آراء الفقهاء في الحيض الزائد عن العادة.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/10/05 الموافق 2018/06/19 - 04:26 م

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمّد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الدّم الزّائد على أكثر الحيض استحاضة؛ غير أنّهم مختلفون في أكثر أيّام الحيض على أقوال كثيرة؛ أشهرها قولان:

 أوّلهما: أنّه عشرة أيّام, وعليه الحنفيّة ومن وافقهم. قال القدوري: قال أصحابنا: أكثر الحيض عشرة أيام[1].

وثانيهما: أنّه خمسة عشر يومًا, وعليه جمهور أهل العلم من المالكيّة, والشّافعيّة, والحنابلة.

قال ابن رشد رحمه الله: روي عن مالك أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما[2].

وقال الماوردي رحمه الله: في أكثر الحيض وهو عند الشافعي خمسة عشر يوما[3].

وفي المغني: وأقل الحيض: يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما, قال ابن قدامة: هذا الصحيح من مذهب أبي عبد الله[4].

واختلفوا في الدّم الزائد عن العادة ولم يتجاوز أكثر الحيض على أقوال كثيرة, أشهرها ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: أنّ الدّم الزائد عن العادة, الذي لم يتجاوز أكثر الحيض حيض؛ حتى يتجاوز أكثر الحيض, فإن تجاوزه فهو استحاضة. وعلى هذا القول الحنفيّة, والمالكيّة في رواية, والشّافعيّة, وبعض الحنابلة منهم ابن قدامة[5].

قال السمرقندي في التحفة: وأما إذا زاد الحيض على عادتها وهي أقل من عشرة, فما رأت يكون حيضا إلى العشرة[6].

وفي المبسوط: اعلم بأن صاحبة العادة المعروفة إذا رأت الدم زيادة على عادتها المعروفة تجعل ذلك حيضا ما لم يجاوز أكثر الحيض, فإن جاوز ردت إلى أيام عادتها فيجعل ذلك حيضها وما سواه استحاضة[7].

قال ابن قدامة في المغني: وقال الشافعي: جميعه حيض ما لم تتجاوز أكثر الحيض, وهذا أقوى عندي[8].

الأدلة:

الدليل الأوّل: قول الله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}[9].

وجه الدلالة: أن الله تبارك وتعالى وصف الحيض بكونه أذى, وعلّق عليه أحكاما تخصّه، ولم يحدّه بحد معيّن، فعلم أنه رد الناس فيه إلى عرفهم، والعرف بين النساء أن المرأة متى رأت دما يصلح أن يكون حيضا، اعتقدته حيضا، ولو كان عرفهن اعتبار العادة على الوجه المذكور لنقل، ولم يجز التواطؤ على كتمانه، مع دعاء الحاجة إليه, فلما لم ينقل دل ذلك على عدم اعتبار العادة[10].

الدّليل الثّاني:  ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من أثر أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – أن النساء يبعثن إليها بالدرجة, فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول: «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء»[11].

وجه الدلالة: أنها – رضي الله عنها – أمرت بالتريث عن الاغتسال حتى ينقطع الدم، وتذهب الصفرة والكدرة، ولا يبقى شيء يخرج من المحل، بحيث إذا دخلت فيه قطنة خرجت بيضاء؛ ولو لم تعد الزيادة حيضا للزمها الغسل عند انقضاء العادة، وإن كان الدم جاريا[12].

الدليل الثالث: أن الأصل المتيقن به في الدم الخارج من المرأة أن يكون حيضا, والاستحاضة مشكوك فيها, فلا يرتفع يقين الحيض بمجرد الشك فيه[13].

الدّليل الرابع: أن طبع المرأة لا يكون على صفة واحدة في جميع الأوقات, فيزداد حيضها تارة باعتبار قوة طبعها، وينقص أخرى بضعف طبعها، وأمر الحيض مبني على الإمكان؛ فإذا لم تجاوز أكثر الحيض فالإمكان قائم في الكل، وإن جاوزت أكثر الحيض فقد صارت مستحاضة لما رأت زيادة على أكثر الحيض[14].

القول الثّاني: أن الدم الزائد عن العادة لا يعتبر حيضًا حتى يتكرّر ثلاثًا, وقيل: مرّتين, ويشترط في ذلك كلّه أن لا تتجاوز الزيادة أكثر الحيض؛ فإن تجاوزته فهي استحاضة. وهذا هو المذهب عند الحنابلة[15].

قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن المرأة إذا كانت لها عادة مستقرة في الحيض، فرأت الدم في غير عادتها، لم تعتد بما خرج من العادة حيضا، حتى يتكرر ثلاثا، في إحدى الروايتين، أو مرتين في الأخرى. نقل حنبل عن أحمد في امرأة لها أيام معلومة، فتقدمت الحيضة قبل أيامها، لم تلتفت إليها، تصوم وتصلي، فإن عاودها في الثانية، مثل ذلك، فإنه دم حيض منتقل. ونقل الفضل بن زياد: لا تنتقل إليه إلا في الثالثة، فلتمسك عن الصلاة والصوم[16].

