في منهجيّة الاستقامة عقب مواسم العمل الصّالح
|
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي
أضيف فى 1439/12/18 الموافق 2018/08/29 - 08:31 ص

 

 

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعدُ،

فقد كان كلُّ مسلمٍ وفّقه اللهُ، وكانت الأمّة المسلمة كلّها، تتفيَّأُ ظلال موسم الرحمة، موسم الحج ّالمبارك، وتستروحُ أريجَ نسائمه العطرة، إمّا من خلال حجِّ بيت الله الحرام، أو من خلال الإكثار من الأعمال الصّالحة، في أيّام عشر ذي الحجّة، والاكتفاء بإرسال أفئدتهم مع وفود الحجيج في رحلتهم المباركة، وذلك كلُّه سيراً على نهج الاستقامة ومنهجها الذي يقوم على أساس قاعدة الإيمان، كما أصّلهُ الرّسول -صلى الله عليه وسلم- في جوابه لسفيان بن عبد الله الثّقفيّ -رضي الله عنه- إذ سأله: يَا رَسُولَ اللهِ , قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ؟ فَقَالَ له: ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ , ثُمَّ اسْتَقِمْ))[1].

ومنهج الاستقامة الشّرعيّ، كما تتضمّنه نصوصُ الوحيين من القرآن والسّنة المطهرة، يهدف إلى غايةٍ كبرى، وهي أن يأتيَ المرءُ ربّه يوم القيامة بقلبٍ سليم، كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88، 89]، ومنهج الاستقامة يقتضي من المسلم حتّى يحقّق هذه الغاية الكبرى: أن يكون متيقّظاً في كلّ أحواله وأوقاته ما  استطاع إلى ذلك سبيلاً، خاصّةً في بعض الأوقات التي تتميّز بميزةٍ خاصّة، وذلك مثل هذه الأوقات التي تعيشُها الأمّة الآنَ، ويعيشُها كلُّ فردٍ موفَّقٍ من أفرادها، وهي فترة ما بعد الحجّ وما بعد عشر ذي الحجّة، التي تتميّزُ بأنّ عبوديّة المرء فيها تكون قد بلغت إلى قمةٍ عليا من النّشاط الإنسانيّ، عبوديّة وتقرّباً إلى الله عزّ وجلّ، وعندئذٍ فإنّه عُرضةٌ للسُّقوط من تلك القمّة، إذا لم يتدارك نفسه، إذ ليس بعد الكمال البشريِّ إلا النقصُ، ولهذا ورد في دعاء النبيّ -صلى الله عليه وسلم- الاستعاذةُ من ((الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ))[2]، أو كما في روايةٍ أخرى: من ((الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْن))[3].

معنى الاستعاذة من الحور بعد الكور أو الكون:

 في بيان معنى الاستعاذة من الحور بعد الكور، قال الإمام النّوويُّ:

 (ويُقال:

هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطّاعة إلى المعصية.

ومعناه: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، هذا كلام الترمذي.

وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعاً الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص.

قالوا:

ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو لفُّها وجمعها.

ورواية النون مأخوذة من السكون مصدر كان يكون كونا، إذا وُجد واستقرّ، قال المازري في رواية الراء: قيل أيضاً معناه: أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها)[4].

قال القاضي عياض:

(وقيل: يجوز أن يكون أراد بذلك: أعوذُ بك أن تفسُد أمورُنا وتنتقض بعد صلاحها، كنقض العمامة بعد استقامتها على الرأس.

ومن رواه: " بعد الكون " بالنون فقال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه، فقال: ألم تسمع إلى قولهم: حار، بعد ما كان يقول: إنه كان على حالة جميلة فمال عن ذلك، أي رجع قال الله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ لَّن لن يَحُورَ} أى لن يرجع. والحور: الرجوع)[5].

ما بين صدأ القلوب وكلالها:

والمرء إنّما يسير إلى ربّه بقلبه،  ينبغي أن نُميّز الحالة التي يُعانيها المسلم الموفّق والحاجّ، في هذه الأيام، فهذه الحالة التي يُعانيها ليست هي ذلك الصدأ الذي يتراكم على القلب، من طول الجفاء وقلة الاجتهاد في العبادة، وهو الّذي ورد في الحديث الشريف، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ هذه القلوبَ تَصْدَأ، كما يصدأُ الحديدُ إذا أصابَه الماءُ. قيل: وما جِلاؤها؟ قال: كثرةَ ذِكرِ الموتِ، وتلاوة القرآنِ)[6]. ورغم نكارة سند الحديث وضعفه، إلا أن معناه صحيحٌ، يتأيد بقول الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، قال الراغب الأصفهانيّ: (الرَّيْنُ: صدأ يعلو الشيء الجليّ، قال: {بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ} [المطففين/ 14] ، أي: صار ذلك كصدإ على جلاء قلوبهم، فعمي عليهم معرفة الخير من الشرّ، قال الشاعر:

قد رَانَ النّعاس بهم

وقد رِينَ على قلبه)[7].

