التواصل الاجتماعيّ الإلكترونيّ من منظورٍ فقهيّ
|
رسالة الإسلام- الملتقى الفقهي
أضيف فى 1439/10/09 الموافق 2018/06/23 - 01:12 م

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعدُ،

ففي حلقةٍ ماضيةٍ من هذه النّافذة، تناولنا أحد الأعمال التأصيليّة المهمّة، فيما يخُص "فقه التّعامل والتواصل الاجتماعيّ"[1]، الذي نعتقد بأنّه ميدانٌ من أهمّ ميادين البحث الفقهيّ المعاصرة، يستحقّ أن يحتلّ مكانةً معتبرةً، إضافةً إلى فقه الأحوال الشخصية، وفقه المعاملات، وفقه الجنايات.

وفي هذه الحلقة، نتناول عملاً تأصيليّاً رائداً، يصبُّ في ذات المجرى، ويؤكّد أهميّة فقه التواصل والتعامل الاجتماعيّ، واستحقاقه لتلك المكانة الكبيرة، ذلكم هو البحثُ الذي وجّهت فيه الأستاذة نوف بنت محمد المسما، آليّات البحث الفقهيّ والشّرعيّ، من أجل إدراك وضبط عمليّة التواصل الاجتماعيّ التي تجري عبر الوسائط الإلكترونيّة، من خلال المواقع والتطبيقات العملية مثل التويتر والإنستغرام والتصفح عبر الشبكة. ورصد ما يترتّب عليها من آثار شرعيّة.

فوسمت الباحثة بحثها باسم: "التواصل الاجتماعي الإلكتروني من منظور فقهيّ: دراسة في الأحكام والضوابط والآثار الشرعية"، وجعلته مستنداً إلى قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13].

ولئن جاء هذا البحث في السياق الذي رسمناه آنفاً، باعتباره مؤكّداً لأهمية "فقه التواصل والتعامل الاجتماعيّ"، فلا يخفى أنّه يجيء كذلك مواكباً لتنامي البحوث الفقهيّة المعاصرة في مجال الحاسب الآليّ، وما يتعلّق به من ظواهر، حيث سبقها إلى البحث في هذا المجال من مهّد الطريق، فكتب عن "أحكام تقنية المعلومات: الحاسب الآلي وشبكة المعلومات "الإنترنت"[2]، ثم جاء من ارتقى درجةً أعلى فربط بين تقنيات الحاسب الآليّ، وبعض ضروب السلوك المتعلّقة بها، مثل "جرائم الحاسب الآليّ"[3]، ثم جاء من ألقى نظرةً عامّة فتناول "المعاملات الإلكترونية في الشريعة الإسلاميّة، دراسة مقارنة"[4]. ثم جاءت الباحثة الأستاذة نوف، فوجّهت بصرها تلقاء الإطار الكليّ والسياق العام الّذي يحيط بكلّ ما سبق، ألا وهو التواصل الاجتماعيّ، الذي يتمّ عبر تقنيّات الحاسب الآليّ، فكان هذا البحث المتفرّد.

اتبعت الباحثة في بحثها منهجية علميّةً جامعة، تربط بين الاستقراء والوصف والمقارنة والاستنباط في سياقٍ موضوعيّ واحد.

وقسمت موضوع بحثها إلى ثلاثة فصول وخاتمة:

ففي الفصل الأول، قامت بالتمهيد للبحث كلّه، تحت عنوان: "التعريف بالتواصل الاجتماعي الإلكترونيّ"، والذي تناولت فيه ثلاثة مباحث: الأول عن حقيقة التواصل الإلكترونيّ، والثاني عن حكم استخدام أجهزة التواصل الإلكتروني، والثالث عن حكم التواصل الاجتماعيّ الإلكتروني.

ومن ثمّ تناولت الباحثة في الفصل الثاني: "الضوابط الفقهيّة للتواصل الاجتماعيّ الإلكتروني" مباشرةً. وذلك من زاويتين:

زاويةً تتعلّق بطرفي عملية التواصل الاجتماعيّ الإلكترونيّ، أي: المرسل والمستقبل.

وزاويةً تتعلّق بوسائل التواصل الاجتماعيّ وأدواته.

أمّا الفصل الثالث، فقد خصصته الباحثة لتناول: "الأثر المترتب على مستخدم الوسائط والأدوات في التواصل الاجتماعي الإلكتروني"، وذلك بافتراض استخدام هذه الوسائط استخداماً صحيحاً، ثمّ بافتراض استخدامها استخداماً فاسداً.

هذا وقد جاء هذا البحث/ الكتابُ في مجلدٍ يزيد على أربعمائة صفحة، من القطع الكبير، حيث صدرت طبعته الأولى عام 1437هـ، 2016م، وتشارك في نشره كلٌّ من دار التراث الذهبيّ بالمملكة العربيّة السعودية، الرياض، ومكتبة الإمام الذهبي، بالكويت، حولي.

وجدير بالذكر: أنّ هذا الكتاب في الأصل كان رسالة علمية نالت بها الباحثة درجة الماجستير في الفقه الإسلامي وأصوله، من كلية الشريعة بالجامعة الكويتية.

