الوقف على المؤسّسات الخيريّة العصريّة الغير مسلمة (2).
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/10/27 الموافق 2018/07/11 - 05:09 م

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمّد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

فلقد أسلفنا في الحلقة الماضيّة أنّ اهتمام الكفَّار في العصر الرّاهن بالدّعم في المؤسّسات الخيريّة لا يقلّ عن اهتمام المسلمين بالأوقاف الشّرعيّة الخيرية؛ وهذه المؤسّسات الخيرية - كما هو معلوم - منها ما تخدم الهدف الظَّاهر من نشاطها فحسب؛ بمعنى أنّها لا تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات, ومن هذه المؤسّسات ما تخدم أهدافا أخرى غير مباشرة من خلال نشاطها؛ بمعنى أنّها تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات.

كما سبقت الإشارة إلى أنّ تفصيل الأحكام الشّرعيّة المتعلّقة بالوقف في هذه المؤسسات يتمّ بتقسيم المسألة إلى مباحث؛ وتمّ تقسيمها إلى ستّة مباحث؛ سبق الحديث عن ثلاثة منها في الحلقة الماضية؛ وهي من حيث الجملة كالتّالية:

المبحث الأوّل: المقصود بإطلاق وصف الخيريّة على هذه المؤسّسات.

المبحث الثَّاني: أصناف المؤسّسات الخيريّة الكافرة.

المبحث الثَّالث: حكم الوقف على المؤسّسات التي تشتمل أنشتطها على محرّمات.

وفي هذه الحلقة يستمرّ حديثنا مع هذا العنوان؛ بتناول المبحث الرّابع من مباحثه الثلاثة الباقية؛ وفي ذلك نقول وبالله التّوفيق:

المبحث الرّابع: حكم الوقف على المؤسّسات التي تصرف في جهة الحربيّين, أو تصرف على أشخاص معيَّنين منهم.

أوّلاً: الوقف على المؤسّسات التي تصرف في جهة الحربيّين.

نقول وبالله التوفيق: لا خلاف بين أهل العلم في حرمة وبطلان الوقف على المؤسّسات التي تصرف في جهة الحربيّين.

في الدر المختار: ولا يصح وقف مسلم أو ذمي على بيعة أو حربي؛ لأنا قد نهينا عن برّهم, قيل: أو مجوسي[1].

وقال الخرشي المالكي: الوقف على الحربي باطل، وكذلك الصدقة والوصية له باطلة عكس الذمي؛ لأن ذلك إعانة له على حربه, والمراد بالحربي: من كان بدار الحرب؛ كان متصديا للحرب أم لا[2].

وفي المجموع: لا يجوز الوقف على المرتد والحربي؛ لأن القصد بالوقف نفع الموقوف عليه، والمرتد والحربي مأمور بقتلهما فلا معنى للوقف عليهما[3].

وفي حاشية الشرواني: نص المصنف في نكت التنبيه الخلاف بقوله: وقفت على زيد الحربي أو المرتد كما يشير إليه كلام الكتاب، أما إذا وقف على الحربيين أو المرتدين فلا يصح قطعا[4].

وفي مطالب أولى النهى: ولا يصح الوقف على حربي أو على مرتد؛ لأن ملكه تجوز إزالته، والوقف يجب أن يكون لازما، ولأن إتلاف أنفسهما والتضييق عليهما واجب؛ فلا يجوز فعل ما يكون سببا لبقائهما والتوسعة عليهما[5].

تعليلاتهم على الحرمة والبطلان:

التعليل الأوّل: أن أموال الحربيين مباحة في الأصل؛ ويجوز أخذها بالقهر والغلبة والسيطرة, فما يتجدّد لهم أولى[6].

التعليل الثاني:  أن الوقف على الحربي معصية, ولا يصح الوقف في المعاصي؛ إضافة إلى ما فيه من إعانته على حربه[7].

التعليل الثّالث: أن إتلاف أنفس الحربي والمرتد والتضييق عليهما واجب؛ فلا يجوز فعل ما يكون سببا لبقائهما والتوسعة عليهما[8].

ثانيًا: الوقف على المؤسّسات التي تصرف على أشخاص معيَّنين من الحربيّين.

نقول وبالله التّوفيق: اختلف الفقهاء في الوقف على أشخاص معيَّنين من الحربيّين؛ ولهم في ذلك قولان:

القول الأوّل: حرمة وبطلان الوقف عليهم. وعلى هذا القول الحنفيّة, والمالكيّة, والشّافعيّة في الأصح, والحنابلة[9].

