النفقة على الأولاد*
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/03/07 الموافق 2018/11/15 - 09:59 ص

  لما كان الأولاد بحاجة إلى النفقة، لأنهم ينشأون ولا مال لهم في الغالب، كان الأب مسؤولًا عن الإنفاق عليهم، وذلك بتوفير كل ما يحتاجون إليه عادة من غذاء وكساء ودواء ومأوى. وسنتناول في هذا البحث مسألتين رئيستين:

المسألة الأولى: الدليل على وجوب النفقة للأولاد.

المسألة الثانية: شروط وجوب النفقة للأولاد.

المسألة الأولى: الدليل على وجوب النفقة للأولاد.

والأصل في وجوب نفقة الفروع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. وبيانها كالتالي: -

أولًا: الكتاب.

1- قول الله - تعالى -: {... وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ }[الطلاق:6].

حيث أوجب أجر رضاع الولد على أبيه، ولو لم تكن نفقته واجبة عليه، لما وجب عليه دفع أجرة رضاعه.

2- قوله - تعالى -: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا }[الطلاق: 7].

فهذا أمر بالإنفاق على الولد بحسب الوسع، والأمر للوجوب.

قال ابن كثير: «أي: لينفق على المولود والده، أو وليه بحسب قدرته»[1].

3- قوله -تعالى-: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ ...}[البقرة: 233].

والمولود له: هوالأب، والضمير في قوله: ﯚ ﯛ يعود إلى الوالدات المرضعات، المذكورات في أول الآية.

قال ابن كثير في معنى الآية: «أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف»[2].

والاستدلال بالآية على وجوب النفقة للولد من وجهين:

الوجه الأول: أن الله -تعالى- أوجب على الأب نفقة الوالدات، وعبّر عنه بالمولود له، للتنبيه على علة الإيجاب عليه، وهي الولاد له، وقد تقرر في الأصول: أن تعليق الحكم على مشتق، دليل على عليّة المشتق منه لذلك الحكم. فإذا وجب نفقة غيره بسببه، فوجوب نفقة نفسه من باب أولى[3].

الوجه الثاني: أن نفقة الوالدة هي نفقة للولد، لأن الولد يحتاج إليها في الخدمة والتربية والرضاع، حتى إن اللبن الذي هو مؤْنته، إنما يستحيل لبنًا من غذائها، فإيجاب نفقتها عليه، إيجاب لنفقة ولده عليه[4].

قال القرطبي في تفسير الآية: «وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد، لضعفه وعجزه، وسماه الله -سبحانه- للأم، لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع، كما قال: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن؛ لأن الغذاء لا يصل إليه إلا بسببها»[5].

ثانيًا: السنة.

  وأما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف»[6].

  فهذا الحديث صريح في وجوب نفقة الولد على أبيه، ولو لم تكن واجبة عليه وحقًا لولده في ماله، لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - هندًا أن تأخذ منه ما يكفيها وولدها.

ثالثًا: الإجماع:

وقد حكاه غير واحد[7].

قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال، الذين لا مال لهم[8].

رابعًا: المعقول.

وقد دل على ذلك من وجهين:

الأول: أن ولد الإنسان بعضه، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله، فكذلك على بعضه[9].

قال الكاساني: «الإنفاق عند الحاجة، من باب إحياء المنفَق عليه، والولد جزء الوالد، وإحياء نفسه واجب، فكذا إحياء جزئه»[10].

الثاني: أن بين الوالد وولده قرابة يجب وصلها ويحرم قطعها بالإجماع، والإنفاق -مع حاجة الولد، وقدرة الوالد- من أظهر أنواع الصلة، فكان واجبًا. وترك الإنفاق يؤدي إلى القطيعة، فكان محرمًا[11].

المسألة الثانية: شروط وجوب النفقة للأولاد.

يشترط لوجوب نفقة الولد شرطان:

الأول: أن يكون الولد فقيرًا، لا مال له ولا كسب يستغني به، فإن كان موسرًا بمال أوكسب، فلا نفقة له، لأنها تجب له علي سبيل المواساة، والموسر مستغنٍ عن المواساة[12].

وهذا بخلاف نفقة الزوجات، فإنها تجب للزوجة مطلقًا، موسرة كانت أو معسرة، لأن وجوب تلك النفقة ليس لوجود الحاجة، بل لما لها من شبه بالأعواض، فيستوي فيها المعسرة والموسرة، كثمن المبيع والمهر.[13]

الثاني: أن يكون الوالد قادرًا على الإنفاق، إما من ماله، وإما من كسبه، فإذا كان غنيًا وعنده ما يفضل عن حاجته، أو قادرًا على الكسب، وجب عليه نفقة أولاده[14].

فإن كان لا يملك ما يزيد عن نفقة نفسه، وكان عاجزًا عن الكسب، فلا شيء عليه، لأن وجوب هذه النفقة على سبيل المواساة، فلا تجب على المحتاج، كالزكاة.[15]

قال الله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } [الطلاق 7].

وعن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك»[16].

وإذا كان الوالد بهذه المثابة من العجز عن الإنفاق على أولاده، فلا يُترك الأولاد من غير نفقة، بل تكون نفقتهم على قرابتهم الموسرين، وعلى بيت مال المسلمين.

وإن من الأخطاء الشنيعة في هذا الباب: أن تجد الأب صاحب لهو ومجون، أو مدمن مخدرات، فيتلف ماله كله في هذا السبيل، ويترك أهله عالة يتكففون الناس، ويريقون ماء وجوههم، ويعيشون على أعطياتهم وصدقاتهم. وهذا والعياذ بالله من أعظم الخيانة للأمانة، والجناية على الرعية.