وقام بالتقديم له فضيلة الشيخ أ.د. محمد الزحيلي، أستاذ الفقه الإسلاميّ والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، وذلك بكلمةٍ تحت عنوان: "الإسلام والعلم والمرأة والمجتمع"، نوّه فيها بالجهد العلميّ الكبير الذي بذلته الباحثة، مُقرّاً وشاهداً على أنّ هذه الرّسالة العلميّة، قد جاءت (محكمة الخطة والتقسيمات، شاملة لجوانب الموضوع، وكان المنهج موفقاً في الوصف والتحليل والجمع والاستقراء، والمقارنة، وبيان آراء الفقهاء التي تؤصل المسائل المستجدة عليها، وكانت الأفكار سديدة، والأحكام الشرعية صحيحة وواضحة، ومباشرة، ومقرونة بالدليل والترجيح والتعليل، والربط بالواقع والحياة، والأمثلة من التطبيقات الواقعية في المجتمع ولدى الأفراد)، وأنّها قد (وصلت الجديد بالقديم، ومزجت بين أقوال العلماء من السلف الصالح، وعبر القرون مع المساعي الحميدة في العصر الحاضر، فتجمّعت الثمار الشهية، مع التعمق وإحياء بعض كنوز الأجداد)، فبلغ عدد المصادر والمراجع المستخدمة فيها: (364) مرجعاً. فاستحقت أن يصفها الدكتور الزحيلي بأنّها (تحفة فنية أدبية، وذخيرة علمية، وبحث يفتخر به بين الرسائل الجامعية)[5].

والنّاظر في الكتاب، يلحظ أنّ الباحثة وإن انطلقت من قاعدة المفاهيم الكلية، محلّقةً نحو أفق الدّلالات العموميّة، فإنّها قد سلكت عبر مسارات بحثها مسلك التفصيل والتخصيص، ومواجهة الظواهر والإشكالات الواقعيّة المتعلقة بعملية التواصل الاجتماعيّ الإلكترونيّ، وقيودها وضوابطها الفقهيّة.

وكان متوقّعاً -والحالُ كذلك- أن تعقد الباحثة مبحثاً تتناول فيه المقارنة بين كلٍّ من عمليّتي التواصل الاجتماعيّ الحقيقيّ أو المباشر، والتواصل الاجتماعيّ الافتراضيّ أو الإلكترونيّ غير المباشر، فإنّ هذه المقارنة من شأنها أن تكشف عن أعماقٍ أبعد في غور عمليّة التواصل الاجتماعيّ الإلكتروني، فعسى أن تتصدّى لذلك في بحثٍ آخر تكلّل بها هذا المجهود العلميّ الرائع، فجزاها الله خير الجزاء على ما ساهمت به من ضبطٍ لهذا الحقل، ووضعٍ له تحت سلطان البحث الفقهيّ الشرعيّ.

لتصفح الرسالة اضغط هنا

المراجع

[1] وهو كتاب "فقه التعامل" لفضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز الفوزان.

[2]"جرائم الحاسب الآليّ في الفقه الإسلاميّ" رسالة دكتوراة في الفقه المقارن، ناقشتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، من إعداد الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند، لم تذكر الباحثة تاريخها.

[3] رسالة ماجستير، ناقشتها الجامعة الإسلامية بغزة، من إعداد عبير علي النجار، عام 1430هـ، 2009م.

[4] كتاب صدر عن منشأة المعارف بالإسكندرية، 2011م، من تأليف الأستاذ الدكتور حسني عبد السميع إبراهيم.

[5] ص 12، 13، 14 من الكتاب.


 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الشارقة: تكريم 58 حافظاً أتموا حفظ القرآن كاملاً
نظمت مؤسسة الشارقة للقرآن والسنة النبوية بمقرها في مدينة الشارقة حفلها السنوي لتكريم الحفاظ مع نهاية عام 2018 حيث بلغ عدد الحفاظ في مختلف مراكزها المنتشرة في ربوع إمارة الشارقة أكثر من 58 حافظا أتموا حفظ القرآن كاملاً.
مؤتمر إسلامي في مكة يحذر من تصدير الفتاوى خارج نطاقها الجغرافي
قال المؤتمر الإسلامي العالمي للوحدة الإسلامية إن لكل جهة أحوالها وأعرافها الخاصة بها التي تختلف بها الفتاوى والأحكام، داعيا إلى قصر العمل الموضوعي المتعلق بالشؤون الدينية الرسمية لكل دولة على جغرافيتها المكانية دون التدخل في شؤون غيرها.
وفاة الشيخ "العجلان" بعد أن أمضى 25 عامًا مدرسًا بالمسجد الحرام
توفي مساء أمس الثلاثاء، الشيخ محمد بن عبدالله العجلان المدرس في المسجد الحرام عن عمر يناهز الـ 80 عامًا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
معالي وزير الشؤون الإسلامية رئيسا لاتحاد الجامعات الإسلامية الأفريقية
الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ لرئاسة مجلس إدارة الاتحاد
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م