تحليل محلّ النزاع الفقهيّ وتحريره من خلال نموذج الانتضال (1)
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1439/12/26 الموافق 2018/09/06 - 05:05 م

 

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد،

الخطوة الأولى من خطوات البحث العلميّ هي: "تصوير المسألة الفقهيّة".

وعلى قاعدة هذه الخطوة الأولى، تجيء الخطوة الثانية في "تحرير محلّ النّزاع".

في حلقةٍ ماضيةٍ تعرّفنا بصورةٍ عامّة على "تحرير محلّ النزاع"، بمسلك نظريٍّ مكثّف، يبدو لنا من الضروريّ أن نقترب منه، ونجتهد في الكشف عمّا يتضمّنه من المعاني الدّالّة على جوهر هذه العمليّة، معتمدين في ذلك على ما سنسمية "نموذج الانتضال"، والانتضال هو المسابقة بين الرّماة: أيُّهم يُصيب الهدف بسهمه؟

ونرى أنّ مفهوم تحرير محل النزاع، سيكون أكثر وضوحاً، إذا درسناه من خلال اتخاذ عملية الرّمي بالسهام أنموذجاً محسوساً لها يجسّدها في خطواتٍ معيّنة، فهو ما سنجتهد فيه خلال هذه الحلقة وما يعقبها من حلقات بإذن الله تعالى.

معنى تحرير محل النزاع:

1/ تحريرُ الشيء في اللّغةِ، أي: العمل على جعله حُرّاً خالصاً من الشوائب.

2/ الشّيء الّذي نودُّ تحريره هنا هو: "محلُّ النزاع"، ومعناه في اللغة: المحلّ أو المكان الذي يتمُّ فيه حلُّ شيءٍ مشدود أو معقود.

3/ معنى النزاع في اللّغة يدلُّ على حركة الشيء من موضعٍ إلى آخر، أو من (حالٍ أو محلٍّ) إلى (حالٍ أو محلٍّ) جديد. وفي ذلك ينقل الزَّبيديّ عن سِيبَويْهِ أنّ الفعل "نَزَعَ" معناه: (حَوَّلَ الشَّيءَ عنْ مَوْضِعِهِ)[1]، أي إلى موضعٍ آخر.

 وقد يُكتفى بالدلالة على الانتقال من الشيء فقط، أي: تركه للمحلّ أو الحال، كما قال ابن فارس في النّزع أنّه (أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى قَلْعِ شَيْءٍ. وَنَزَعْتُ الشَّيْءَ مِنْ مَكَانِهِ نَزْعًا، ... وَنَزَعَ عَنِ الْأَمْرِ نُزُوعًا، إِذَا تَرَكَهُ.)[2].

وقد يُكتفى فيه بالدلالة على الانتقال إلى الشيء فقط، أي: النزوع إليه. كما قال ابن فارس: (وَنَازَعَتِ النَّفْسُ إِلَى الْأَمْرِ نِزَاعًا، وَنَزَعَتْ إِلَيْهِ، إِذَا اشْتَهَتْهُ. وَنَزَعَ إِلَى أَبِيهِ فِي الشَّبَهِ.)[3].

4/ لكنّ الشاهد النموذجيّ الذي يُجسّد معنى مادة النزاع، يتمثّل في حركة السّهم المنطلق من القوس نحو الهدف، وذلك في عمليّة "المُراماة بالسّهام" أو "الانتضال"، كما قال في لسان العرب: (ونَاضَلْت فُلَانًا فنَضَلْته إِذا غَلَبْتَهُ. اللَّيْثُ: نَضَلَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذا نَضَله فِي مُراماةٍ فَغَلَبه. وَخَرَجَ الْقَوْمُ يَنْتضِلُون إِذا اسْتَبَقوا فِي رَمْي الأَغْراض.)[4].