في التوضيح: لا تجوز الوصية للحربي؛ لأن في ذلك قوة لهم على حربهم، ولا فرق في ذلك بين الوصية والحبس[10].

وقال النووي: ولا يصح الوقف على الحربي والمرتد على الأصح؛ لأنهما لا دوام لهما[11].

وفي الشرح الكبير: ولا يصح الوقف على حربي ولا مرتد؛ لأن أموالهم مباحة في الأصل تجوز إزالتها فما يتجدد لهم أولى, والوقف يجب أن يكون لازما؛ لأنه تحبيس الأصل[12].

وفي الروض المربع: فيصح الوقف على كافر معين غير حربي[13].

الأدلة:

الدّليل الأوّل: قول الله تبارك وتعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم}[14]. فاقتضت الآية: أن الذين قاتلونا لا يجوز لنا أن نبرهم[15].

الدّليل الثّاني: أن الحربي مأمور بقتله, فلا معنى للوقف عليه, ولا يجوز إيصال المنفعة إليه, ولا فعل ما يكون سببا لبقائه والتوسعة عليه[16].

القول الثّاني في المسألة: صحة الوقف على أشخاص معينين منهم. وهو وجه عند الشّافعية[17].

التّعليلات:

التعليل الأول: القياس على الوقف على الذمي.

التعليل الثاني: أنه يصح أن يملك بصدقة التطوع, فصح الوقف عليه؛ وذلك لأن العبرة في الوقف التملك لا القربة[18].

التّرجيح: يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان ما عليه جمهور أهل العلم في هذه المسألة؛ وهو القول بحرمة وبطلان الوقف على أشخاص معيّنين من الحربيين؛ وذلك لأن من شرط الوقف أن يكون في البر؛ وليس من البر شرعا الوقف عليهم؛ والأخطر من ذلك أن يكون الوقف عليهم عونا لهم في حرب المسلمين.

المراجع

[1]  رد المحتار على الدر المختار 4/342.

[2]  شرح مختصر خليل للخرشي 7/82.

[3]  وللشافعية وجه آخر في المسألة؛ وهو جواز الوقف عليهما؛ لأنه يجوز تمليكه فجاز الوقف عليه كالذمي. ينظر: المجموع 15/326, المهذب في فقه الإمام الشافعي 2/324.

[4]  تحفة المحتاج في شرح المنهاج 6/244.

[5]  مطالب أولى النهى 4/284.

[6]  المجموع 15/329.

[7]  ينظر: شرح مختصر خليل للخرشي 7/82 بنوع من التصرف.

[8]  مطالب أولى النهى 4/284.

[9]  رد المحتار على الدر المختار 4/342, التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب 7/282, الفواكه الدواني  2/162, الوسيط 4/242, روضة الطالبين 5/317, الشرح الكبير على متن المقنع 6/194.

[10]  التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب 7/282.

[11]  روضة الطالبين 5/317.

[12]  الشرح الكبير على متن المقنع 6/194.

[13]  الروض المربع ص: 454.

[14]  سورة الممتحنة: 8-9.

[15]  النجم الوهاج 6/229.

[16]  المجموع 15/329, مطالب أولى النهى 4/284.

[17]  ينظر: الوسيط 4/242, البيان 8/65.

[18]  نوازل الوقف, تأليف: د. سلطان الناصر ص: 258.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الشارقة: تكريم 58 حافظاً أتموا حفظ القرآن كاملاً
نظمت مؤسسة الشارقة للقرآن والسنة النبوية بمقرها في مدينة الشارقة حفلها السنوي لتكريم الحفاظ مع نهاية عام 2018 حيث بلغ عدد الحفاظ في مختلف مراكزها المنتشرة في ربوع إمارة الشارقة أكثر من 58 حافظا أتموا حفظ القرآن كاملاً.
مؤتمر إسلامي في مكة يحذر من تصدير الفتاوى خارج نطاقها الجغرافي
قال المؤتمر الإسلامي العالمي للوحدة الإسلامية إن لكل جهة أحوالها وأعرافها الخاصة بها التي تختلف بها الفتاوى والأحكام، داعيا إلى قصر العمل الموضوعي المتعلق بالشؤون الدينية الرسمية لكل دولة على جغرافيتها المكانية دون التدخل في شؤون غيرها.
وفاة الشيخ "العجلان" بعد أن أمضى 25 عامًا مدرسًا بالمسجد الحرام
توفي مساء أمس الثلاثاء، الشيخ محمد بن عبدالله العجلان المدرس في المسجد الحرام عن عمر يناهز الـ 80 عامًا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م