التّعليل: أن العادة مأخوذة من المعاودة، ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة، بل لا بد من التكرار؛ ويدل على ذلك الأحاديث التالية:

الحديث الأوّل: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده؛ بسند صحيح؛ من حديث أم سلمة، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم، فقال: «تنتظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة، ثم لتغتسل، ولتستثفر ثم تصلي»[17].

وجه الدلالة: أن فيه إخبارا عن دوام الفعل وتكراره، ولا يحصل ذلك بمرة, ولا يقال لمن فعل شيئا مرة: كان يفعل.

ونوقش: بأنه سلّمنا أن العادة لا تسمى بذلك إلا بعد المعاودة والتكرار؛ غير أننا لا نسلّم اشتراط ذلك في الدم حتى يكون حيضًا, كما لا نسلّم تقدير ذلك بالثلاث؛ لأنّ الحديث لا يدل على ذلك, والتقدير بذلك يحتاج إلى دليل, ولا دليل على ذلك[18].

الحديث الثاني: ما أخرجه الترمذي في سننه؛ من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المستحاضة: «تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي»[19]. قال ابن قدامة: والأقراء جمع، وأقله ثلاثة[20].

ونوقش: بأنه لا دلالة فيه على اعتبار التكرار في الدم حتى يكون حيضًا؛ بل كل ما فيه أنه عليه الصلاة والسلام رد المستحاضة التي استمرّ معها الدّم إلى أيّام حيضها السّابق, وهذه بخلاف من زاد دم حيضها عن العادة فقط, ويؤيد هذا قول أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – للنساء «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء», فلم تأمرهن بالاغتسال بمجرد انتهاء وقت العادة, ولم تشترط لاعتبار الدم حيضا تكراره ثلاثا؛ لمن زاد على عادتها؛ بل الضّابط التي وضعت هو التربص والتريث والانتظار حتى يرين الطهر يقينا؛ ولو بالزيادة على العادة[21].

القول الثّالث: أن المرأة تبقى على عادتها عند زيادة الدم عليها, وتستظهر فوق العادة ثلاثا, إلا أن تتجاوز بالاستظهار أكثر الحيض, وبعد الاستظهار تكون مستحاضة. وهذا هو المذهب عند المالكيّة.

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وكان أقصى الحيض عند مالك خمسة عشر يوما, فكان يقول في المبتدأة وفي التي أيامها معروفة فيزيد حيضها إنهما تقعدان إلى كمال خمسة عشر يوما, فإذا زاد فهو استحاضة, ثم رجع في التي لها أيام معروفة  أن تستطهر بثلاثة أيام على عادتها ما لم تجاوز خمسة عشر يوما؛ احتياطيا للصلاة, ثم تغتسل بعد ذلك وتصلي[22].

الأدلة:

الدليل الأوّل: ما أخرجه البيهقي في الكبرى؛ من طريق حرام بن عثمان،  عن ابن جابر، عن أبيه، أن ابنة مرشد الأنصارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:  تنكرت حيضتي, قال: «كيف؟», قالت: تأخذني فإذا تطهرت منها عاودتني قال: «إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثا»[23].

ونوقش: بأن الحديث ضعيف, فلا تقوم به الحجة.

الدَّليل الثَّاني: أن الدم الزائد عن العادة دم خارج من البدن أشكل أمره, فاحتيج إلى التمييز بينه وبين غيره, فجاز اعتبار الثلاثة كلبن المصراة[24].

ونوقش: بأن القياس على لبن المصراة قياس مع الفارق؛ وذلك لأنّ العلة التي لأجلها خيّر المشتري هي دفع الغبن عنه بتوهّم غزارة اللبن, وحتى يعلم مقدار ما تدره من اللبن حقيقة, وإلا فاللبن نوع واحد قبل التصرية وبعدها؛ وهذا المعنى غير موجود في الاستظهار؛ لأنه لا يميز لنا بين الحيض والاستحاضة, ومن ثم فلا معنى للقول به[25].

التّرجيح: يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان ما عليه أصحاب القول الأول؛ وهو القول بأن الدّم الزائد عن العادة حيض ما لم يتبيّن خلاف ذلك, وذلك للأمور التالية:

الأمر الأول: قوة الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول.

الأمر الثاني: عدم سلامة الأقوال الأخرى الواردة في المسألة من الضعف والمناقشات.

الأمر الثّالث: أن الأصل المتيقن به في الدم الخارج من المرأة أن يكون حيضا, والاستحاضة مشكوك فيها, فلا يرتفع يقين الحيض بمجرد الشك فيه.

المراجع

[1]  التجريد 1/365.

[2]  بداية المجتهد 1/56.

[3]  الحاوي الكبير 1/389.

[4]  المغني 1/224.

[5] تحفة الفقهاء 34, المبسوط 3/178, الاستذكار 1/341, البيان 1/363, المغني 1/255.

[6]  بناء على أن أكثر الحيض عنهم عشرة. تحفة الفقهاء 34.

[7]  المبسوط 3/178.

[8]  المغني 1/255.

