الخياط: سعادة العبد إخلاصُه للمعبود، وسعيه في نفعِ الخلقِ
|
الملتقى الفقهي - متابعات
أضيف فى 1440/01/26 الموافق 2018/10/06 - 10:25 ص

 

 

أم المصلين فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط في صلاة الجمعة.

و بدأ فضيلته الخطبة بحمد الله وشكره على نعمه العظيمة ؛ ثم أوضح  قائلاً - عبادَ الله  :

بين لَهْو الحياة ولَغْوِها، وفي هَجِيرِ مَطامِحِها ومَطَامِعِها، ولَظَى الصِّرَاع على حيازة متاعها، والتمتُّع بزَهْرَتها، والاغترار بزُخْرُفها؛ تقوم للدَّعاوى العَريضةِ سوقٌ نافقةٌ، وتَرْتَفِعُ للمَزَاعِمِ الْمُبَهْرَجَةِ راياتٌ خادِعَةٌ كاذِبَةٌ خَاطِئَةٌ.

إنَّها -يا عِبادَ اللهِ- ضُرُوبٌ وألوانٌ من الدَّعاوى والمزاعم لا تقوم على حُجَّة، ولا تَستقيمُ على مَحَجَّة، ولا ترجِعُ إلى دَليلٍ، ولا تستنِدُ إلى بُرْهانٍ.

وإنَّ من أسوء ذلك-يا عباد الله- ما يكون من دعاوى الهداية والفلاح، وسلامة المنهج، وصواب المسلك، وصحة الطريق!

ذلك المتمثِّلُ فيما يزعُمُه بعضُ مَنْ كَثُرَتْ دعاواه ومزاعمه، وقلَّت عليها براهينُه وحُججُه، بل انعدَمَتْ أو كادَتْ، في أنَّه على هدى من رَبِّه، وأنَّه من المفلحين الذين أدركوا ما فيه رَغِبُوا، وسلِموا مما منه رَهِبوا.

ولما كان هذا الفريقُ من عباد الله موجودًا في كل زمان بدعاواه ومزاعمه، فقد تكلم ربنا سبحانه في محكم كتابه عن هذا بكلامه المرشد الهادي، والمبيِّن النَّاصح، والمحذِّر الناهي، الذي يُسفِر عن وجه الحقِّ في هذا الأمر، ويدلُّ على الصَّواب فيه: فيَنْقَعُ الغُلَّة ويشفي العِلَّة، ويقطع المعاذير الملتوية، ويبطل المزاعم الكاذبة، ويهدي إلى سواء السبيل.

وأنَّ الذين يصحُّ وصفهم بأنهم «المفلحون» أي: الذين أدركوا ما طلبوا، وسلموا مما منه هربوا.

إنما هم على الحقيقة: «المتقون» الذين: «اتقوا الله تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، واتقوه فيما أمرهم به من فرائضه، فأطاعوه بأدائها» وهو بيانٌ لواقعهم ذكره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله وكافة علماء المسلمين وجزاهم خير الجزاء.

وأن هؤلاء المتقين قد خصَّهم ربُّهم عزَّ وجلَّ بصفاتٍ توضح حالهم، وترشد إلى جميل خصالهم، وتستنهض الهمم إلى اللحاق بهم، بانتهاج نهجهم، وسلوك سبيلهم.

وإنَّها لصفاتٌ مُضِيئةٌ، وعلاماتٌ جَلِيَّة، وأحوال رَضِيَّةٌ، يبلغ بها أصحابُها أشرفَ المنازل في حياتهم الدُّنيا وفي الآخرة، وتَصِل بهم إلى الغاية من رضوان الله ومحبته، ونزول الجنة دار كرامته.

 وأُولَى هذه الصفات التَّصديقُ بالغَيْبِ قَوْلًا واعْتِقَادًا وعَمَلًا: «فآمَنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، و ما فيه من بعث وحشر وحساب وثواب وعقاب وصراط وكرسي وعرش وجنة ونار، وآمَنُوا بالحياة بعد الموت، وكل ما غاب عن الحس مما أخبر به الله في كتابه وبيَّنه رسوله عليه الصلاة والسلام فيما ثبت به النقل عنه .

