الاستقامة على الدين
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1439/12/22 الموافق 2018/09/02 - 04:52 م

عن أبي عمرة قال: قلت: يارسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم"[1]  

عمرة تأنيث عمرو، ومنه عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير، وعمرة بنت عبد الرحمن التي تروي عن عائشة. وسفيان مثلث السين.

وقوله: "قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك" أي: قولًا لا احتاج معه إلى سؤال غيرك.

وقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم" هذا مقتضب من قوله عزَّ وجلَّ {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سورة فصلت الآية: 20] فقوله: "آمنت بالله" هو بمعنى قوله {رَبُّنَا اللَّهُ} إذ لا يعتقد ربوبيته إلا من آمن به.

وهذا على اختصاره من أجمع الأحاديث لأصول الإسلام، إذ الإسلام توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل بقوله: "آمنت بالله" والطاعة حاصلة بجميع أنواعها في ضمن قوله: "استقم" لأن الاستقامة هي امتثال كل مأمور، واجتناب كل محظور، وذلك يدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان. [2]

وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ إِنَّمَا أَرَادَ التَّوْحِيدَ الْكَامِلَ الَّذِي يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يُطَاعُ، فَلَا يُعْصَى خَشْيَةً وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَمَحَبَّةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا وَدُعَاءً، وَالْمَعَاصِي كُلُّهَا قَادِحَةٌ فِي هَذَا التَّوْحِيدِ، لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَاعِي الْهَوَى وَهُوَ الشَّيْطَانُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ، فَهَذَا يُنَافِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى التَّوْحِيدِ.[3]

وَالِاسْتِقَامَةُ: هِيَ سُلُوكُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَنْهُ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ فِعْلَ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا، الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ كُلِّهَا كَذَلِكَ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ جَامِعَةً لِخِصَالِ الدِّينِ كُلِّهَا.

وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي الِاسْتِقَامَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، فَيُجْبَرُ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ، فَهُوَ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ " «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» ". وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّاسَ لَنْ يُطِيقُوا الِاسْتِقَامَةَ حَقَّ الِاسْتِقَامَةِ، كَمَا خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ»

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» .

فَالسَّدَادُ: هُوَ حَقِيقَةُ الِاسْتِقَامَةِ، وَهُوَ الْإِصَابَةُ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْمَقَاصِدِ، كَالَّذِي يَرْمِي إِلَى غَرَضٍ، فَيُصِيبُهُ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ السَّدَادَ وَالْهُدَى، وَقَالَ لَهُ: «اذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ، وَبِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ» .

وَالْمُقَارَبَةُ: أَنْ يُصِيبَ مَا قَرُبَ مِنَ الْغَرَضِ إِذَا لَمْ يُصِبِ الْغَرَضَ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُصَمِّمًا عَلَى قَصْدِ السَّدَادِ وَإِصَابَةِ الْغَرَضِ، فَتَكُونُ مُقَارَبَتُهُ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ حُزْنٍ الْكُلَفِيِّ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تَعْمَلُوا - أَوْ لَنْ تُطِيقُوا - كُلَّ مَا أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا» وَالْمَعْنَى: اقْصِدُوا التَّسْدِيدَ وَالْإِصَابَةَ وَالِاسْتِقَامَةَ، فَإِنَّهُمْ لَوْ سَدَّدُوا فِي الْعَمَلِ كُلِّهِ، لَكَانُوا قَدْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ كُلِّهِ.[4]

كما أنه  يدل على ضرورة تمسك المسلم بجانبي الدين: الإيمان والعمل، ضرورة أن يكون المرء مؤمناً متفهماً لمعاني إيمانه متفهماً لما يتطلبه إيمانه من عمل وربما وقع كثير من الناس في الإرجاء من غير قصد باعتقادهم الإيمان في نفوسهم من دون أن يشمروا ساعد الجدل في العمل فالإسلام دين للحياة بل هو نظام شامل للحياة لم يدع زاوية من حياة البشر إلا أنارها بحكم شرعي أو قاعدة شرعية أو تصور شرعي مايملي على المسلم الصادق أن يكون جاداً في إقامة دينه في نفسه ثم أسرته ثم في محيطه ثم مجتمعه ثم لينطلق بعد ذلك نحو آفاق العالم الرحبة مبشراً بهذا الدين ومن الجلي أن الأمر لا يقتصر بالاستقامة على العبادات بل يمتد إلى المعاملات والى الدعوة وإلى سائر مناشط الإنسان وعمله اليومي حتى راحته ينبغي أن تكون على وفق التصور الشرعي فكيف الحال بشغله ونشاطه لابد من أن يستقيم كل ذلك على أساس الرؤية الشرعية للحياة فهي استقامة على الحق مع الله تعالى مع النفس ومع الآخرين.[5] 

المراجع

[1] صحيح مسلم 2/8

[2] التعين في شرح الأربعين ص170

[3] جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط 509

 [4] جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط 511

 [5]   القيم الحضارية في السنة النبوية المطهرة ص 292

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
أدب التعامل مع الزوجات*
إن صمام الأمان في الأسرة هو الزوج، فعلى قدر حزمه وقدرته على إدارة شئون البيت وعدالته في التعامل مع الزوجات، ومراقبته لله في دلك كله، أقول على قدر ذلك يكون استقرار الأمور وسلامة الأسرة من العواصف المدمرة التي تتناوش الأسر من هنا وهناك.
حدود مسؤولية الدولة في حماية الأوقاف* (4)
مراعاة شروط الواقف الصحيحة
النفقة على الأولاد*
لما كان الأولاد بحاجة إلى النفقة، لأنهم ينشأون ولا مال لهم في الغالب، كان الأب مسؤولًا عن الإنفاق عليهم، وذلك بتوفير كل ما يحتاجون إليه عادة من غذاء وكساء ودواء ومأوى. وسنتناول في هذا البحث مسألتين رئيستين:
12345678
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م