[9]  سورة البقرة: 222.

[10]  ينظر: المغني 1/255-256 بنوع من التصرف.

[11]  أخرجه في صحيحه معلقا بصيغة الجزم 1/71 كتاب الحيض/ باب إقبال المحيض وإدباره. وصححه الألباني في الإرواء 1/218.

[12]  ينظر: المغني 1/255.

[13]  الأحكام الفقهية لأمراض النساء والولادة, تأليف الدكتورة أسماء الرشيد ص: 106.

[14]  ينظر: المبسوط 3/178 بنوع من التصرف.

[15]  المغني 1/255.

[16]  المغني 1/254.

[17]  مسند الإمام أحمد 44/123 برقم 26510 إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.

[18]  ينظر: الأحكام الفقهية لأمراض النساء والولادة, تأليف الدكتورة أسماء الرشيد ص: 109 بنوع من التصرف.

[19]  سنن الترمذي 1/220 برقم 126 باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. صححه الألباني في الإرواء 1/225.

[20]  المغني 1/230.

[21]  ينظر: الأحكام الفقهية لأمراض النساء والولادة, تأليف الدكتورة أسماء الرشيد ص: 109-110 بنوع من التصرف.

[22]  الاستذكار 1/341.

[23]  السنن الكبرى 1/489 برقم 1568 كتاب الحيض/ باب في الاستظهار. قال البيهقيي: قال الشيخ: أبو بكر يعني ابن إسحاق: الخبر واه. وقال ابن عبد البر: هذا حديث لا يوجد إلا بهذا الإسناد, وحرام بن عثمان المدني متروك الحديث, مجتمع على طرحه؛ لضعفه, ونكارة حديثه حتى لقد قال الشافعي: الحديث عن حرام بن عثمان حرام, وقال بشر بن عمر: سألت مالك بن أنس عن حرام بن عثمان فقال: ليس ثقة. الاستذكار 1/341-342.

[24]  الأحكام الفقهية لأمراض النساء والولادة ص: 111.

[25]  المصدر السابق ص: 111.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
وفاة العلامة الشيخ الحاج ولد فحفو أشهر علماء موريتانيا
أعلن صباح الثلاثاء 2018/07/17 عن وفاة العلامة الموريتاني الشيخ الحاج ولد فحفو، وذلك في عن عمر ناهز 110 سنوات قضاها في خدمة العلم، بمحظرته الشهيرة في ولاية تكانت وسط البلاد.
تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحج والعمرة عام 2030
نشرت وزارة الحج والعمرة السعودية مقطع فيديو يصور مستقبل الحج بحلول عام 2030، بعد تفعيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في توفير تجربة حج عالية الجودة والتنظيم.
أولى قوافل الأتراك تنطلق نحو الأراضي المقدّسة لأداء مناسك الحج
توجّهت أمس الأربعاء، القافلة الأولى من الأتراك، إلى الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية، لأداء مناسك الحج، بإشراف رئاسة الشؤون الدينية التركية
الحكم عند خروج شيء من الميّت بعد تكفينه.
فنقول وبالله التوفيق: اختلف أهل العلم في الحكم عند خروج شيء من الميّت بعد تكفينه؛ هل يجرّد من الكفن ويجدّد غسله مطلقًا, أم لا يجرّد من الكفن ولا يجدّد غسله مطلقًا؛ أم في المسألة تفصيل آخر؟ لأهل العلم فيها أقوال كثيرة, أشهرها ثلاثة:
ضوابط الأخذ بالرّخص الفقهيّة.
فإنّ الفقهاء – رحمهم الله تعالى – يجتهدون في كثير من المسائل الفقهيّة المطلقة؛ والتي لا يوجد نصّ صريح في بيان أحكامها؛ فيفتون بإباحة ما تحقق فيها مصالح معتبرة شرعًا, وبحرمة ما كانت مفاسدها مساوية لمصالحها, أو أكثر منها, أو يوجد أصل أو قاعدة شرعيّة معتبرة تعارضها؛ غير أن للأخذ بالرخص الفقهيّة ضوابط لا يتفطّن إليها إلا الأخيار, ولا يعرفها إلا ذو الاختصاص؛ فنريد في هذا الصدد الإفادة بضوابط الأخذ بهذه الرّخص الفقهيّة؛ إذ الأخذ بها ليس جائزًا مطلقًا؛ بل مقيّد بشروط وضوابط لا بدّ من توفّرها قبل الإقدام عليها؛ وعدم توفّرها يؤدّي إلى التّلفيق الممنوع.
أبو جعفر في اصطلاح المذاهب الأربعة.
فإنّ المتأمّل في المصنّفات في المذاهب الفقهيّة الأربعة يلمس أنّ المكنّين بأبي جعفر عند أهل مذهب واحد منها كثيرون؛ فضلا عن المكنّين به عند بقيّة المذاهب؛ ففي هذا الصدد نريد أن نبيّن المعنيّين بتلك الكنية عند فقهاء المذاهب الأربعة؛ وذلك عند الإطلاق, وفي ذلك نقول وبالله التّوفيق:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م