، وغيرِ ذلك من أركانٍ وواجباتٍ وسننٍ وآدابٍ- وثاني صفاتِهم:

 أنَّهُم يقيمون الصَّلاة؛ بأدائها بحدودها وفرائضها الظاهرة منها من: تمام ركوعٍ، وسجودٍ، وقيامٍ للقادر عليه، وتلاوةٍ، وتسبيحٍ، وتحميدٍ، وصلاة على النبي .

والباطنة: من خشوعٍ فيها وإخباتٍ، وحضورِ قلبٍ، وتفهُّمِ معاني ما يُتلى فيها من آياتِ اللهِ، وامتثالٍ صادقٍ يَظْهَرُ فيما يأتي المرءُ وما يَذَرُ من أقوالٍ وأعمالٍ.

ولذا؛ فإنَّ من لم تنهه صلاته عن الإثم، فهو ممن أخلَّ بها ولم يُقمها كما أمر الله.

ولذا قيل: إنَّ المصلين كثيرون، لكنَّ المقيمين لها قليلون.

 وثالث صفاتهم:أنهم كما قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله: «لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدِّين، زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَنْ لَزِمَتْه نفقتُه، من أَهْلٍ وعِيالٍ وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقتُه بالقرابة، والمِلك وغير ذلك.

  ومن صفاتهم: أنَّهم موقنون: «بما كان المشركون به جاحدين؛ من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة.

وهو الإيمان باليوم الآخر الذي يورِثُ المؤمِنَ كمالَ مراقبةٍ للهِ تعالى، وعظيمَ خشيةٍ تبعَثُ على امتثالِ الأوامرِ واجتنابِ النَّواهي؛ طاعةً له سبحانه؛ رجاءَ الظَّفَرِ بجميل موعودِهِ لعباده الصَّالحينَ، وخشيةً من أليم عذابه للعاصين المكذبين بآيات الله عز وجل ورسله.

فهؤلاء المتقون: أصحابُ هذه الصفات الجليلة، والخصال الجميلة هم المستحقون بأن يوصفوا بأنهم «على هدى من ربهم» أي: «على نور منه وبرهان، واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم.

والمستحقون أيضا بأن يوصفوا بأنهم «المفلحون» وهم: «المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذِكْرُه، بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب».

وفي هذه الآيات الكريمة-كما قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما-: «تعريضٌ من الله عزَّ وجلَّ بذَمِّ الذين زَعَمُوا أنَّهم بما جاءت به رسلُ الله عزَّ وجلَّ الذين كانوا قبل محمد صلواتُ الله وسلامُه عليهم وعليه: مُصدِّقونَ، وهم بمحمد صلوات الله وسلامه عليه مُكَذِّبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدَّعون -مع جحودهم ذلك- أنَّهُم مُهْتَدونَ». انتهى ما قاله حبر الأمة رضي الله عنهما مما نقله عنه الإمام ابن جرير رحمه الله.

فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ، وحَذَارِ منَ الاغترارِ بدعاوى مُدَّعي الهداية والفلاحِ بغيرِ بُرْهانٍ أتاهم، وبغَيرِ حُجَّةٍ يعْتَدُّونَ بها، أو نَقْلٍ صحيحٍ، أو عَقْلٍ سَلِيمٍ، أو واقعٍ لهمْ رَشيدٍ سَديدٍ.

 وفي مستهل خطبته الثانية بداء فضيلته بالحمدُ للهِ الهادي لِمَن استهداهُ، الكافي لِمَنْ تَوَلَّاهُ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا رَبَّ غيرُه ولا مَعْبودَ سِوَاهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورسولُه وخِيرَتُه من خَلْقِه وحَبيبُهُ ومُصْطَفَاهُ، اللهم صَلِّ وسَلِّمْ على عَبدِكَ ورسولِكَ محمَّدٍ، وعلى آلِه وصَحْبِهِ ومَنْ اقتفى أَثَرَه، واتَّبع هُدَاهُ.

أمَّا بَعْدُ: إنَّ في قولِ ربِّنا عزَّ اسمُه في وَصف هؤلاء المتَّقينَ ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) [البقرة: ٣].

