أحكام الالتفات في الصلاة
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1440/01/13 الموافق 2018/09/23 - 10:29 ص

معنى الالتفات في نصوص اللّغة والشّرع:

أمّا في اللّغة، فيقول ابن فارس: (اللَّامُ وَالْفَاءُ وَالتَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى اللَّيِّ وَصَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ الْمُسْتَقِيمَةِ). قال: (وَمِنْهُ الِالْتِفَاتُ، وَهُوَ أَنْ تَعْدِلَ بِوَجْهِكَ، وَكَذَا التَّلَفُّتُ)[1].

وبتطبيق هذا التّعريف اللّغويّ، على أمر الصّلاة، يكون معنى الالتفات: أنّه حركةٌ يتمُّ فيها ليُّ العُنق والوجه، صرفاً للبصر عن جهته المستقيمة، أي جهة القبلة. فالالتفاتُ إنّما يكون من أجل توجيه البصر لشيءٍ ما، قد يكون في جهةٍ أخرى غير جهة القبلة، وبالتّالي فإنّه يكون على مراتب:

- فالمرتبة الأولى والأقلُّ حركةً، هي تحريكُ مؤخر العين، جهة اليمين أو جهة اليسار، والعنق ثابت.

- والثّانية، هي تحريك العنق وبعض الوجه أو كلّه، وليُّه إلى إحدى الجهتين.

- والثالثة، هي تحريك العنق والوجه كلّه مع الصدر، حتّى يستدبر جهة القبلة.

ومعنى الالتفات في أقوال الفقهاء ونصوص الشرع، لم يخرج عن هذا الإطار، كما سوف نرى بعد قليلٍ بإذن الله تعالى.

التفات الجسد والتفاتُ القلب:

ذاك التفاتٌ حسّيٌّ بدنيّ، ومن ورائه التفاتٌ آخر، هو (الالتفات المعنويُّ القلبيّ) ويتمثّل في (الوساوس والهواجس التي تَرِدُ على القلب)[2]. يقول الشيخ ابن عثيمين: (فهذا هو العِلَّة التي لا يخلو أحدٌ منها، وما أصعب معالجتها! وما أقلَّ السَّالمَ منها! وهو مُنقِصٌ للصلاة)، والغالبُ أنّه (التفاتٌ من أول الصلاة إلى آخرها، وينطبق عليه أنه اختلاسٌ يختلسُه الشيطان من صلاة العبد، بدليل أن الرَّسول -صلّى الله عليه وسلّم- لما شَكَى إليه الرَّجُلُ هذه الحال قال له: «ذاك شيطانٌ يُقال له: خِنْزَبٌ، فإن أحسست به فاتفل عن يسارِك ثلاث مَرَّات، وتعوَّذ بالله منه»[3])[4]. والمقصود أنّ التفات القلبِ عادةً ما يكون مُرافقاً لالتفات الوجه والبصر، لكن قد يكون الجسدُ ساكناً والقلبُ في شُغُلٍ.

موقف عامّة الفقهاء من الالتفات:

إنّ المصلّي في صلاته، إنّما يُناجي ربّه واقفاً بين يديه، فلذا ينبغي أن يكون خاشعاً مخبتاً، غير منشغلٍ بشيءٍ آخر، وبالتالي فالأصلُ في الالتفات باعتباره حركةً ليست من جنس الصّلاة أن يكون مكروهاً، وهو ما قرّره وذهب إليه عامّةُ الفقهاء.

وقد اتّفق الفقهاء كذلك على أنّ الالتفات يكون جائزاً عند الحاجة إليه، شريطة أن لا يكون طويلاً في وقته، أو كثيراً في حركته.

ثم تناول الفقهاء مسألة ما إذا أدى الالتفات إلى الانحراف عن القبلة، أو إلى الدوران مع ثبات القدمين في اتّجاههما نحو القبلة.

موقف الفقه الحنبليّ:

يقول ابن قدامة المقدسيّ في "المقنع": (ويُكره الالتفاتُ في الصَّلاة)[5]، ويقول موسى الحجاوي في "زاد المستقنع": (وَيُكْرَهُ فِي الصَّلاةِ التِفَاتُهُ)[6].