فهؤلاء المستبِقون أو المتسابقون: كلُّ واحدٍ منهم نازعٌ، وكلُّهم نازعون أو نَزَعة، أي: ينزع كلٌّ منهم في قوسه، ليجذب وتره مؤذناً بانطلاق السَّهم إلى الهدف أو الغرضِ أو الرّميّة محلِّ النّزاع، وفي ذلك يُضرب المثل: (وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى النَّزَعَةِ) [5]، أو: (عَادَ السَّهْمُ إلي النَّزَعَةِ)[6]، أي رجع الأمر إِلَى الْحَقِّ; لأنّ انطلاق السّهام من القوس المشدود إلى الهدف: محلّ النّزاع، أمرٌ واضح يُمكن وصفُ ثمرته، وبناءً عليه نقول:

إذا كان محلّ النزاع هو الهدف الذي تُنزع إليه السَّهام الموجهة من قبل النّزَعة الذين أطلقوها، -وكان معنى التحرير: جعل الشيء خالصاً، وإبعاد ما ليس منه، فإنّ تحرير محلّ النزاع معناه: أن ننظر فقط إلى السهام التي انطلقت من قوسٍ أو أقواسٍ معيّنة، صوب هدف، ولا ننظر إلى غيرها، ممّا أُطلق نحو هدفٍ آخر.

 

في دفع اعتراضٍ على نموذج الانتضال:

قد يُقال: إنّ نموذج الانتضال نموذج مبسّط، يصلح للبحث الفقهيّ المتعلّق ببعض المسائل البسيطة، التي لا يحتاج تحديد محل النزاع فيها إلى بذل جهدٍ كبير، أما تلك المسائل المعقدة التي يخفى فيها وجه الحقِّ، فهذا الأنموذج لا يستوعبها.

فيُقالُ عندئذٍ: إنّ تحديد محلّ النزاع في واقعة الانتضال، لا يكون دائماً بهذا الوضوح، يدلّنا على ذلك لسان العرب الذي احتفظ لنا بكثيرٍ من المصطلحات المتعلقة بتفاصيل إصابة الهدف، أو الحيود عنه قليلاً، ممّا ينبّهنا إلى أنّ عمليّة رصد ثمرة المراماة بالسّهام، لا تخلو من بعض التّعقيد، ولنقرأ في ذلك بعض ما ورد من نصوصٍ في لسان العرب تُشير إليه، فالنص التالي يذكر لنا أربعة أنواعٍ من السّهام (الحابي والزاهق والخازق والخاسق)، أو هي أربعة صور من إصابة الهدف المنصوب في محلّ النزاع، يقول ابن منظور:

(والحَابِي مِنَ السِّهام: الَّذِي يَزْحَف إِلى الهَدَف إِذا رُمِيَ بِهِ. الْجَوْهَرِيُّ: حَبَا السهمُ إِذا زَلَجَ عَلَى الأَرض ثُمَّ أَصاب الهَدَف. وَيُقَالُ: رَمَى فأَحْبَى أَي وَقَعَ سهمُه دُونَ الغرَض ثُمَّ تَقافَزَ حَتَّى يُصِيبَ الْغَرَضَ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ حَابِياً خيرٌ مِنْ زاهِقٍ.

قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الحَابِي مِنَ السِّهَامِ هُوَ الَّذِي يَقَعُ دُونَ الهَدَف ثُمَّ يَزْحَفُ إِليه عَلَى الأَرض، يُقَالُ: حَبَا يَحْبُو، وإِن أَصاب الرُّقْعة فَهُوَ خازِقٌ وخاسِق، فإِن جَاوَزَ الهدَف وَوَقَعَ خلْفه فَهُوَ زاهِقٌ؛ أَراد أَن الحابِيَ، وإِن كَانَ ضَعِيفًا وَقَدْ أَصاب الهدَف، خَيْرٌ مِنَ الزَّاهِقِ الَّذِي جازَه بشدَّة مَرِّه وَقُوَّتِهِ وَلَمْ يُصِبِ الهدَف)[7]. وعموماً فقد جعل العربُ (لقوة الرمي وشدته أو لرخاوته وللمكان من إصابته الهدف درجاتٍ، هي الخاضل والخازق والخاسق والحابي والمارق والخارم والمزدلف. والخاضل هو الذي يصيب الهدف ولا يخدشه، والخازق الذى يخدشه ولا يثقبه، والخاسق الذي يثقبه ويثبت فيه، والحابي أن يدني الرامي يده من الأرض فيرمي سهمه فيمر على وجه الأرض فيصيب الهدف، والمارق الذي يمرق الهدف أي يثقبه وينفذ فيه، والخارم الذي يقطعه، والمزدلف الذي يسقط رميه بجوار الهدف ثم يعيد المحاولة فيصيب الهدف)[8].

والغالب أن يكون الغرض أو الهدف المنصوب، أو محلُّ النزاع ثابتاً، والغالب أن يكون قِربةً، ثمّ إنّ الانتضال قد يكون في سياقٍ واقعيٍّ، حيث يكون الهدف متحرّكاً في الغالب، سواءٌ كان حيواناً برّياً أو طائراً، وعندئذٍ تحتاج عمليّة تحرير محلّ النزاع، أو تحديد ما يتعلّق بمسألة إصابة السهم المحدد للهدف المعيّن، تحتاج إلى مزيد من الدقة والانتباه، كما ورد في حديث الخوارج: (ويَنْظُر فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً) (أَي: شَيْئًا مِنَ الدم يستدل به على الرَّمِيَّةِ وَيَسْتَبِينُهَا بِهِ)[9].

فالمقصود من هذا الاستطراد والتفصيل: أن نموذج الانتضال الذي نستخدمه لفهم مسألة تحرير محلّ النزاع، نموذجٌ غنيُّ يستوعب مختلف أنواع البحوث الفقهيّة، ما كان بسيطاً منها، وما كان معقداً.

في المقارنة بين نموذج الانتضال والمعنى الاصطلاحيّ لتحرير محلّ النزاع:

يُعرّف تحرير محلّ النزاع، عند العلماء بأنّه:

 (تحديد الأمور المتفَق عليها واستبعادها من ساحة النقاش، ثم وضع الإصبع على محل الخلاف ومناقشته بمفرده). كما يُعرّف بأنّه:

(تأصيلُ طرق الإلزام في المناظرة، وهو أن يُقال: قد اتفقنا على كذا وكذا، فلنحتجَّ على ما عدا ذلك)[10].

وهو في جوهره مشابه للتعريف الأول، لكنّه هنا يُذكر باعتباره من وسائل تأصيل طرق الإلزام في المناظرة بين الخصوم.

ويمكن قراءة كلا هذين التّعريفين ل"تحرير محلّ النزاع"، من منظار نموذج الانتضال، بأنّه:

"تحديد السّهام التي اتُّفق على أنّها أصابت الهدف، ليرتقي الخلاف بعد ذلك إلى مرتبةٍ أعلى يُقتصر على النظر فيها إلى السّهم أو السّهام التي اختُلف في إصابتها للهدف فقط".

(والمحصِّلةُ) كما يقول الباحث الشيخ أبو مريم: (أن المعنى الاصطلاحي يشترك مع المعنى اللغوي [أي مع نموذج الانتضال] في الدلالة: وهو تخليصُ موطن الخلاف المراد بحثُه عن غيره، فتحرير محل النزاع يُخرج من النزاع - في أية مسألة- ما ليس منها، ويستدعي إدخال ما ظُنَّ أنه كان خارجًا عنها والواقع أنه داخلٌ فيها)[11].

