الأخلاقيات الاقتصادية في الإسلام*
|
الملتقى الفقهي - متابعات
أضيف فى 1439/10/06 الموافق 2018/06/20 - 08:26 ص

 

 

لا تنفصل الأخلاق في الإسلام عن أي منحىً من مناحي الحياة، فلا يوجد في حياة المسلم أي فعل أو سلوك يمكن أن يقوم به وهو غير متقيد بالمنظومة الأخلاقية التي أقرَّها الإسلام، وإذا كانت السلوكيات الاقتصادية الماديَّة في العصر الحديث وفق الثقافات الغربية منبتَّة الصلة بالأخلاق إلا على سبيل الاستحباب، وأحيانًا الحرمة، فإنها في المنظور الإسلامي لا تقوم إلا على أساس متين من الأخلاق السامية والقيم النبيلة.

إن المسلم عليه أن يُدْرك أنه خليفة الله سبحانه وتعالى في ملكه، وبالتالي فإنه لا يملك ما في حوزته على الحقيقة، وإنما هو مستخلَف فيه، يقوم فيه بدور الوكيل الذي ينفذ ما يطلبه المالك الحقيقي بأمانة ومسؤولية، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165]، وقال أيضًا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، وقد كلَّف الله الإنسان بإعمار الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» رواه مسلم،؛ ولذلك فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيُحاسِبنا على تعاملنا مع ما رزقنا به من نعم في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].

ومن هذا المُنطلق حرص الإسلام على وضع منظومة أخلاقيَّة للتعاملات المتعلقة بالمال والثروة، تعتمد على تقوى الله في هذه المعاملات.

إن استثمار المال وإنفاقه في الإسلام يجب أن يكون في الطَّيبات والمباحات، ولا يجوز الاستثمار والإنفاق في المحرَّمات التي نهانا الله عنها.

ونهى الإسلام عن صور معينة من البيوع والمعاملات التي تؤدي إلى فساد ونزاع، كالربا وبيع الإنسان ما لا يملكه، ونهى عن الغش والخداع والتغرير في المعاملات بحيث تقوم المعاملات على أساس من الوضوح والشفافية، فالأمانة يجب أن تكون قائمة في كل معاملات الإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ» رواه الترمذي.

وقرَّرَ الإسلام حقوقًا للمتعاقدين تَضْمَنُ رضاهم عن الصفقات التي يتم إبرامها بينهم، كإقرار الخيارات التي تسمح للمتعاقدين بالرجوع عن الصفقة سواء لتقدير أحد المتعاقدين لمدى مصلحتها له أو لعدم رؤيته لها أو لاكتشافه عيبًا لم يكن معروفًا وقت عقد الصفقة، فالإسلام يجعل الرضا مبدأً مهمًّا تقوم عليه المعاملات الاقتصادية، ويحض على التسامح في إبرامها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» رواه البخاري، ودعا الإسلام أيضًا ترتيبًا على دعوته للتسامح إمهال المعسرين لأداء ما عليهم من حقوق أو العفو عنها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].

يرفض الإسلام كذلك المعاملات التي ترسخ لثقافة الترف والاستهلاك، والعيش بطريقة تفوق الإمكانات الخاصة بكل إنسان، وفي الوقت ذاته لم يَنْهَ الإسلام عن التمتع بطيبات الحياة الدنيا التي رزقنا الله إياها، لكن دون إفراط ولا إسراف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، فالإفراط في الاستهلاك كما يحدث في الزمن الحاضر يؤدي إلى زيادة الإنتاج أكثر من الاحتياج الحقيقي للبشر، أو العكس، أي أن يقرر البعض زيادة الإنتاج دون احتياج حقيقي ومن ثَمَّ يخلق احتياجًا زائفًا لدي البشر لهذا الإنتاج سواء تغريرًا بالدعاية أو لكثرة العرض، ولهذه الزيادة غير الضرورية في الإنتاج والاستهلاك آثار ضارَّة جدًّا على الموارد والبيئة وحقوق الأجيال القادمة وأنماط الإنفاق والإخلال بتقدير الأولويات التي وضعها الله لنا وأراد منَّا تحقيقها.