أقول: إنّ العِلّة التي يُعانيها الحاجُّ، في هذه المرحلة ليست هي صدأ القلوب، وما يقتضيه من الاجتهاد في جلائها بالذكر وتلاوة القرآن، وإنّما تتمثّل العلّة في الملل والكلل والفتور، وهو ما يتضمّنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم-: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»[8].

نعم، فإنّ الحاجّ عبر مسيرة حجّه، قد بذل جهداً بدنيًّا شاقّاً، وخاصّةً إن كان ممّن اختاروا أن يؤدوا جميع المناسك سيراً على الأقدام، فهؤلاء تكون نفوسهم قد تشبّعت، وبلغوا الغايةَ من التّعب والفتور، فحريٌّ بهم عندئذٍ أن ينتبهوا، حتّى لا يقعوا في دائرة الحوْر بعد الكور.

فطوبى لمن كانت فترته إلى الله ورسوله:

إذن، فحالة القلبِ في هذه المرحلة من الاجتهاد في العبوديّة، تستلزم من العبد أن ينتبه، حتى لا يقع في حبائل الشيطان، فينتهز حالة الفتور التي ترين على البدن والنّفس عند بلوغ الغاية من التّعبد، فعلى العابد عند أول شعوره بدبيب الفتور يسري في روحه، أن يكون منتبهاً، حتّى لا يُصاب بنوعٍ من الانتكاس، وينقض بيده ما عقده من عقود الإيمان.

وقد نبّه الرّسول -صلى الله عليه وسلم- إلى منهجيّة التّعامل مع هذه الحالة المتوقّعة من الفتور حالة الفتور هذه، ضمن وصيّته لعبد الله بن عمرو، قائلاً له:

((فَإِنَّ لِكُلِّ عَابِدٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ، فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))[9]، أي: إنّ كلّ مجتهدٍ في العبادة، فإنّ لاجتهاده أمداً أقصى وذروةً عليا للنّشاط لا يتعدّاها، إلا وقد سقط في الملل والفتور،

ينقص يُروِّح عن نفسه قليلاً.

قال ابن القيّم: (وَالسَّلَفُ يَذْكُرُونَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ كَثِيرًا - وَهُمَا الِاقْتِصَادُ فِي الْأَعْمَالِ، وَالِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ - فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَشُمُّ قَلْبَ الْعَبْدِ وَيَخْتَبِرُهُ. فَإِنْ رَأَى فِيهِ دَاعِيَةً لِلْبِدْعَةِ، وَإِعْرَاضًا عَنْ كَمَالِ الِانْقِيَادِ لِلسُّنَّةِ: أَخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِصَامِ بِهَا. وَإِنْ رَأَى فِيهِ حِرْصًا عَلَى السُّنَّةِ، وَشِدَّةَ طَلَبِ لَهَا: لَمْ يَظْفَرْ بِهِ مِنْ بَابِ اقْتِطَاعِهِ عَنْهَا، فَأَمَرَهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْجَوْرِ عَلَى النَّفْسِ، وَمُجَاوَزَةِ حَدِّ الِاقْتِصَادِ فِيهَا، قَائِلًا لَهُ: إِنَّ هَذَا خَيْرٌ وَطَاعَةٌ. وَالزِّيَادَةُ وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا أَكْمَلُ. فَلَا تَفْتُرْ مَعَ أَهْلِ الْفُتُورِ. وَلَا تَنَمْ مَعَ أَهْلِ النَّوْمِ، فَلَا يَزَالُ يَحُثُّهُ وَيُحَرِّضُهُ، حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنِ الِاقْتِصَادِ فِيهَا، فَيَخْرُجَ عَنْ حَدِّهَا. كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ خَارِجُ هَذَا الْحَدِّ. فَكَذَا هَذَا الْآخَرُ خَارِجٌ عَنِ الْحَدِّ الْآخَرِ)[10].