فوائدَ وأسرارًا بيَّنَها أهلُ العِلْمِ بالتَّفسيرِ بيانًا حسنًا وافيًا، وممَّنْ بيَّن ذلك فأحسنَ العلَّامةُ عبدُ الرَّحمنِ السَّعْدِيُّ، حيثُ قالَ:

«إنَّ الربَّ تبارك وتعالى أتى بـ"مِنْ" الدالَّة على التبعيض؛ لِيُنَبِّهَهُم أنَّه لَمْ يُرِدْ منهم إلا جزءًا يسيرًا من أموالهم غيرَ ضَارٍّ لهم، ولا مُثْقِلٍ عليهم، بل ينتفعونَ هُمْ بإنفاقِه، ويَنْتَفِعُ به إخوانُهم.

وفي هذه الآية الكريمة: إشارةٌ إلى أنَّ هذه الأموالَ التي بين أيديكم ليسَتْ حاصلةً بقوَّتِكُم ومِلْكِكُمْ، وإنَّمَا هي رِزْقُ اللهِ الذي خوَّلَكُم، وأنْعَمَ به عليكم، فكما أَنْعَمَ عليكُمْ وفضَّلَكُم على كثيرٍ مِنْ عباده، فاشكروه بإخراجِ بَعْضِ ما أنعم به عليكم، وواسُوا إخوانَكُم المُعْدِمينَ.

وأنَّ الله تعالى كثيرًا ما يَجْمَعُ بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنَّ الصَّلاةَ مُتَضَمِّنَةٌ للإخلاص للمَعْبُود، والزَّكَاةُ والنَّفَقَةُ مُتَضَمِّنَةٌ للإحسانِ إلى عَبِيدِه.

فعُنْوانُ سعادةِ العَبْدِ: إخلاصُه للمَعْبُودِ، وسَعْيُه في نَفْعِ الخَلْقِ.

كما أنَّ عنوانَ شَقَاوَةِ العَبْدِ: عَدَمُ هذَيْنِ الأَمْرَيْنِ مِنْهُ، فلا إِخْلاصَ ولا إِحْسانَ».

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
المغامسي: تزكية المروءة في نفوس الطلاب هو الواجب الحقيقي للمعلم
قال:قرار إعادة مادة الإملاء والخط قرار مُوفق. وقرار اعتماد مادة الفلسفة حبذا لو يُؤجّل.
ضيوف خادم الحرمين للعمرة يشيدون بالخدمات المتميزة
أدى ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة ضمن المجموعة الـ13 للبرنامج الذي تنفذه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد للعام الرابع على التوالي، والبالغ عددهم 203 شخصيات إسلامية من ثماني دول أفريقية، أمس صلاة الجمعة في الحرم النبوي وسط منظومة متكاملة من الخدمات النوعية.
خطيب المسجد النبوي: الدنيا عدوة الإنسان إذا شغلته عن الاَخرة
قال الشيخ الدكتور علي الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي، إن الدنيا عدوة الإنسان إذا استولت على قلبه فاشتغل بها، وأعرض عن عمل الآخرة، فأكثر أهل الأرض آثروا الدنيا
الشيخ الخياط يلقي درسه الأسبوعي في الحرم المكي في التفسير
بين مدير إدارة التوجيه والإرشاد بالمسجد الحرام فضيلة الشيخ ماجد بن صالح السعيدي أن من ضمن البرنامج العلمي الدائم في أروقة المسجد الحرام، درس لفضيلة الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط إمام وخطيب المسجد الحرام.
إمام المسجد النبوي: سلامة الصدر من أنبل الخصال
أوضح فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ إمام وخطيب المسجد النبوي في خطبة أمس الجمعة أن في زمن ظهر فيه حبُّ الدنيا بمختلف الصور والأشكال , يحتاج المسلم إلى التذكير بما يبعثه على محبة الآخرين , وبذل الخير والمعروف لهم , وكف الأذى والشر عن المسلمين إنه خلق سلامة الصدر الذي يعيش به المسلم سعيداً مرضياً .
خطيب الحرم المكي: من حسُن إسلامه ترَكَ ما لا يعنيه
قال الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، إمام وخطيب المسجد الحرام، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرشد هو الحريص على كل خير لأمته، الرؤوف الرحيم بها، إلى أدبٍ جامع وخصلةٍ شريفة، وخلقٍ كريم يحسن به إسلام المرء، ويبلغ به الغاية من رضوان الله.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م