كتاب رؤوس المسائل في الخلاف.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/10/11 الموافق 2018/06/25 - 10:21 ص

   الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإنّ كتاب رؤوس المسائل من الكتب العلميّة النّفيسة, ومن الكتب المعتمدة لدى السَّادة الحنابلة, ولم يشكِّك أحد منهم – حسب اطّلاعنا المتواضع – في شهرته في المذهب, ونسبته إلى أبي جعفر الهاشمي, قال ابن المبرد: مؤلفه هذا رؤوس المسائل مشهور في مذهب أحمد بن حنبل[1].

مميّزات الكتاب: امتاز الكتاب بمميِّزات عديدة, نذكر منها ما يلي:

الأوّلى: عرص المسائل بما فيها من الخلاف الفقهي عرضًا مختصرًا.

الثَّانية: الانتصار الشديد لما عليه السادة الحنابلة من المسائل الفقهية.

الثالثة: الاعتناء بالأدلة النقليّة والعقلية.

الرابعة: الاعتناء بالاحتجاج بأقوال الصحابة والتابعين.

ترجمة موجزة عن المؤلِّف:

هو العلامة: أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم, ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة, كان مختصر الكلام, مليح التدريس, جيد الكلام في المناظرة, عالما بالفرائض وأحكام القرآن والأصول, كان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم عليه ذلك جدا وعرف فيه الكراهة الشديدة.

بدأ يدرس الفقه على الوالد السعيد من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسين, يقصد إلى مجلس الوالد السعيد ويعلق الدرس ويعيد في الفروع وأصول الفقه.

برع في المذهب ودرس وأفتى في حياة الوالد السعيد, وتوفي يوم الخميس النصف من صفر سنة سبعين وأربعمائة, وأخرجت جنازته في غداة يوم الجمعة, وكان يوما مشهودا, لكثرة الخلق وعظم الحزن والبكاء [2].

مكانة المؤلّف العلميّة وثناء العلماء عليه:

قال ابن الجوزي: كان عالما فقيهًا، ورعًا عابدًا، زاهدا، قوالا بالحق، لا يحابي، ولا تأخذه في الله لومة لائم[3].

وقال ابن السمعاني فقال: إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة, مليح التدريس، حسن الكلام في المناظرة، ورع زاهد، متقن عالم بأحكام القرآن والفرائض، مَرْضِي الطريقة[4].

وقال ابن أبي يعلى: برع في المذهب ودرس وأفتى في حياة الوالد السعيد.

وقال أيضا: كان مختصر الكلام مليح التدريس جيد الكلام في المناظرة عالما بالفرائض وأحكام القرآن والأصول[5].

وقال أيضا: كان شديد القول واللسان في أصحاب البدع والقمع لباطلهم ودحض كلمتهم وإبطالها, ولم تزل كلمته عالية عليهم وأصحابه متظاهرين على أهل البدع لا يرد يدهم عنهم أحد, وكان حسن الصيانة عفيفا نزها[6].

وقال ابن خيرون: مُقدم أهل زَمانه شرفا، وعلما وزهدا[7].

وقال ابن عَقيل: كان يفوق الجماعة من أهل مذهبه وغيرهم في علم الفرائض[8].

وقال السلامي: كان معظما عند الخاصة والعامة، زاهدا في الدنيا إلى الغاية، قائما في إنكار المنكرات بيده ولسانه، مجتهدا في ذلك[9].

وقال ابن أبي يعلى: انتهي إليه في وقته الرحلة بطلب مذهب إمامنا أحمد[10].

مصنفاته: لأبي جعفر الشريف مصنفات عدة؛ من أشهرها ما يلي:

الأول: رؤوس المسائل وهو كتاب في فقه الخلاف.

الثاني: شرح المهذب, ولم يكمل تأليفه؛ وسلك في تأليفه مسلك القاضي في الجامع الكبير.

الثالث: جزء في أدب القاضي.

الرابع: فضائل أحمد وترجيح مذهبه[11].

قال أبو الحسين ابن أبي يعلى: صنف رؤوس المسائل وشرح من المهذب: الطهارة وبعض الصلاة, وسلك فيه طريق الوالد السعيد في الجامع الكبير[12].

منهج المؤلف في كتابه رؤوس المسائل:

إنّ المتأمل في كتاب رؤوس المسائل؛ يجد المؤلّف متّبعًا في تأليفه المنهج التّالي:

الأوّل: الابتداء بمذهب الإمام أحمد في المسألة.