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 122)

فَتَخَلُّلُ الْفَتَرَاتِ لِلسَّالِكِينَ: أَمْرٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ. فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى مُقَارَبَةٍ وَتَسْدِيدٍ، وَلَمْ تُخْرِجْهُ مِنْ فَرْضٍ، وَلَمْ تُدْخِلْهُ فِي مُحَرَّمٍ: رَجَا لَهُ أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا. فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَخُذُوهَا بِالنَّوَافِلِ. وَإِنْ أَدْبَرَتْ فَأَلْزِمُوهَا الْفَرَائِضَ.

وَفِي هَذِهِ الْفَتَرَاتِ وَالْغُيُومِ وَالْحُجُبِ، الَّتِي تَعْرِضُ لِلسَّالِكِينَ: مِنَ الْحِكَمِ مَا لَا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ.

فَالْكَاذِبُ: يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَيَعُودُ إِلَى رُسُومِ طَبِيعَتِهِ وَهَوَاهُ.

وَالصَّادِقُ: يَنْتَظِرُ الْفَرَجَ. وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. وَيُلْقِي نَفْسَهُ بِالْبَابِ طَرِيحًا ذَلِيلًا مِسْكِينًا مُسْتَكِينًا، كَالْإِنَاءِ الْفَارِغِ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ، يَنْتَظِرُ أَنْ يَضَعَ فِيهِ مَالِكُ الْإِنَاءِ وَصَانِعُهُ مَا يَصْلُحُ لَهُ، لَا بِسَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الِافْتِقَارُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ - لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مِنْكَ. بَلْ هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْكَ بِهِ. وَجَرَّدَكَ مِنْكَ. وَأَخْلَاكَ عَنْكَ. وَهُوَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.

فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ أَقَامَكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْحَمَكَ وَيَمْلَأَ إِنَاءَكَ، فَإِنْ وَضَعْتَ الْقَلْبَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَلْبٌ مُضَيِّعٌ. فَسَلْ رَبَّهُ وَمَنْ هُوَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ: أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْكَ وَيَجْمَعَ شَمْلَكَ بِهِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

إِذَا مَا وَضَعْتَ الْقَلْبَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ... بِغَيْرِ إِنَاءٍ فَهُوَ قَلْبٌ مُضَيِّعُ

المراجع

[1] رواه مسلم (38).

[2] رواه مسلم (1343).

[3] قال النووي في شرحه على مسلم (9/ 111): (كلاهما روايتان).

[4] شرح النووي على مسلم (9/ 111).

[5] إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 453).

[6] أخرجه ابن عدي في "الكامل " (1/258) وابن الجوزي في "العلل" (2/347) وأبو نعيم في "الحلية" (8/197)، والبيهقي في "شعب الإيمان". (2/352/2014 - لبنان) وغيرهم، أورده الألباني في السلسلة الضعيفة (6096).

[7] المفردات في غريب القرآن (ص: 373).

[8] رواه البخاري (5861) ومسلم (782).

[9] مسند أحمد ط الرسالة (11/ 9)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2850).

[10] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 108).

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
البحوث الإسلامية يحذر من فعل شائع وصفه رسول الله بالخيانة الكبرى
قال مجمع البحوث الإسلامية، إنه فيما ورد عن رسول الله– صلى الله عليه وسلم-، إن هناك فعلا شائعا بين الكثير من الناس، وصفه النبي– صلى الله عليه وسلم- بأنه خيانة كبرى.
السويد.. متطرفون يحرضون على حرق مساجد
طبعت مجموعة من العنصريين في السويد، أمس الأحد، عبارات عنصرية على قمصان، تحرض على إحراق المساجد.
السجن لثلاثة أشخاص خططوا لتفجير مسجد في كانساس الأمريكية
أصدر قاضٍ فدرالي أمريكي أحكاما بالسجن على 3 أشخاص، لإدانتهم بالتخطيط لتفجير مسجد في ولاية كانساس عام 2016.
أهمية الاجتماعات بين الجيران
من الأمور المعينة على القيام بحق الجار ـ وبخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الشواغل والصوارف والمغريات
مراتب حق الجار
حق الجار على ثلاث مراتب: أدناها كف الأذى عنه، ثم احتمال الأذى منه، وأعلاها وأكملها: إكرامه والإحسان إليه.
الإحسان إلى الجار
فأوصى بالإحسان إلى الجيران كلهم، قريبهم وبعيدهم، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. كلٌ بحسب قربه وحاجته وما يصلح لمثله .
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م