انتبه من الحسد أيّها الطَّالب فإنّه آفة (1).
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/11/11 الموافق 2018/07/24 - 04:57 م

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:

فالعلم شرف ونور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده, والفقه والفهم فضل من الله يمنحه من أراد به خيرًا من مخلوقاته؛ لأسباب كثيرة؛ منها تقوى الله تعالى, يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم}[1], ومنها: اجتناب المعاصي والآثام, ولقد أحسن الإمام الشّافعي حيث قال:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني  بأن  العلم  نور ***  ونور  الله  لا  يُهدى  لعاصي.

وقال ابن جماعة: القلب المظلم المشحون بالذنوب لا يستطيع استقبال الملائكة، ولا يبقى فيه مكان للعلم الذي هو نور يقذفه الله في قلوب من أراد[2].

فإذا وجد طالب العلم الشرعي في أخيه ذكاء وفطنة وإتقانًا, فالواجب عليه شكر الله تبارك وتعالى على ما أنعم على أخيه, وأن يدعوه تعالى ويطلب منه مثله؛ بل الأفضل من ذلك, ولا يتمنى زوال هذه النعمة من أخيه, فإذا أحسّ بذلك, وأصبح يتمنى زوال ما أنعم الله على أخيه, فذلك المحبط للعمل؛ الحسد, فعليه أن يتنبه لذلك, ويحذر منه, ويستعيذ برب العالمين منه.

يقول العلامة السّدحان: هذه القضية – يعني الحسد – هي في الحقيقة آفة من آفات العلم, بل إن شئت فقل: إنها تمحق بركة العلم, ولقد أجاد السلف وأسهبوا وأطالوا الكلام عليها, وهذه القضية إذا تمكنت من طالب العلم فإنها تفسد عليه آخرته, وكلما كان متوغلا فيها كان الضرر العائد عليه أعظم وأكبر, وهي تنغّص على طالب العلم طلبه للعلم, وتعكّر عليه حفظه وحضوره واستيعابه لما يسمع من العلم, وهذه القضية لا يسلم منها مجتمع؛ لكن يختلف الناس فيها؛ فمستقل ومستكثر[3].

والحسد كما قال فضيلته: يحبط العمل, ويمحق بركة العلم, وهو آفة ورذيلة, يجب على طالب العلم اجتنابه, والحذر منه.

وإن كان – كما قال العلامة السدحان – قضيّة لا يسلم منها مجتمع؛ لكن يختلف الناس فيها؛ فمستقل ومستكثر؛ وذلك لأن الإنسان ضعيف الطبع, تعتريه آفات كثيرة: آفة الحسد, وبخاصة بين الأقران, وبخاصة في طلبة العلم؛ فيحاول الطالب أن يكون من المستقلين, المعتصمين بعصمة الله تعالى, المستعيذين بالله في كل وقت من شرّه وفساده.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحسد مرض من أمراض النفس؛ وهو مرض غالب, فلا يخلص منه إلا قليل من الناس ولهذا يقال: ما خلا جسد من حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه[4].

وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ فقال ما أنساك إخوة يوسف لا أبا لك, ولكن عمه في صدرك, فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا[5].

 وقال الذهبي: ما خلا مجتمع من التغاير والتحاسد, إلا ما كان في جانب الأنبياء والرسل عليهم السلام[6].

الأدلة الواردة في ذم الحسد:

ورد في ذم الحسد أدلة كثيرة؛ نذكر منها ما يلي:

الدليل الأول: قول الله تعالى: {ومن شرّ حاسد إذا حسد}[7].

الدليل الثاني: قول الله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما}[8].

الدليل الثالث: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه؛ من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه, أنّ جبريل أتى النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: «يا محمّد اشتكيت؟» فقال: «نعم» . قال: «باسم الله أرقيك, من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك»[9].

الدليل الرابع: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه؛ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما, عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أنّه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والروم أيّ قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله,  قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أو غير ذلك, تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون، ثمّ تتباغضون، أو نحو ذلك، ثمّ تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض»[10].

الدليل الخامس: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا، ولا تنافسوا, ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا»[11].

من مخاطر الحسد:

الأول: أن في الحسد اعتراضًا على قضاء الله وقدره.

وجه كون الحاسد معترضًا على قضاء الله وقدره؛ هو أنّ الحاسد عندما يتمنى زوال ما أنعم الله تعالى على عبده, ويريد أن تكون له تلك النعمة, فهو يعترض بلسان الحال – وقد يكون بلسان المقال – على قضاء الله وقدره. قال الكحلاني في سبل السلام: ووجه تحريم الحسد مع ما علم من الأحاديث أنه تسخط لقدر الله تعالى وحكمته في تفضيل بعض عباده على بعض[12].

ولقد أحسن الشاعر حيث قال:

ألا قل لمن كان لي حاسدا *** أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في فعله ***  لأنك  لم ترض  لي   ما وهب[13].

الثَّاني: أن الحسد يورث القلب قسوة.

قال العلامة السّدحان: وهذه الآفة تزيد القلب قسوة, وتزيد العبد بعدًا عن توخي الخير, ولو أننا فتحنا باب المناصحة على مصراعيه, وطلبنا النصيحة من أقراننا وإخواننا, لكفينا شر تلك الآفة, ولهذا يقول الأحنف بن قيس: العتاب خير من الحقد, فلو أن كل واحد منا رأى على أخيه تقصيرا – وبخاصة من طلبة العلم – فسارع بنصحه والدعاء له, وعدم قبول التجريح به وهمزه ولمزه, لصلُحت كثير من أمورنا, لكن النفس تدفع صاحبها إلى التعالي إن لم يأطرها صاحبها ويزمها بزمام التقى والورع[14].

وللحسد علامات ومقدّمات, وهذه العلامات والمقدمات تقلّ وتكثر بحسب قوّة الحسد وضعفه؛ فإذا أحسّ الطّالب بشيء من تلك العلامات التي سنذكرها – بإذن الله تعالى – فليستعن بالله من شرّه, وليستعذ به من جرمه.

كما أنّ للحسد علاجا ودواء, نذكره وعلاماتِ الحسد في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى, وإلى ذلك الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه, والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع

[1]  سورة البقرة: 282.

[2]  منطلقات طالب العلم, لأبي العلاء السلفي ص: 271.

[3]  معالم في طريق طلب العلم للسدحان ص: 95.

[4]  مجموع الفتاوى 10/124-125.

[5]  المصدر السّابق.

[6]  معالم في طريق طلب العلم ص: 96.

[7]  سورة الفلق: 5.

[8]  سورة النساء: 54.

[9]  صحيح مسلم 4/1718 برقم 2186 كتاب السلام/ باب الطب والمرض والرقى.

[10]  صحيح مسلم 4/2274 برقم 2962 كتاب الزهد والرقائق.

[11]  صحيح البخاري 8/19 برقم 6064 كتاب الأدب/ باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر. صحيح مسلم 4/1985 برقم 2563 كتاب البر والصلة والآداب/ باب تحريم الظن، والتجسس، والتنافس، والتناجش ونحوها

[12]  سبل السلام 2/655.

[13]  المصدر السّابق.

[14]  معالم في طريق طلب العلم للسدحان ص: 97.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م