غضّ صوتك يا طالب العلم عند التّعلّم والمناظرة.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/10/13 الموافق 2018/06/27 - 05:08 م

 

بسم الله, الحمد لله, والصّلاة والسّلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والآه. أمّا بعد:

أوَّلا: التوسط في الصوت عند التعلم والتعليم.

إن أهل العلم يعدّون التوسّط في الصوت من آداب التعلّم والتّعليم؛ ويكرهون رفع الصّوت بالعلم رفعًا زائدًا عن الحاجة؛ ويستوي في هذا المعلِّم وطالب العلم؛ فلا يرفع المتعلّم والمعلِّم صوتهما بالكلام أكثر من الحاجة, ولا يخفيانه ويسرّان به إسرارًا يخل بالمقصود من الكلام؛ وهو إسماع الحاضرين؛ بل يكونان مقتصدين بين ذلك.

وفيما يلي بعض أقوال السلف الصّالح في التخلُّق بالتوسط في الصوت عند التعلم والتعليم, وكراهيّة الرفع الزائد عن الحاجة.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله: ولا يرفع صوته في كلامه عاليا, ولا يخفي صوته إخفاء لا يسمعه الحاضرون, فلا يفيد شيئا, بل يكون مقتصدا بين ذلك[1].

وقال ابن رجب رحمه الله: رفع الصوت بالعلم زائدا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء[2]. وذلك لأن الله تبارك وتعالى أمر بالإغضاء بالصّوت مطلقًا؛ وذلك في قوله تعالى: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}[3]. قال القرطبي مفسرا قوله تعالى: {واغضض من صوتك}, أي انقص منه، أي لا تتكلف رفع الصوت, وخذ منه ما تحتاج إليه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي[4].

فهذه الكراهية مقتصرة على رفع الصوت بالعلم من غير حاجة قائمة؛ وأمّا إذا دعت الحاجة إلى رفعه, فيجوز الرّفع من غير كراهة؛ ودليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه, أنّ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - نادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا[5].

قال ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى – قول الراوي: نادى بأعلى صوته: وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك, ويلحق بذلك ما إذا كان في موعظة[6].

ثانيا: رفع الصوت عند المناظرة.

نقول وبالله التوفيق: اختلف أهل العلم في رفع الصوت عند المناظرة على قولين:

القول الأوّل: جواز ذلك إذا كان في مباح. وهو قول عند الحنفيّة, وعليه بعض المالكية, والحنابلة[7].

الدليل: استدلوا بالحديث السابق الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه, أنّ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - نادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا[8].

وجه الدلالة: أن النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – رفع صوته في هذا الحديث لإنكار المنكر؛ فيلحق بذلك المناظرة؛ لأنها لإثبات الحق وإنكار المنكر, فجاز رفع الصوت فيها قياسًا[9].

قال ابن بطال المالكي – رحمه الله تعالى – بعد أن ذكر الحديث: وهذا حجة في جواز رفع الصوت في المناظرة في العلم[10].

نوقش: بأنّ النبي – صلّى الله عليه وسلّم – رفع صوته في الحديث للحاجة, وما كان كذلك فلا كراهة فيه, أمّا مع عدم الحاجة كما في المناظرات فهو مكروه, لا سيّما وقد جاء الأمر بالإغضاء من الصوت كما في الآية السابقة[11].

القول الثّاني في المسألة: كراهية ذلك. وعليه المالكية[12], والشافعية[13].

الأدلة:

الدليل الأوّل: قول الله تعالى: {واغضض من صوتك}[14]. وجه الدلالة: أمر الله تعالى في هذه الآية بإغضاء الصوت وعدم رفعه من غير حاجة, وأمّا مع الحاجة فإنه يرفع بحسب ما يقتضيه المقام, كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلّم – في الحديث السابق.

الدليل الثاني: أن رفع الصوت في المناظرة لا يزيد الحجة قوّة, بل يدلّ على ضيق في الصدر؛ لأنّ رفع الصوت فوق مقدار الحاجة لا يظهر حقًّا, ولا يبطل باطلاً, وما كان كذلك فالكراهة أولى به[15].

الدليل الثالث: أن رفع الصوت والصياح في الوجه ليس من آداب العلماء؛ بل هو من أخلاق السفهاء[16].

الدليل الرابع: أن رفع الصوت والخروج عن الاعتدال فيه ناشئ في الغالب عن الهوى في الشيء المتكلم فيه[17].

الترجيح: لا شكّ أن التوسط محمود في جميع الأمور, وهو من خصائص هذه الأمة, وعليه: فالأقرب – والله تعالى أعلم – أن يكون الإنسان وسطًا في كلامه؛ فلا يرفعه فوق الحاجة؛ ولو كان في رفع الصوت فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته[18].

المراجع

[1]  الفقيه والمتفقّه للخطيب البغدادي 2/54.

[2]  فتح الباري لابن رجب 3/398.

[3]  سورة لقمان: 19.

[4]  تفسير القرطبي 14/71.

[5]  صحيح البخاري 1/22 برقم 60 كتاب العلم/ باب من رفع صوته بالعلم. صحيح مسلم 1/214 برقم 241 كتاب الطهارة/ باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما.

[6]  فتح الباري 1/143.

[7]    جامع بيان العلم 1/554, شرح صحيح البخاري لابن بطال 1/138, الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح 3/382.

[8]  تقدم تخريجه.

[9]  ينظر: أحكام الصوت الفقهية, تأليف: د. محمد الفريح ص: 130.

[10]  شرح صحيح البخاري لابن بطال 1/138.

[11]  أحكام الصوت الفقهية ص: 131.

[12]  جامع بيان العلم 1/554.

[13]  الفقيه والمتفقه 2/54.

[14]  سورة لقمان: 19.

[15]  أحكام الصوت الفقهية ص: 131.

[16]  ينظر: الفقيه والمتفقه 2/68.

[17]  ينظر: الاعتصام للشاطبي 2/589.

[18]  تيسير الكريم الرحمن ص: 648.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م