحاشية ابن عابدين 6/653، ومواهب الجليل 6/40، ونهاية المحتاج 4/291، والإنصاف 5/252، وكشاف القناع 4/271.

[29] نهاية المحتاج 5/401.

[30] نهاية المحتاج 5/401، والمبدع 4/226، والفروع 4/324 .

[31] ينظر: الجامع لأحكام القرآن 5/42.

[32] ينظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 9/93.

[33] قد يشكل على بعض الباحثين تنصيص بعض الفقهاء على أنَّ للناظر العشر، فيظنون أن هذا حق ثابت لكل ناظر. وهذا وهم فاسد، بل المراد: أن له أجرة المثل، كما قال ابن عابدين في حاشيته 6/653: «الصواب أنَّ المراد من العشر: أجر المثل, حتى لو زاد على أجر مثله رد الزائد، كما هو مقرر معلوم, وفي إجابة السائل، ومعنى قول القاضي: للقيِّم عشر غلة الوقف: أي التي هي أجر مثله, لا ما توهمه أرباب الأغراض الفاسدة».

[34] ينظر في كيفية تقدير أهل الخبرة لأجرة المثل: درر الحكام 1/446، المادة 414.

[35] ينظر: الإسعاف ص 54، والشرح الكبير للدردير 4/88، والروضة 5/347، والمغني 6/242.

[36] ينظر: المحيط البرهاني 5/749، والجوهرة النيرة 3/7، والبحر الرائق 5/254، وروضة الطالبين 5/329، ونهاية المحتاج 5/277، وإعانة الطالبين 3/175، والمبدع 5/23.

[37] ينظر: الإسعاف ص 41، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 73، وروضة الطالبين 5/349، ومغني المحتاج 2/396، والإنصاف 7/60، والإرشاد إلى معرفة الأحكام ص 141.

[38] ينظر: الإسعاف ص: 53، والأشباه والنظائر لابن نُجيم ص 195، ومواهب الجليل 6/37، وحاشية الدسوقي 4/88، وتيسير الوقوف 1/144، والأشباه والنظائر للسيوطي ص:277، والفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/427، والفروع 7/349، والإنصاف 7/63، وشرح منتهى الإرادات 2/415، ومطالب أولي النهى 4/329، وشرح مجلة الأحكام 1/43.


 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الشارقة: تكريم 58 حافظاً أتموا حفظ القرآن كاملاً
نظمت مؤسسة الشارقة للقرآن والسنة النبوية بمقرها في مدينة الشارقة حفلها السنوي لتكريم الحفاظ مع نهاية عام 2018 حيث بلغ عدد الحفاظ في مختلف مراكزها المنتشرة في ربوع إمارة الشارقة أكثر من 58 حافظا أتموا حفظ القرآن كاملاً.
مؤتمر إسلامي في مكة يحذر من تصدير الفتاوى خارج نطاقها الجغرافي
قال المؤتمر الإسلامي العالمي للوحدة الإسلامية إن لكل جهة أحوالها وأعرافها الخاصة بها التي تختلف بها الفتاوى والأحكام، داعيا إلى قصر العمل الموضوعي المتعلق بالشؤون الدينية الرسمية لكل دولة على جغرافيتها المكانية دون التدخل في شؤون غيرها.
وفاة الشيخ "العجلان" بعد أن أمضى 25 عامًا مدرسًا بالمسجد الحرام
توفي مساء أمس الثلاثاء، الشيخ محمد بن عبدالله العجلان المدرس في المسجد الحرام عن عمر يناهز الـ 80 عامًا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
حق الاستمتاع بين الزوجين*
لكل من الزوجين حق الاستمتاع بصاحبه فيما أباحه الله له، وهذا أمر تدعو إليه الفطرة، ويتوقف عليه التناسل، ويحصل به المحبة والتآلف، وقد مدح الله المؤمنين بقوله:
وإن كان مُحقًّا وإن كان مازحًا*
ترك المراء والكذب من جملة الأخلاق الحسنة
أسباب قطيعة الرحم
لما عمت المصيبة بقطيعة الأرحام، ووقع فيها كثير من الأنام، واستمرأها فئام وأقوام، وكأنهم لم يفعلوا كبيرة من كبائر الآثام، كان من الأهمية بمكان، بيان أسباب القطيعة بين الأرحام، ليتم تجنبها من ذوي الألباب والأفهام، وهي أسباب كثيرة، من أهمها ما يلي:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م