آراء الفقهاء في لبس الثوب الأسود.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/10/24 الموافق 2018/07/08 - 04:56 م

 

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فالفقهاء – رحمهم الله تعالى – مختلفون في حكم لبس المسلم الثوب الأسود؛ ولهم في ذلك ثلاثة أقوال مشهورة:

القول الأوّل: أنّه لا مانع من لبسه؛ وأنّه من جملة المباحات. وإلى هذا ذهب فقهاء المالكيّة[1], والشّافعية[2], والحنابلة في المذهب[3].

في الفواكه الدواني: وتطيب وتزين وإن لغير مصل، والمراد بالحسن من الثياب في العيد الجديد ولو أسود إلا النساء, فإنهن إن أردن الخروج للصلاة لا يقربن طيبا ولا زينة, وإن كن عجائز[4].

قال النووي: يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والمخطط وغيرها من ألوان الثياب, ولا خلاف في هذا ولا كراهة في شيء منه, قال الشافعي والأصحاب: وأفضلها البيض[5].

وفي كشاف القناع: ويباح السواد ولو للجند؛ وكذا يباح الأخضر والأصفر[6].

الأدلة:

الدّليل الأوّل: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء»[7]. وفي رواية: « دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام»[8].

الدّليل الثَّاني: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث عمرو بن حريث، عن أبيه، قال: «كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفيها بين كتفيه»[9].

 وفي رواية له: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء»[10].

الدّليل الثَّالث: ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - قالت: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة, وعليه مرط مرحل من شعر أسود»[11].

الدليل الرابع: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أم خالد بنت خالد: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: «من ترون أن نكسو هذه» فسكت القوم، قال: «ائتوني بأم خالد» فأتي بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده فألبسها[12].

الدليل الخامس: ما أخرجه أبو داود في سننه؛ من حديث أمّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: «صنعت لرسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - بردة سوداء فلبسها، فلما عرق فيها وجد ريح الصوف، فقذفها - قال: وأحسبه قال: - وكان تعجبه الريح الطيبة»[13].

وجه الدّلالة من هذه الأحاديث: في هذه الأحاديث التصريح بلبس النبي – صلّى الله عليه وسلّم – للأسود؛ فدل ذلك أن لبسه مباح بلا كراهة[14].

القول الثّاني: أن لبسه مستحب. وإلى هذا ذهب الحنفيّة[15].

في مجمع الأنهر: ويستحب الثوب الأبيض والأسود[16].

وقال ابن عابدين: إن محمدا[17] ذكر في السير الكبير في باب الغنائم حديثا يدل على أن لبس السواد مستحب[18].

الأدلة:

الدّليل الأوّل: الأحاديث السابقة التي فيها عمامته عليه الصلاة والسلام بالسواد؛ ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء»[19].

وجه الدلالة: حملوا ما ورد من الأحاديث في لبسه عليه الصلاة والسّلام السواد على الاستحباب, قال ابن عابدين: إن محمدا ذكر في السير الكبير في باب الغنائم حديثا يدل على أن لبس السواد مستحب[20].

ونوقش: بأنّه لا دلالة في هذه الأحاديث على استحباب لبس السواد؛ بل غالب ما فيها أنّ لبسه من جملة المباحات الجائزات؛ كما أن هذه الأحاديث وقائع فعلية محتملة فقدم القول وهو الأمر بلبس البياض عليها[21].

الدّليل الثَّاني: قوله صلى الله عليه وسلم «إذا لبست أمتي السواد فابغوا الإسلام»[22].

وجه الدلالة: أن في هذا الحديث التصريح بعز الإسلام حين تلبس الأمة السواد؛ فدل ذلك على استحبابه[23].

ونوقش: بأنّه لا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث؛ إذ لا أصل له البتة بذلك اللفظ, ولعله جزء من حديث ابن عباس الآتي؛ وهو أيضا لم يسلم من المقال؛ والله تعالى أعلم.

الدليل الثَّالث: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بشّر العباس - رضي الله عنه - بانتقال الخلافة إلى أولاده بعده وقال: من علاماتهم لبس السواد, وذلك فيما أخرجه الطبراني في معجمه؛ من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان لأبي بكر رضي الله عنه مجلس من النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم عنه إلا للعباس، وكان يسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل العباس يوما فزال له أبو بكر عن مجلسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لك؟» فقال: يا رسول الله، عمك قد أقبل، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل على أبي بكر مبتسما فقال: «هذا العباس قد أقبل وعليه ثياب بياض، وسيلبس ولده من بعده السواد، ويملك منهم اثنا عشر رجلا»[24].