واحتجُّوا على ذلك بأن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- سُئل عن الالتفات في الصَّلاة فقال: «هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشيطانُ مِن صلاة العبد»[7]، وقوله: اختلاسٌ، أي: سرقة ونهب.

ولكن هذه الكراهة، كما يقول العلامة المرداويّ في "الإنصاف" مقيّدةٌ بقيدين:

1/ (بما إذا لم يكُنْ ثَمَّ حاجَةٌ، فإنْ كان ثَمَّ حاجَةٌ, كما إذا اشْتَدَّ الحرْبُ، ونحوِه، لم يُكرَهْ).

2/ (بما إذا كان يَسِيرًا، فأمَّا إنْ كان كثِيرًا، مثْلَ إنِ اسْتَدارَ بجُمْلَتِه أوِ اسْتَدْبَرَها، فإنَّ صلاتَه تَبْطُلُ بلا نزاع)[8].

وإطلاق القول بكراهة الالتفات في الصّلاةِ، بدون تحديد درجة الالتفات، يجعل الحكمَ شاملاً كلّ درجات الالتفات، ولذا قال المرداويّ: (ظاهِرُ قولِه: "ويُكْرَهُ الالْتِفاتُ في الصَّلاةِ" أنَّه لوِ الْتَفَت بصَدْرِه مع وَجْهِه) أي: مع بقاء قدميه متوجّهتين نحو القبلة (أنَّها لا تَبْطُلُ)، قال: (وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم ابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما. وقدَّمه في "الفُروعِ". وذكر جماعَةٌ أنَّها تبْطُلُ. وجزَم به ابن تَميمٍ)[9]. أمّا (إن استدار بجملته أو استدبرها) فإنّ صلاته تبطل؛ لأنّه حينئذٍ يكون منحرفاً عن القبلة، قال الشيخ موسى الحجاوي:  (ما لم يكن في الكعبة أو شدَّة خوف)[10].

موقف الفقه الحنفيّ:

وموقف الحنفية مقاربٌ لموقف الحنابلة، فقد ذهبوا إلى أنّه (يُكرهُ تنزيهاً الالتفاتُ بالعنق فقط، أي بالوجه كلِّه أو ببعضه، وببصره)[11]. كما قال السّرخسي في المبسوط: (قَالَ: "وَلَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ" لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَوْ عَلِمَ الْمُصَلِّي مَنْ يُنَاجِي مَا الْتَفَتَ»)[12]، كما استدلّوا أيضاً بحديث الاختلاس.

وذهب الحنفيّة كذلك إلى أنّه (لا تفسد الصلاةُ بتحويل صدره على المعتمد)[13].

وذهب الحنفيّة إلى أنّ المصلّي (لو نظر بمؤخر عينه يَمنة أو يَسرةً، من غير أن يلوي عنقه، لا يُكره)، واستدلوا بحديث ابن عباس: «كان النبي -صلّى الله عليه وسلم- يلحظُ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره»[14].

فالخلاصة أنّ الالتفات في الصلاة عند الحنفيّة، ثلاثة أقسام:

(-مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا).

(-وَمُبَاحٌ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ).

(-وَمُبْطِلٌ وَهُوَ أَنْ يُحَوِّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ)[15].

موقف الفقه المالكيّ:

قسم الإمام القرافي الالتفات في الصلاة إلى ضربين:

الأول: الالتفات لحاجةٍ، قال: (وَهُوَ مُبَاحٌ بِحَدِيث أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَيْثُ الْتَفَتَ فِي الصَّلَاةِ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَتَأَخَّرَ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ: ثُوِّبَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَجَعَلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ)[16].

الثاني: الالتفات َلِغَيْرِ حَاجَةٍ، وحكمه أنّه (مَكْرُوهٌ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَأَلْنَا النَّبِي -عَلَيْهِ السَّلَام- عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ" وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: "لَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَفَّحَ بِجَسَدِهِ"، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ: إِنِ الْتَفَتَ بِجَمِيعِ جسده لم أسأَل مالكاً عَنْهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، يَعْنِي لِأَنَّ رِجْلَيْهِ مَعَ نصفه الأول يكون مُسْتَقْبلا فَهُوَ مُسْتَقْبل عَادَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ: إِذَا حَوَّلَ رِجْلَيْهِ عَنْ جِهَة الْكَعْبَة بَطل توجهه)[17].