الثاني: ذكر الموافق للإمام أحمد في المسألة من الأئمة.

الثالث: ذكر المخالف له في المسألة بالاختصار.

الرابع: الاحتجاج والانتصار لما عليه المذهب الحنبلي.

وفي ذلك يقول العلامة عبد القادر بدران: وطريقته فيه أنه يذكر المسائل التي خالف فيها الإمام واحدا من الأئمة أو أكثر, ثم يذكر الأدلة منتصرا للإمام, ويذكر الموافق له في تلك المسألة؛ بحيث أن من تأمل كتابه وجده مصححا للمذاهب وذاهبا من أقوالها المذهب المختار فجزاه الله خيرا[13].

مشايخه وتلاميذه.

أمَّا شيوخه: فلأبي جعفر مشايخ كثيرون, ومن أبرزهم من يلي:

الأوّل: أبو القاسم بن بشران.

هو أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران بن محمد بن بشران بن سهران المحدث الصادق, الشيخ الإمام ولد في شوال سنة  339هـــــ, حدث من أبي بكر النجاد, والفاكهي المالكي, وابن خزيمة وغيرهم, توفي – رحمه الله تعالى – في ربيع الآخر سنة 430 هـــــ[14].

الثاني: أبو الحسين الحراني.

هو أبو الحسين محمد بن الحسين بن أبي سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحراني الشاهد, ولد في شوال سنة 361هـــــــــ وتوفي – رحمه الله تعالى – في صفر سنة 438هــــ, ودفن بباب حرب[15].

الثالث: أبو علي بن المذهب.

هو أبو عليّ الحسن بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن وهب التميمي البغدادي الواعظ, ولد سنة 355هـــــــــ, وتوفي – رحمه الله تعالى – سنة 444هـــــــ[16].

الرابع: أبو محمد الخلال.

هو أبو محمد الحسن بن أبي طالب محمد بن الحسن بن علي البغدادي الخلال؛ محدث العراق, الإمام الحافظ, ولد سنة 352هـــــــ, وتوفي – رحمه الله تعالى – سنة 439هـــــ[17].

الخامس: القاضي أبو يعلى.

هو أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء؛ كان عالم زمانه وفريد عصره ونسيج وحده وقريع دهره وكان له في الأصول والفروع القدم العالي وفي شرف الدين والدنيا المحل السامي والخطر الرفيع, ولد سنة 380هـــ, وتوفي – رحمه الله تعالى – سنة 458هـــ[18].

السادس: أبو طالب العشاري.

هو أبو طالب محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن الفتح العشاري, ولد سنة 366هــــــ, حدث عن جماعة منهم أبو بكر محمد بن يوسف العلاف, وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمى اللؤلؤي, وأبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن غيلان السمسار, والدارقطني, والمخلص, وابن أخي ميمي وغيره, وتوفي – رحمه الله تعالى – سنة 451هــــ, ودفن بمقبرة الإمام أحمد[19].

السابع: أبو إسحاق البرمكي.

هو أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل البرمكي؛ اشتهر بذلك لأن سلفه كانوا يسكنون قرية تسمى البرمكية فنسبوا إليها, ولد سنة 361هــــ, حدث عن أبي بكر بن بخيت, وابن مالك القطيعي, وغيرهم؛ وله إجازة من أبي بكر عبد العزيز, وصحب ابن بطة وابن حامد وعلق عنهما, توفي – رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة 445هــــ, ودفن بمقبرة الإمام أحمد[20].

وأمَّا تلاميذه: فلأبي جعفر تلاميذ كثيرون, نذكر منهم من يلي:

الأوّل: الحلواني.

هو أبو الفتح محمد بن علي بن محمد بن عثمان ابن المراق الحلواني الفقيه الزاهد, ولد سنة تسع وثلاثين وأربعمائة, كان قد شاهد الوالد السعيد, وتفقه على صاحبيه القاضي أبي علي والشريف أبي جعفر, ودرس في المسجد الذي كان يدرس فيه الشريف أبو جعفر, وتوفي – رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة خمس وخمسمائة[21].

الثاني: ابن المُخَرَّمِي.