قال السرخسي: والكفار لا يلبسون السواد فإن أمكن التمييز بشيء من هذه العلامات وجب المصير إليها كما إذا أمكن معرفة جهة القبلة بشيء من العلامات وجب المصير إليها عند الاشتباه[25].

ونوقش بالأمور التالية:

الأمر الأول: أن الأحاديث الواردة في هذا الشأن ضعيفة؛ ضعّفها غير واحد من أئمة الحديث؛ فلا يمكن التعويل عليها.

قال الذهبي: قال محمد بن جرير في تاريخه: كان بدو أمر بني العباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قيل أعلم العباس أن الخلافة تؤول إلى ولده, فلم يزل ولده يتوقعون ذلك, قلت: لم يصح هذا الخبر, ولكن آل العباس كان الناس يحبونهم, ويحبون آل علي, ويودون أن الأمر يؤول إليهم؛ حبا لآل رسول الله -صلى الله عليه وسلم[26].

الأمر الثاني: أن كون السواد من علامات الدولة العباسية وخلفائها لا حجة فيه على الاستحباب؛ لأن فعلهم ليس دليلا شرعيًّا؛ لا سيما إذا علم أول من سنّ لبس السواد فيها؛ وهو أبو مسلم الخراساني.

قال الذهبي: كان أبو مسلم سفاكا للدماء يزيد على الحجاج في ذلك وهو أول من سن للدولة لبس السواد[27].

الأمر الثالث: أن كون السواد شعارًا لأهل السلطة في العصر العباسي هو العلة نفسها التي من أجلها كره من كره لبسه من أهل العلم كالإمام أحمد, فإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون فعلهم دليلا على الاستحباب[28].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد كره أحمد رضي الله عنه لبس السواد في الوقت الذي كان شعار الولاة والجند, واستعفى الخليفة المتوكل من لبسه؛ لما أراد الاجتماع به, فأعفاه بعد مراجعة, وكان هذا الزي إذ ذاك شعار أهل طاعة السلطان في أمارة ولد العباس رضي الله عنه[29].

القول الثّالث: أنّ لبسه مكروه إذا شعارا للولاة وأهل السلطة. وهذا القول رواية عند الحنابلة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد كره أحمد رضي الله عنه لبس السواد في الوقت الذي كان شعار الولاة والجند[30].

قيل لأحمد: في رجل مات وترك سوادا وأوصى إلى رجل فقال يحرق حتى لا يروع به مسلم. وقيل له: لصبيان ترى أن يحرق قال يحرقه الوصي[31].

التّعليلات:

التَّعليل الأوّل: لأنه كان لباس الولاة والأمراء وأعوانهم؛ مع ما كانوا فيه من الظلم والكبرياء[32].

التّعليل الثَّاني: ولأنه مظنة الترويع, ولم يكن يلبسه إلا أعوان السلطان, وكان الرجل المسودي إذا رؤي خيف ورعب منه, حتى قال بعض أهل العلم يضرب المثل بذلك ترى الرجل مطمئنا ثابت القلب ساكن الأركان, فإذا عاين صاحب سواد رعب من سلطانه, ودخله من الرعب ما غير لونه, ورجف قلبه, واسترخت قدماه, وذهب فؤاده, فلما كان معونة على الظلم والشر وإيذاء المسلمين صارت خياطته وبيعه بمنزلة بيع السلاح في الفتنة, وكره أن يلبسه الرجل إذ ذاك؛ لأنه من تشبه بقوم فهو منهم[33].

التّعليل الثَّالث: ولأن لابسه يصير بذلك من أعوان الظلمة, أو يخاف عليه أن يدخل في أعوانهم, فكل شعار وعلامة يدخل بها المرء في زمرة من تكره طريقته بحيث يبقى كالسيمة عليه فإنه ينبغي اجتنابها وإبعادها, وكل لباس يغلب على الظن أن يستعان بلبسه على معصية فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم[34].

ونوقش هذه التعليلات بالأمور التّالية:

الأمر الأوّل: أنّ هذه الكراهة ليست لذات السواد؛ بل لسبب عارض؛ وهو كونه شعارًا لأهل الظلم والجور والمعصية؛ فإذا زال ذلك السبب العارض, ولم يكن مظنة الظلم ولا سيما الظلمة, فلا يكره البتة[35].