ولا يجوز للإنسان أن يكنز ماله ويحبسه عن التداول والإنتاج، فعليه أن ينفق ماله في سبيل الله أو يستثمره بما يعود على المجتمع بالخير والنفع، قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]، كما فرض الإسلام مساعدة الفقراء والمساكين بواسطة الزكاة المفروضة والصدقات، وكذلك جعل المشاركة المجتمعية من الواجبات عبر الإنفاق في سبيل الله بالزكاة والصدقات، فالإسلام يرفض الأنانيَّة والفرديَّة، ولا يبيح لأتباعه الاستئثار بالخيرات بسبب القوة والنفوذ وحرمان الضعفاء.

إن الرؤية الإسلامية تضع في اعتبارها دائمًا ذلك الاعتبار الأخلاقي الداعي إلى التوازن والاعتدال في الأمور كلها، بلا إفراط ولا تفريط، فهي الأمة الوسط كما قال جَلَّ شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

* نقلاً عن بوابة دار الإفتاء المصرية

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين الشريفين يرعى غدًا حفل تدشين قطار الحرمين السريع
يرعى بمشيئة الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - يوم غد الثلاثاء حفل تدشين قطار الحرمين السريع.
كانتون سويسري يصوت لمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة
يصادق كانتون سويسري للمرة الثانية على قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العام، وصوت نحو 67 بالمئة من الناخبين في الكانتون الشمالي الشرقي لصالح القانون الجديد، وفق نتائج رسمية، ما يمهد الطريق أمامه للسير على خطى كانتون تيتشينو الجنوبي الذي أقر قانونا مشابها قبل عامين بدا وكأنه يستهدف النقاب واشكالا أخرى من الحجاب الإسلامي.
الكحوليات تقتل 3 ملايين شخص سنويا!
قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 3 ملايين شخص توفوا عام 2016 بسبب الإفراط في شرب الكحول، مما يعني أن واحدة من كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بهذا السلوك.
توفير أكثر من 14 ألف سجادة بالحرم المكي الشريف
قامت إدارة تطهير وسجاد المسجد الحرام بتجديد السجاد، بعد الانتهاء من خطة موسم حج عام 1439هـ، وذلك ضمن جهود الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبإشراف وتوجيه من الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس.
انطلاق اختبارات المسابقة السنوية للقرآن الكريم بالمسجد النبوي
تعلن الإدارة العامة للشؤون التوجيهية والإرشادية بالمسجد الحرام ممثلة بإدارة شؤون المصاحف والكتب عن انطلاق اختبارات المسابقة السنوية في القرآن الكريم والسنة النبوية لمنسوبي الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي برعاية كريمة من معالي الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس يوم الإثنين الموافق ١٤/١/١٤٤٠هـ في تمام الساعة الثامنة بتوسعة الملك عبدالله (رحمه الله) باب (١٢٣) حيث تتفرع المسابقة إلى قسمين على النحو التالي :
خطيب المسجد الحرام: الذكر عُمدة العبادات وأيسرها على المؤمن
شدد إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل غزاوي على أن الذكر هو عمدة العبادات وأيسرها على المؤمن، وأن العبد يكثر منه امتثالاً لأمر الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)، وأن للقلب غذاءً يجب أن يتغذى به حتى يبقى قوياً ؛ وغذاء القلب هو الإيمان بالله تعالى والعملُ الصالح، وعلى قدر ما يحقق العبد من ذلك يكون في قلبه من القوة والثبات على الحق ذلك أن الحياة الحقيقية هي حياة القلب، وحياة القلب لا تَتِم إلا بالعمل بما يرضي الله تعالى فالقلب متى ما اتصل بالله وأناب إليه حصل له من الغذاء والنعيم ما لا يخطر بالبال، ومتى غفل العبد عن ربه وأعرض عن طاعته فإنه سيموتُ قلبُه ؛ ولذا فلا يجدُ المرءُ راحةَ قلبه ولا صلاحَ باله ولا انشراح َصدره إلا في طاعة الله، فهذه العبادات والقربات التي يقوم بها العبد من شأنها بإذن الله أن تحقق الاطمئنان وتورثَ الصبر والثبات وتزيلَ الهموم وتُذهبَ الاكتئاب وتمنعَ الإحباط وتخلصَ من الضيق الذي يشعر به العبد نتيجة مصائب الدنيا.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م