ضوابط الأخذ بالرّخص الفقهيّة.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/11/04 الموافق 2018/07/17 - 05:22 م

 

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإنّ الفقهاء – رحمهم الله تعالى – يجتهدون في كثير من المسائل الفقهيّة المطلقة؛ والتي لا يوجد نصّ صريح في بيان أحكامها؛ فيفتون بإباحة ما تحقق فيها مصالح معتبرة شرعًا, وبحرمة ما كانت مفاسدها مساوية لمصالحها, أو أكثر منها, أو يوجد أصل أو قاعدة شرعيّة معتبرة تعارضها؛ غير أن للأخذ بالرخص الفقهيّة ضوابط لا يتفطّن إليها إلا الأخيار, ولا يعرفها إلا ذو الاختصاص؛ فنريد في هذا الصدد الإفادة بضوابط الأخذ بهذه الرّخص الفقهيّة؛ إذ الأخذ بها ليس جائزًا مطلقًا؛ بل مقيّد بشروط وضوابط لا بدّ من توفّرها قبل الإقدام عليها؛ وعدم توفّرها يؤدّي إلى التّلفيق الممنوع.

وممّا يحسن التّنبيه عليه قبل عرض هذه الضّوابط هو الإشارة إلى أنّ الرخص الفقهيّة تختلف عن الرّخص الشّرعية؛ ويتبيّن ما بينهما من الفروق بالتّعريف بهما؛ ولذلك نفتتح هذه الحلقة بذلك فنقول وبالله التّوفيق:

أوّلا: الرخصة الشرعية.

فالرخصة الشرعية: هي ما شرع من الأحكام لعذر؛ تخفيفا عن المكلفين، مع قيام السبب الموجب للحكم الأصلي.

ولا خلاف في مشروعية الأخذ بالرخص الشرعية؛ لكن الأخذ بها أيضًا ليست مطلقة؛ بل لا بدّ من توفّر أمور من أهمها ما يلي:

الأمر الأوّل: وجود أسبابها، بشرط التحقق من دواعيها.

الأمر الثَّاني: الاقتصار على المواضع التي يحتاج فيها إلى الرّخص الشرعية.

الأمر الثَّالث: مراعاة الضوابط الشرعية المقررة للأخذ بها.

ثانيًا: الرخص الفقهية.

فالرخص الفقهية: هي ما جاءت من الاجتهادات المذهبية؛ مبيحة لأمر في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره. فهذا محلّ حديثنا في هذه الحلقة؛ والأخذ بها - بمعنى اتباع ما هو أخف من أقوالهم - جائز شرعا عند توفر الضوابط والشروط التي سنذكرها.

ثالثًا: الرخص في القضايا العامة تعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محققة لمصلحة معتبرة شرعا، وصادرة عن اجتهاد جماعي؛ ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار, ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية.

رابعًا: ضوابط الأخذ بالرّخص الفقهيّة:

الضّابط الأوّل: أن لا يكون الأخذ بها لمجرد الهوى؛ لأن ذلك يؤدي إلى التحلل من التكليف.

الضَّابط الثاني: أن تكون أقوال الفقهاء التي يترخص بها معتبرة شرعا, ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال.

الضَّابط الثالث: أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة؛ دفعا للمشقة, سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع, أم خاصة, أم فردية.

الضَّابط الرّابع: أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.

الضّابط الخامس: ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع؛ وحقيقة التلفيق في تقليد المذاهب: هي أن يأتي المقلد في مسألة واحدة ذات فرعين مترابطين فأكثر بكيفية لا يقول بها مجتهد ممن قلدهم في تلك المسألة.

ويكون التلفيق ممنوعا في الأحوال التالية:

الأولى: إذا أدى إلى الأخذ بالرخص لمجرد الهوى، أو الإخلال بأحد الضوابط المبينة في مسألة الأخذ بالرخص.

الثَّانية: إذا أدى إلى نقض حكم القضاء.

الثَّالثة: إذا أدى إلى نقض ما عمل به تقليدا في واقعة واحدة.

الرّابعة: إذا أدى إلى مخالفة الإجماع أو ما يستلزمه.

الخامسة: إذا أدى إلى حالة مركبة لا يقرها أحد من المجتهدين. 

الضّابط السَّادس: ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.

الضَّابط السّابع: أن تطمئن نفس المترخص للأخذ بالرخصة 1

هذا, وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

الهوامش

1-  ينظر هذه الضوابط في: مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (8/1757) بنوع من التّصرّف.

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
مؤتمر إسلامي في مكة يحذر من تصدير الفتاوى خارج نطاقها الجغرافي
قال المؤتمر الإسلامي العالمي للوحدة الإسلامية إن لكل جهة أحوالها وأعرافها الخاصة بها التي تختلف بها الفتاوى والأحكام، داعيا إلى قصر العمل الموضوعي المتعلق بالشؤون الدينية الرسمية لكل دولة على جغرافيتها المكانية دون التدخل في شؤون غيرها.
وفاة الشيخ "العجلان" بعد أن أمضى 25 عامًا مدرسًا بالمسجد الحرام
توفي مساء أمس الثلاثاء، الشيخ محمد بن عبدالله العجلان المدرس في المسجد الحرام عن عمر يناهز الـ 80 عامًا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
(بالفيديو)«المنيع»: إجراء عمليات التجميل غير جائز إلا في حالة واحدة
أفتى عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المنيع بعدم جواز إجراء عمليات التجميل دون وجود حاجة ماسة أو سبب ضروري لها، لافتاً إلى أن ذلك يعد نوعاً من تغيير خلق الله.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م