وقريب من هذا من يغلبه الكسل والخمول، وإيثار النوم والبطالة، فيقعد عن السعي والتكسب مع قدرته عليه، ويترك أهله بلا غذاء ولا كساء، ولا دواء ولا مأوى، ولا رعاية ولا اهتمام.

أين هذا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت»، وفي رواية: «من يعول»[17]، ورواه مسلم[18] بلفظ: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته».

بل إن الإنفاق عليهم إذا صاحبته النية الصالحة، ولم يكن فيه إسراف ولا تبذير ولا مخيلة، أعظم أجرًا وأحب إلى الله من الإنفاق في سبيل الله.

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك»[19].

وقال -عليه الصلاة والسلام- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في امرأتك»[20]؛ أي: في فمها.

ومن الأخطاء كذلك: ما يفعله بعض الناس من كسب الأموال المحرمة عن طريق التعامل بالربا، أو الغش أو الرشوة، أو أكل مال اليتيم، أو غيرها من صور أكل أموال الناس بالباطل، ثم ينفقون منها على أولادهم، ويغذون بهذا المال الحرام أجسادهم، فيكون ذلك من أسباب شقاوتهم وقسوة قلوبهم، وتمردهم على آبائهم، وعقوقهم لهم.

بل ذكر الإمام الغزالي[21] -رحمه الله- أن من حق الولد على أبيه: «أن لا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبث، فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث».

مواضيع ذات صلة:

حقوق الأولاد في الشريعة الإسلامية

http://fiqh.islammessage.com/NewsDetails.aspx?id=4752

 *من كتاب "فقه التعامل بين الناس" لفضيلة الشيخ أ.د. عبدالعزيز الفوزان

المراجع

[1] تفسير ابن كثير 8/179.

[2] تفسير القرآن العظيم 1/418. وانظر نحوه في: الجامع لأحكام القرآن 3/163.

[3] انظر: فتح القدير والعناية على الهداية 4/218.

[4] انظر: المصدر السابق.

[5] الجامع لأحكام القرآن 3/163.

[6] تقدم تخريجه ص:

[7] انظر: الجامع لأحكام القرآن 3/163، والمغني 11/373.

[8] الإجماع ص: 98، والمغني 11/373.

[9] انظر: المغني 11/373.

[10] بدائع الصنائع 4/31.

[11] انظر: بدائع الصنائع 4/31.

[12] انظر: بدائع الصنائع 4/34، والشرح الكبير 2/524، وروضة الطالبين 6/490، والمغني 11/374.

[13] انظر: بدائع الصنائع 4/34.

[14] انظر: بدائع الصنائع 4/35، والشرح الكبير 2/524، والمهذب 2/166، والمغني 11/374.

[15] انظر: بدائع الصنائع 4/35، والمغني 11/374، والمهذب 2/166.

[16] رواه مسلم: 997 .

[17] رواه أبو داود: 1692، والنسائي في الكبرى: 9177، وأحمد: 6495، وابن حبان: 4240، والحاكم: 1/415، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه . وصححه الذهبي. وكذلك النووي في " رياض الصالحين " ص: 153 .

[18] صحيح مسلم: 996.

[19] رواه مسلم: 995.

[20] رواه البخاري: 56.

[21] إحياء علوم الدين 3/70 .

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الشارقة: تكريم 58 حافظاً أتموا حفظ القرآن كاملاً
نظمت مؤسسة الشارقة للقرآن والسنة النبوية بمقرها في مدينة الشارقة حفلها السنوي لتكريم الحفاظ مع نهاية عام 2018 حيث بلغ عدد الحفاظ في مختلف مراكزها المنتشرة في ربوع إمارة الشارقة أكثر من 58 حافظا أتموا حفظ القرآن كاملاً.
مؤتمر إسلامي في مكة يحذر من تصدير الفتاوى خارج نطاقها الجغرافي
قال المؤتمر الإسلامي العالمي للوحدة الإسلامية إن لكل جهة أحوالها وأعرافها الخاصة بها التي تختلف بها الفتاوى والأحكام، داعيا إلى قصر العمل الموضوعي المتعلق بالشؤون الدينية الرسمية لكل دولة على جغرافيتها المكانية دون التدخل في شؤون غيرها.
وفاة الشيخ "العجلان" بعد أن أمضى 25 عامًا مدرسًا بالمسجد الحرام
توفي مساء أمس الثلاثاء، الشيخ محمد بن عبدالله العجلان المدرس في المسجد الحرام عن عمر يناهز الـ 80 عامًا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
حق الاستمتاع بين الزوجين*
لكل من الزوجين حق الاستمتاع بصاحبه فيما أباحه الله له، وهذا أمر تدعو إليه الفطرة، ويتوقف عليه التناسل، ويحصل به المحبة والتآلف، وقد مدح الله المؤمنين بقوله:
وإن كان مُحقًّا وإن كان مازحًا*
ترك المراء والكذب من جملة الأخلاق الحسنة
أسباب قطيعة الرحم
لما عمت المصيبة بقطيعة الأرحام، ووقع فيها كثير من الأنام، واستمرأها فئام وأقوام، وكأنهم لم يفعلوا كبيرة من كبائر الآثام، كان من الأهمية بمكان، بيان أسباب القطيعة بين الأرحام، ليتم تجنبها من ذوي الألباب والأفهام، وهي أسباب كثيرة، من أهمها ما يلي:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م