حدود مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف* (5)
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/03/12 الموافق 2018/11/20 - 09:26 ص

  بعد أن تناولنا في المبحث السابق المطلب الأول "مراعاة شروط الواقف الصحيحة" من كتاب " مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف" لفضيلة الشيخ أ.د. عبدالعزيز الفوزان وأن الأصل في الوقف: الالتزام بشروط الواقف ما لم تخالف كتابًا، أو سنةً، أو إجماعًا، أو مصلحةً محضة أو غالبة ... سنتناول في هذا المبحث:

المطلب الثاني: الولاية على الوقف منوطة بالمصلحة

والولاية على الأوقاف كما سبق عامة وخاصة، وقد اتفق الفقهاءُ على أنَّ مِن أهمِّ مهام الوالي والناظر على الأوقاف حفظ عينها وعمارتها ورعاية مصالحها، وتنفيذ شرط واقفها، والاجتهاد في تثميرها وتنميتها، بالتأجير، أو الزراعة، أو غيرهما، وتحصيل الغلة وتوزيعها على مستحقيها، وصرفها بحسب شرط الواقف لها، كما يقوم بدفع كلِّ ضررٍ واقعٍ أو متوقع على عين الوقف أو غلته، ويطالب بحقوق الوقف والمرافعة عنه، والمخاصمة من أجله؛ لأنَّ مصلحة الوقف متوقفة على ذلك1.

قال النووي: «وظيفة المتولي: العمارة والإجارة، وتحصيل الغلة، وقسمتها على المستحقين، وحفظ الأصول والغلَّات على الاحتياط، ويجوز أن ينصب الواقف متوليًا لبعض الأمور دون بعض، بأن يجعل إلى واحد العمارة وتحصيل الغلة، وإلى آخر حفظها وقسمتها على المستحقين، أو يَشْرُطَ لواحدٍ الحفظَ واليد، ولآخر التصرف»2

وقال المرداوي: «وظيفة الناظر: حفظ الوقف والعمارة والإيجار والزراعة والمخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من تأجيره، أو زرعه، أو ثمره، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح، وإعطاء مستحق ونحو ذلك»3

وهكذا؛ فإن الناظر على الوقف إنما جُعل لأجل حفظ مصلحة الوقف ودفع المفاسد عنه، كما هو الشأن في كل الولايات الشرعية، وما قيل: إنه مخير فيه، فإنما هو تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فالواجب عليه فعل الأصلح للوقف والواقف والموقوف عليه، وإذا تعارضت عنده المصالح والمفاسد؛ فإنه يختار خير الخيرين، ويدفع شر الشرين.

قال العز بن عبد السلام: «وإنما تنصب الولاة في كلِّ ولاية عامة أو خاصة للقيام بجلب مصالح المولى عليهم، وبدرء المفاسد عنه، بدليل قول موسى لأخيه هارون عليه السلام: {... وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ }[الأعراف:142]»4

وقال في موضع آخر: «فصلٌ في تصرف الولاة ونوابهم: يتصرَّف الولاة ونوابهم بما ذكرنا من التصرفات بما هو الأصلح للمولى عليه درءًا للضرر والفساد، وجلبًا للنفع والرشاد، ولا يقتصر أحدهم على الصلاح مع القدرة على الأصلح إلا أن يؤدي إلى مشقة شديدة»5.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الناظر ليس له أن يفعل شيئًا في أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه أن يفعل الأصلح فالأصلح. وإذا جعل الواقف للناظر صرف من شاء، وزيادة من أراد زيادتَه ونقصانَه، فليس للذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل ما يشتهيه، أو ما يكون فيه اتباع الظن وما تهوى الأنفس، بل الذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل من الأمور الذي هو خير ما يكون إرضاء لله ورسوله.

وهذا في كل من تصرف لغيره بحكم الولاية، كالإمام، والحاكم، والواقف، وناظر الوقف، وغيرهم، إذا قيل: هو مخير بين كذا وكذا، أو يفعل ما شاء وما رأى، فإنما ذاك تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، والمقصود بذلك: أنَّه لا يتعين عليه فعلٌ معينٌ بل له أن يعدل عنه إلى ما هو أصلح وأرضى لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الواقف: على ما يراه ويختاره، ويرى المصلحة فيه.

وموجب هذا كله أن يتصرف برأيه واختياره الشرعي الذي يتبع فيه المصلحة الشرعية، وقد يرى هو مصلحة والله ورسوله يأمر بخلاف ذلك، ولا يكون هذا مصلحة كما يراه مصلحة، وقد يختار ما يهواه لا ما فيه رضى الله، فلا يلتفت إلى اختياره حتى لو صرح الواقف بأن للناظر أن يفعل ما يهواه وما يراه مطلقًا لم يكن هذا الشرط صحيحًا، بل كان باطلًا؛ لأنه شرط مخالف لكتاب الله»6.

ومن القواعد المقرَّرة لدى الفقهاء: أنَّ «تصرف القاضي فيما له فعله من أموال الناس والأوقاف مقيد بالمصلحة»7، وكذلك القاعدة المشهورة: «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»؛ أي: أن تصرف الراعي فيما استرعاه الله عليه يجب أن يكون مبنيًّا على المصلحة8، وهذا يشمل الراعي في الولاية الكبرى وما دونها من الولايات.

وقد عبر عن هذه القاعدة بتعبير أصرح في بيان المقصود وألصق بهذا الموضوع تاج الدين السُّبكي حيث قال: «كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة»9.

في الحلقة القادمة نكمل المطلب الثالث

المراجع

1 ينظر: أحكام الأوقاف للخصاف ص:345، وفتح القدير 6/242، والبيان والتحصيل 12/268، وروضة الطالبين 5/348، والمبدع 5/337.

2 روضة الطالبين 5/348.

3 الإنصاف 7/53، وينظر نحوه في كشاف القناع 4 / 268.

4 قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/67.

5 قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2 / 75.

6 مجموع الفتاوى 31/67.

7 درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/51.

8 الأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 124، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 223، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/51.

9 الأشباه والنظائر للسبكي 1/332.


 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
البحوث الإسلامية يحذر من فعل شائع وصفه رسول الله بالخيانة الكبرى
قال مجمع البحوث الإسلامية، إنه فيما ورد عن رسول الله– صلى الله عليه وسلم-، إن هناك فعلا شائعا بين الكثير من الناس، وصفه النبي– صلى الله عليه وسلم- بأنه خيانة كبرى.
السويد.. متطرفون يحرضون على حرق مساجد
طبعت مجموعة من العنصريين في السويد، أمس الأحد، عبارات عنصرية على قمصان، تحرض على إحراق المساجد.
السجن لثلاثة أشخاص خططوا لتفجير مسجد في كانساس الأمريكية
أصدر قاضٍ فدرالي أمريكي أحكاما بالسجن على 3 أشخاص، لإدانتهم بالتخطيط لتفجير مسجد في ولاية كانساس عام 2016.
أهمية الاجتماعات بين الجيران
من الأمور المعينة على القيام بحق الجار ـ وبخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الشواغل والصوارف والمغريات
مراتب حق الجار
حق الجار على ثلاث مراتب: أدناها كف الأذى عنه، ثم احتمال الأذى منه، وأعلاها وأكملها: إكرامه والإحسان إليه.
الإحسان إلى الجار
فأوصى بالإحسان إلى الجيران كلهم، قريبهم وبعيدهم، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. كلٌ بحسب قربه وحاجته وما يصلح لمثله .
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م