اشتراط رفع الصّوت لصحّة الأذان.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/10/10 الموافق 2018/06/24 - 09:52 ص

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإنّه لا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة رفع الصّوت بالأذان؛ وذلك بحسب طاقة المؤذّن, فلا يزيد عليها لئلا يضرّ بنفسه.

في الأصل للشيباني: قلت أفتحبُّ للمؤذّن يرفع صوته بالأذان والإقامة؟ قال نعم يسمع ولا يجهد نفسه[1].

وفي المعونة: وله رفع الصوت بالأذان[2].

وقال الإمام الشافعي: فأحبّ رفع الصوت للمؤذن, وأحب إذا اتخذ المؤذن أن يتخذ صيتا, وأن يتحرى أن يكون حسن الصوت؛ فإنه أحرى أن يسمع من لا يسمعه ضعيف الصوت, وحسن الصوت أرق لسامعه, والترغيب في رفع الصوت يدل على ترتيل الأذان[3].

وفي الكافي: ويشرع في الأذان رفع الصوت[4].

مستندهم على مشروعيّة رفع الصوت بالأذان:

الأوّل: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم[5].

الثاني: ما أخرجه الترمذي في سننه؛ من حديث محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، قال: لما أصبحنا أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالرؤيا، فقال: إن هذه لرؤيا حق، فقم مع بلال فإنه أندى وأمد صوتا منك، فألق عليه ما قيل لك، وليناد بذلك..»[6].

الثالث: ولأن المقصود من الأذان الإعلام, ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت[7].

واختلفوا - بعد الاتفاق على مشروعيّة رفع الصّوت بالأذان – في كون رفع الصوت شرطًا لصحّة الأذان, ولذلك حالتان:

الحالة الأولى: أن يؤذن لجماعة غير حاضرين.

الحالة الثانية: أن يؤذّن لنفسه, أو لجماعة حاضرين معه.

أما الحالة الأولى: وهي أن يؤذن لجماعة غير حاضرين. فللفقهاء في اشتراط رفع الصوت لصحّة الأذان في هذه الحالة مذهبان:

المذهب الأوّل: أن رفع الصوت شرط لصحة الأذان, وهذا هو الصحيح عند الشافعيّة, والمذهب عند الحنابلة, وبعضهم على أنّه ركن في الأذان في هذه الحالة[8].

قال النووي: أما إذا أذن لجماعة، فثلاثة أوجه: أصحها: لا يجزئ الإسرار بشيء منه، لفوات الإعلام[9].

وقال ابن قدامة: فإن أذن لعامة الناس جهر بجميع الأذان، ولا يجهر ببعض، ويخافت ببعض؛ لئلا يفوت مقصود الأذان، وهو الإعلام[10].

وقال المرداوي: رفع الصوت فيه ركن. قال في «الفائق» وغيره: إذا كان لغير حاضر[11].

الأدلة:

الدليل الأول: الحديث السابق الذي أخرجه البخاري في صحيحه؛ من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم[12].

وجه الدلالة: دلّ الحديث على اشتراط رفع الصوت بالأذان لجماعة غير حاضرين من وجهين:

الوجه الأول: أنّ قوله عليه الصّلاة والسّلام: «فارفع صوتك بالنداء» أمر؛ والأصل في الأمر المجرّد أن يفيد الوجوب.

الوجه الثَّاني: أن في الحديث الأمرَ برفع الصوت مع عدم وجود جماعة يؤذّن لهم, فرفعه مع جماعة يؤذن لهم غير حاضرين عنده من باب أولى[13].

الدّليل الثّاني: أن المقصود من الأذان الإعلام, ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت, فيتحتّم القول باشتراط ذلك ليحصل السماع[14].

المذهب الثّاني: أنّ رفع الصّوت من سنن الأذان؛ وليس شرطًا لصحته. وعلى هذا الحنفيّة, والمالكيّة, والشّافعيّة في قول[15].

الدليل: استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري السابق رضي الله عنه.

وجه الدلالة: أن الأمر الوارد فيه للاستحباب لا للوجوب, قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ما لم يجهده أو يتأذى به[16].

نوقش: بأنّه لا دليل على صرف ذلك اللفظ من الوجوب إلى الاستحباب؛ والأصل في الأمر المجرد عن الصارف الوجوب.

التّرجيح: يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان ما عليه أصحاب القول الأوّل؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: قوة الأدلة التي استدلّوا بها, وسلامتها من الاعتراضات.

الأمر الثاني: اتفاق أصحاب القول الثاني مع أصحاب القول الأوّل في أن سبب تشريع الأذان هو الإعلام والإسماع, فإذا كان الأمر هكذا, فالقول بسنيّة رفع الصوت مع حاجة الناس إليه ينافي ذلك الاتفاق.