إذن، فالخلاصة أنّ موقف المالكية متوافق مع موقف الحنبليّة والحنفيّة، من حيث كراهية (الالتفات في الصلاة بلا حاجةٍ مهمة)، وأنّ الصلاة لا تبطل، ولو كان الالتفات (بجميع جسده ما دامت رجلاه للقبلة)[18].

موقف الفقه الشافعيّ:

يرى فقهاء الشافعيّة أنّ الالتفات في الصلاة مكروهٌ (بِكُلِّ حالٍ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لِلْمُلْتَفِتِ فِي صَلَاتِهِ: اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مُقْبِلٌ عَلَيْكَ وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنْهُ!)).

وفي ظلّ هذا المبدأ العام، قسم الماورديّ في "الحاوي الكبير" الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا إلى ضربين:

(أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْتَفِتَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَيُحَوِّلَ قَدَمَيْهِ عَنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِدًا، أَوْ نَاسِيًا:

-فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ طَالَ ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ، لِأَنَّهُ فَارَقَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ صَلَاتِهِ عَامِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ).

-أمّا (إِنْ كَانَ نَاسِيًا فَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَانُ وَقَصُرَ كَانَتْ صَلَاتُهُ جَائِزَةً، لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ).

قال: (وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَلْتَفِتَ بِوَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلِ قَدَمَيْهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ مُنَافَاةَ الصَّلَاةِ، أَوْ لَا يَقْصِدَ:

-فَإِنْ قَصَدَ مُنَافَاةَ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لأنه لو قطع الصلاة من غير الإلتفات بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.

-وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مُنَافَاةَ الصَّلَاةِ، فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ وَيَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ مُتَابَعَةِ الْأَرْكَانِ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ)، ثمّ استدلّ الماوردي بما روي عن عِكْرِمَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ))[19].

المراجع

[1] مقاييس اللغة (5/ 258).

[2] الشرح الممتع على زاد المستقنع (3/ 225).

[3]  أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب التّعوُّذ من شيطان الوسوسة في الصلاة (2203) (68).

[4] الشرح الممتع على زاد المستقنع (3/ 225).

[5] المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوط (ص: 52).

[6] زاد المستقنع في اختصار المقنع (ص: 46).

[7] أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة (751).

[8] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي (3/ 588 وما بعدها).

[9] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي (3/ 590).

[10] الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/ 127).

[11] الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (2/ 964).

[12] المبسوط للسرخسي (1/ 25).

[13] الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (2/ 964).

[14] أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه (نصب الراية:89/ 1).

[15] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 163).

[16] الذخيرة للقرافي (2/ 149).

[17] الذخيرة للقرافي (2/ 149).

 

[18] الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (2/ 964).

[19] الحاوي الكبير (2/ 187).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
البحوث الإسلامية يحذر من فعل شائع وصفه رسول الله بالخيانة الكبرى
قال مجمع البحوث الإسلامية، إنه فيما ورد عن رسول الله– صلى الله عليه وسلم-، إن هناك فعلا شائعا بين الكثير من الناس، وصفه النبي– صلى الله عليه وسلم- بأنه خيانة كبرى.
السويد.. متطرفون يحرضون على حرق مساجد
طبعت مجموعة من العنصريين في السويد، أمس الأحد، عبارات عنصرية على قمصان، تحرض على إحراق المساجد.
السجن لثلاثة أشخاص خططوا لتفجير مسجد في كانساس الأمريكية
أصدر قاضٍ فدرالي أمريكي أحكاما بالسجن على 3 أشخاص، لإدانتهم بالتخطيط لتفجير مسجد في ولاية كانساس عام 2016.
أهمية الاجتماعات بين الجيران
من الأمور المعينة على القيام بحق الجار ـ وبخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الشواغل والصوارف والمغريات
مراتب حق الجار
حق الجار على ثلاث مراتب: أدناها كف الأذى عنه، ثم احتمال الأذى منه، وأعلاها وأكملها: إكرامه والإحسان إليه.
الإحسان إلى الجار
فأوصى بالإحسان إلى الجيران كلهم، قريبهم وبعيدهم، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. كلٌ بحسب قربه وحاجته وما يصلح لمثله .
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م