هو أبو سعد المبارك بن علي بن الحسين بن بندار البغدادي المخرمي الفقيه, قاضي باب الأرخ, ولد سنة ست وأربعين وأربعمائة, سمع الحديث من القاضي أبي يعلى وغيره, وتفقه على صاحبه أبي جعفر, ثم القاضي يعقوب البرزبيني, توفي – رحمه الله تعالى – سنة ثلاث عشرة وخمسمائة, ودفن إلى جانب أبي بكر الخلال[22].

الثالث: القاضي أبو الحسين.

هو أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين بن محمد ابن الفراء, القاضي الشهيد, ابن شيخ المذهب القاضي الكبير أبي يعلى, ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة, سمع من أبيه وغيره, برع في الفقه, وأفتى وناظر. قال عن تعلمه عند أبي جعفر: وبدأت أنا بالتعليق عنه والدرس عليه في أول سنة خمس وستين وأربعمائة, وصحبته إلى أن توفي رضي الله عنه, وكان يحضر معنا مجلسه جماعة من الأصحاب[23], قتلوه ليلة الجمعة, سنة ست وعشرين وخمسمائة, ودفن عند أبيه بمقبرة باب حرب[24].

الرابع: أبو بكر الأنصاري.

هو محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الكعبي البغدادي البصري, البزار الفرضي. ولد سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة, وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين, سمع من أخيه أبي الحسن علي, والقاضي أبي الطيب الطبري, العشاري, والباقلاني, وأبي الحسن المكي, والقاضي أبي يعلى, توفي – رحمه الله تعالى – سنة خمس وثلاثين وخمسمائة, وصلي عليه بجامع المنصور, ودفن في مقبرة باب حرب[25].

أهميّة هذا الكتاب:

تتجلى أهميّة هذا الكتاب في المنهج العلمي الذي سلكه المصنف في إيراد المسائل؛ حيث يستدل للمسألة بالقرآن الكريم, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم, وآثار الصحابة والتابعين عند الاحتياج إلى ذلك[26].

المآخذ على الكتاب:

فمن المعلوم أنّ عمل البشر مع ما قد يحمل من الفوائد الجسيمة, والجهود العظيمة, فهو عرضة للخطأ والنقص؛ إذ النقص من صفات البشر, والكمال لله رب العالمين وحده؛ ولذلك سجّل بعض المحقّقين على الكتاب المآخذ التالية:

الأولى: عدم التزام المؤلف في التّأليف منهجه في التّأليف التزاما تامًّا؛ فهو ينقل عن الأئمة دون التزام ترتيب معيّن في النقل عنهم.

الثانية: إيراد بعض المسائل الفقهية في غير الكتب والأبواب الفقهية المناسبة لها؛ ومن ذلك إيراده لمسألة حكم تارك الصلاة في نهاية كتاب الاستسقاء[27].

المراجع

[1]  معجم الكتب 1/67.

[2]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/237-241.

[3]  ذيل طبقات الحنابلة للسلامي 1/29.

[4]  ذيل طبقات الحنابلة للسلامي 1/29.

[5]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/237.

[6]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/238.

[7]  ذيل طبقات الحنابلة للسلامي 1/33.

[8]  ذيل طبقات الحنابلة للسلامي 1/33.

[9]  ذيل طبقات الحنابلة للسلامي 1/34.

[10]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/241.

[11]  معجم الكتب لابن المبرد 1/68.

[12]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/237.

[13]  المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص: 432.

[14]  ينظر: سير أعلام النبلاء 17/450, تذكرة الحفاظ 3/1097.

[15]  ينظر: تاريخ بغداد 2/254.

[16]  ينظر: سير أعلام النبلاء 17/640.

[17]  ينظر: تاريخ بغداد 7/425, الأنساب 5/218.

[18]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/193-200.

[19]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/191-192.

[20]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/190-191.

[21]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/257.

[22]  المصدر السابق 2/258-259.

[23]  طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/238.

[24]  ينظر: مناقب الإمام أحمد ص: 637, سير أعلام النبلاء 19/601.

[25]  ينظر: مناقب الإمام أحمد ص: 636, سير أعلام النبلاء 20/23.

[26]  ينظر: مقدمة رؤوس المسائل في الخلاف؛ تحقيق أ. د دهيش ص: 2.

[27]  ينظر: مقدمة رؤوس المسائل في الخلاف؛ تحقيق أ. د دهيش ص: 43 بنوع من التصرف.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م