أركان مفهوم تحرير محلّ النزاع:

إنّ المعنى الاصطلاحي لـ "تحرير محلّ النزاع" لا يختلف كثيراً عن معناه اللّغويّ، كما يُبلوره نموذج الانتضال، حيث نجد أنّ كليهما يتكوّن من أربعة أركان: فاعلٍ وفعلٍ وأداةٍ ومحلٍّ:

1/ فالفاعل في نموذج الانتضال، هو الرماة النّازعون للسّهام، ويُقابلهم الفقهاء الّذين يوجهون أنظارهم ويُعملون أفكارهم من أجل الفهم.

2/ والفعل هو الرَّميُ، ويُقابله توجيه الفكر والنظر.

3/ والأداة هي السّهام، ويُقابلها الآراء والرؤى التي يُطلقها الفقهاء.

4/ والمحلُّ هو الغرض أو الهدف الذي تتوجّه إليه السّهام، وهو الموضوع الذي يوجه إليه الفقهاء أنظارهم.

والإطار الذي يجمع بين هذه العناصر الأربعة: لغويّاً هو ساحة الانتضال أو النزاع بين الخصوم، ويُقابلها في المفهوم الشرعي: دائرةُ الخلاف بين الفقهاء.

مفهوم دائرة الخلاف الفقهيّ:

كما رأينا فإنّ تحليل مفهوم "تحرير محلّ النزاع"، من خلال نموذج الانتضال، قد قادنا إلى مفهوم "دائرة الخلاف الفقهي" أو ساحة الانتضال.

أمّا أركان هذه الدائرة وعناصرها، فهي الأربعة المذكورة أعلاه.

وأمّا تصوير ما يجري في إطار هذه الدائرة، فهو ما سوف نحاولُه الآن من خلال المقارنة بين مفهومي "دائرة الخلاف الفقهي" و"ساحة الانتضال".

في ساحة الانتضال، ننظر إلى تلك الأركان الأربعة، ولا يهمُّنا الخلفيّة الاجتماعيّة أو الواقعيّة، المتعلّقة بها.

وكذلك في "دائرة الخلاف الفقهيّ"، ننظر إلى تلك الأركان الأربعة، ولا يهمُّنا الخلفيّة المتعلّقة بها.

ولكن ما هي حقيقة عملية الانتضال، وبالتالي ما هي حقيقة عملية الخلاف الفقهي؟

هذا السؤال سيكون بإذن الله موضوع النظر في الحلقة القادمة.

المراجع

[1] تاج العروس (22/ 238،239).

[2] مقاييس اللغة (5/ 415).

[3] مقاييس اللغة (5/ 415).

[4] لسان العرب (11/ 665).

[5] مقاييس اللغة (5/ 415).

[6] مجمع الأمثال (2/ 18). وقال صاحب "نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب" (ص: 731): (ومنه قولهم: "صار الأمر إلى النزعة"، إذا قام به أهل الإصلاح).

[7] لسان العرب (14/ 162).

[8] موقع رصيف، كيف كان يلعب العرب قديماً؟ محمد شعبان،

https://raseef22.com/life/2016/12/02/%D9%83%D9%8A%D9%.

[9] لسان العرب (4/ 68).

[10] "التحرير والتنوير"، لابن عاشور، تفسير سورة العنكبوت، آية 49.

[11] "تحرير محل النزاع.. حتى نضيق هوة الخلاف"، أبو مريم محمد الجريتلي، موقع الألوكة: www.alukah.net/culture/0/9568/.

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حدود مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف* (4)
مراعاة شروط الواقف الصحيحة
النفقة على الأولاد*
لما كان الأولاد بحاجة إلى النفقة، لأنهم ينشأون ولا مال لهم في الغالب، كان الأب مسؤولًا عن الإنفاق عليهم، وذلك بتوفير كل ما يحتاجون إليه عادة من غذاء وكساء ودواء ومأوى. وسنتناول في هذا البحث مسألتين رئيستين:
مَرَاتِبُ الْغِذَاءِ
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى ومراتب الغذاء ثلاثة:
12345678
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م