الأمر الثّاني: ثبوت لباسه - عليه الصلاة والسلام - السّواد أكثر من مرّة؛ كما دلّت على ذلك الأحاديث السّابقة.

الأمر الثّالث: ثبوت لباس ذلك عند أصحاب النبيّ عليه الصّلاة والسّلام, والتّابعين, وتابعيهم بإحسان.

التّرجيح: بعد عرض الأقوال في المسألة, وأدلة كل قول, تبيّن – والله تعالى أعلم – رجحان ما عليه جمهور أهل العلم؛ وهو القول بأن لبسه من جملة المباحات؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول.

 المراجع

[1]  حاشية الدسوقي 1/381, الفواكه الدواني 1/274.

[2]  المجموع 4/452.

[3]  الإقناع 1/94, كشاف القناع 1/286.

[4]  الفواكه الدواني 1/274.

[5]  المجموع 4/452.

[6]  كشاف القناع 1/286.

[7]  صحيح مسلم 2/990 برقم 1358 كتاب الحج/ باب جواز دخول مكة بغير إحرام.

[8]  صحيح مسلم 2/990 برقم 1358 كتاب الحج/ باب جواز دخول مكة بغير إحرام.

[9]  صحيح مسلم 2/990 برقم 1359 كتاب الحج/ باب جواز دخول مكة بغير إحرام.

[10]  صحيح مسلم 2/990 برقم 1359 كتاب الحج/ باب جواز دخول مكة بغير إحرام.

[11]  صحيح مسلم 3/1649 برقم 2081 كتاب اللباس والزينة/ باب التواضع في اللباس، والاقتصار على الغليظ منه واليسير في اللباس والفراش وغيرهما.

[12]  صحيح البخاري 7/148 برقم 5823 كتاب اللباس/ باب الخميصة السوداء.

[13]  سنن أبي داود 4/54 برقم 4074 كتاب اللباس/ باب في السواد. صححه الألباني في التعليقات الحسان 9/160.

[14]  ينظر: أحكام اللون في الفقه الإسلامي, تأليف الدكتور القاري ص: 187 بنوع من التصرف.

[15]  المبسوط 10/199, مجمع الأنهر 2/532, حاشية ابن عابدين 6/755, تبيين الحقائق 6/228.

[16]  مجمع الأنهر 2/532.

[17]  يعني: محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى.

[18]  حاشية ابن عابدين 6/755.

[19]  تقدم تخريجه.

[20]  حاشية ابن عابدين 6/755.

[21]  تحفة المحتاج 2/475.

[22]  المبسوط 10/199. كذا أورده السرخسي في المبسوط, ولم نقف عليه؛ لا في متون الأحاديث, ولا في شروحها.

[23]  أحكام اللون في الفقه الإسلامي ص: 188

[24]  المعجم الكبير 10/285 برقم 10675. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسحاق إلا حفص، تفرد به: محمد بن صالح. ينظر: المعجم الأوسط 1/186.

[25]  المبسوط 10/200.

[26]  سير أعلام النبلاء 6/226.

[27]  المصدر السابق 6/221.

[28]  ينظر: أحكام اللون في الفقه الإسلامي ص: 190.

[29]  شرح العمدة 1/385.

[30]  شرح العمدة لشيخ الإسلام 1/385.

[31]  المصدر السابق 1/386.

[32]  المصدر السابق 1/386.

[33]  المصدر السّابق 1/386.

[34]  المصدر السّابق 1/386.

[35]  ينظر: المصدر السّابق 1/386 بنوع من التصرف.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين الشريفين يرعى غدًا حفل تدشين قطار الحرمين السريع
يرعى بمشيئة الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - يوم غد الثلاثاء حفل تدشين قطار الحرمين السريع.
كانتون سويسري يصوت لمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة
يصادق كانتون سويسري للمرة الثانية على قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العام، وصوت نحو 67 بالمئة من الناخبين في الكانتون الشمالي الشرقي لصالح القانون الجديد، وفق نتائج رسمية، ما يمهد الطريق أمامه للسير على خطى كانتون تيتشينو الجنوبي الذي أقر قانونا مشابها قبل عامين بدا وكأنه يستهدف النقاب واشكالا أخرى من الحجاب الإسلامي.
الكحوليات تقتل 3 ملايين شخص سنويا!
قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 3 ملايين شخص توفوا عام 2016 بسبب الإفراط في شرب الكحول، مما يعني أن واحدة من كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بهذا السلوك.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م