وأمّا الحالة الثانية: وهي أن يؤذّن لنفسه, أو لجماعة حاضرين معه.

فالذي عليه جمهور أهل العلم هو أن الأفضل له في هذه الحالة أيضا رفع الصّوت؛ لكن لا يشترط ذلك؛ فيجوز أن يأتي به بمقدار ما يُسمع نفسه, أو من معه من الحاضرين. قال ابن قدامة: وإن أذن لنفسه، أو لجماعة خاصة حاضرين، جاز أن يخافت ويجهر[17].

ومن أدلتهم على أفضليّة رفع الصوت في هذه الحالة أيضا ما يلي:

الدليل الأوّل:  الحديث السابق الذي أخرجه البخاري في صحيحه؛ من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم[18].

وجه الدلالة: فالشهادة الواردة في الحديث مرتبطة برفع الصوت, فلو لم يسمع إلا نفسه لم تحصل له هذه الشهادة بظاهر هذا الحديث, فلذلك يستحب له رفع الصوت في هذه الحالة أيضا.

الدليل الثَّاني: ما أخرجه أبو داود في سننه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة ويكفر عنه ما بينهما»[19].

وجه الدلالة: أن هذا الأجر مترتب على رفع الصوت, فاستحب له الرفع ليحصل على الأجر, ما لم يكن أذانه في مسجد أقيمت فيه جماعة وانصرفوا, فلا يرفع صوته؛ لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى, ولئلا يغر الناس بأذانه[20], وهذا هو الأقرب في هذه المسألة والله تعالى أعلم.

وقيل: عدم رفع الصوت خاص بمن يؤذن لنفسه؛ لأنه لا يعلم غيره. قال في الأم: فإن جهر بشيء من الأذان، وخافت بالباقي... لم يكن عليه إعادة ما خافت به؛ لأنه قد أتى بلفظ الأذان كاملا، فهو كما لو خافت بالقراءة في موضع الجهر[21]. قال الشيخ أبو حامد: هذا إذا كان يؤذن لنفسه، فأما إذا كان يؤذن في مسجد الجماعات فإنه يجهر به، ولا يخافت في شيء؛ ليحصل به الإعلام[22].

وقال العمراني في البيان: وإن كان يؤذن لنفسه وحده لم يرفع صوته؛ لأنه لا يعلم غيره[23].

المراجع

[1]  الأصل 1/137.

[2]  المعونة على نذهب عالم المدينة 1/209.

[3]  الأم 1/107.

[4]  ينظر: الكافي 1/20.

[5]  صحيح البخاري 1/125 برقم 609 كتاب الأذان/ باب رفع الصوت بالنداء.

[6]  سنن الترمذي 1/260 برقم 189 باب ما جاء في بدء الأذان. قال الترمذي: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح.

[7]  بدائع الصنائع 1/149.

[8]  روضة الطالبين 1/200, المغني 1/307, الإنصاف 3/85.

[9]  روضة الطالبين 1/200.

[10]  المغني 1/307.

[11]  الإنصاف 3/85.

[12]  تقدم تخريجه.

[13]  أحكام الصوت الفقهية, تأليف الدكتور الفريح ص: 26.

[14]  ينظر: روضة الطالبين 1/200.

[15]  بدائع الصنائع 1/149, المعونة على نذهب عالم المدينة 1/209, روضة الطالبين 1/200.

[16]  فتح الباري 2/89.

[17]  المغني 1/307.

[18]  تقدم تخريجه.

[19]  سنن أبي داود 1/142 برقم 515 كتاب الصلاة/ باب رفع الصوت بالأذان. قال الألباني: هذا حديث صحيح. ينظر: صحيح أبي داود 2/443.

[20]  أحكام الصوت الفقهية, تأليف الدكتور الفريح ص: 30.

[21]  ينظر: الأمّ 1/103.

[22]  البيان في مذهب الإمام الشافعي 2/77.

[23]  المصدر السابق.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين الشريفين يرعى غدًا حفل تدشين قطار الحرمين السريع
يرعى بمشيئة الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - يوم غد الثلاثاء حفل تدشين قطار الحرمين السريع.
كانتون سويسري يصوت لمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة
يصادق كانتون سويسري للمرة الثانية على قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العام، وصوت نحو 67 بالمئة من الناخبين في الكانتون الشمالي الشرقي لصالح القانون الجديد، وفق نتائج رسمية، ما يمهد الطريق أمامه للسير على خطى كانتون تيتشينو الجنوبي الذي أقر قانونا مشابها قبل عامين بدا وكأنه يستهدف النقاب واشكالا أخرى من الحجاب الإسلامي.
الكحوليات تقتل 3 ملايين شخص سنويا!
قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 3 ملايين شخص توفوا عام 2016 بسبب الإفراط في شرب الكحول، مما يعني أن واحدة من كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بهذا السلوك.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م