المقاصد المرعية في تحريم النظّر إلى الأجنبيَّات.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/09/30 الموافق 2018/06/14 - 04:13 م

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيّدنا ونبيّنا محمّد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإنّ في تقديم المولى عزّ وجلّ غضّ البصر على حفظ الفرج من الفواحش والرذائل في قوله تبارك وتعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}[1] سرًّا ومقصدًا عظيمًا؛ لا يتفطّن إليه إلاَّ العالِمون, ولا يدركه إلا الموفَّقون؛ فالله جلّ في علاه قدّم غضّ البصر على حفظ الفرج؛ ليعلّمنا أن العين مرآة القلب, فإذا غضّ العبد بصره سكَّن القلب شهوته وإرادته, وإذا أطلق بصره على الفواحش والمنكرات, حرّض القلب شهوته وإرادته عليها؛ فغضُّ البصر وسيلة عظيمة لحفظ الفرج؛ وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب؛ ولذلك بدء بغض البصر وقدّمه.

قال ابن القيم الجوزيّة رحمه الله تعالى: فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة, ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا؛ بل أمر بالغض منه, وأما حفظ الفرج فواجب بكلّ حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عمّ الأمر بحفظه[2].

وقال رحمه الله تعالى: وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته, وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته[3].

وقال القرطبي: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته, ووجب التحذير منه، وغضّه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله[4].

وليس في تحريم النّظر إلى المحرّمات خلاف يعلم بين أهل العلم الموثوقين بعلمهم, كما أن الذي عليه جمهور أهل العلم هو تحريم النّظر إلى الأجنبيَّات؛ إلا أن تدعو إلى النّظر إليهنّ حاجة معتبرة شرعًا؛ كأن يكون الباعث إلى النّظر إليها إرادة الزواج بها, أو غير ذلك من الأعذار الشرعية المبيحة النظر.

والأدلة على هذا الباب من الكتاب والسنة كثيرة مستفيضة؛ نذكر منها ما يلي من باب النصح والتذكير:

الدّليل الأوّل: قول الله تعالى:  {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}[5]. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى – عند تفسير قوله: {ذلك أزكى لهم}: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: «من حفظ بصره، أورثه الله نورا في بصيرته». ويروى: «في قلبه»[6].

الدليل الثاني: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه»[7].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فبدأ بزنى العين؛ لأنّه أصل زنى اليد والرجل والقلب والفرج, ونبه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقبل, وجعل الفرج مصدقا لذلك إن حقق الفعل, أو مكذبا له إن لم يحققه, وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر أن ذلك زناها, ففيه رد على من أباح النظر مطلقا[8].

الدّليل الثَّالث: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقّه»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر»[9].

فإذا ثبت بهذه الأدلة أنّ النظر إلى الأجنبيَّات - من غير حاجة داعية إلى ذلك – محرّم؛ فما هي المقاصد المرعية والفوائد المجنيّة من الانقياد لهذا التّشريع؟.

نقول وبالله التوفيق: ذكر العلامة ابن القيم الجوزيّة – رحمه الله تعالى – جملة من المقاصد والفوائد المستفادة من تحريم إطلاق النظر إلى الأجنبيَّات, والأمر بغضّ البصر, وفيما يلي عرض لما ذكره رحمه الله تعالى:

الفائدة الأولى: تخليص القلب من ألم الحسرة, فإن من أطلق نظره دامت حسرته, فأضرُّ شيء على القلب إرسال البصر؛ فإنه يريه ما يشتد طلبه, ولا صبر له عنه, ولا وصول له إليه, وذلك غاية ألمه وعذابه. قال الأصمعي: رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة فجعلت أنظر إليها وأملأ عيني من محاسنها, فقالت لي: يا هذا ما شأنك؟! قلت وما عليك من النظر؟ فأنشأت تقول:

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر.

الفائدة الثَّانية: أنه يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح ,كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه, ولهذا - والله أعلم - ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى {الله نور السموات والأرض} عقيب قوله {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}.

الفائدة الثالثة: أنه يورث صحة الفراسة, فإنها من النور وثمراته, وإذا استنار القلب صحّت الفراسة؛ لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوة, تظهر فيها المعلومات كما هي, والنظر بمنزلة التنفس فيها, فإذا أطلق العبد نظرة تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه فطمست نورها.

قال شجاع الكرماني من عمر ظاهره باتباع السنة, وباطنه بدوام المراقبة, وغض بصره عن المحارم, وكف نفسه عن الشهوات, وأكل من الحلال, لم تخطىء فراسته.

الفائدة الرابعة: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه, ويسهل عليه أسبابه, وذلك بسبب نور القلب, فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات, وانكشفت له بسرعة, ونفذ من بعضها إلى بعض, ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم, وانسد عليه باب العلم وطرقه.

الفائدة الخامسة: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته, فيجعل له سلطان البصير مع سلطان الحجة, ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه. قال الحسن: إنهم وإن هملجت بهم البغال طقطقت بهم البراذين, إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه. وقال بعض الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك, ولا يجدونه إلا في طاعة الله, ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه, ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه, وفيه قسط ونصيب من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت.

الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر؛ وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه.

وأيضا فإنه لما كف لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها, كما قال بعضهم: والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب, ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحا وسرورا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما, وهاهنا يمتاز العقل من الهوى.

الفائدة السابعة: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة, فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل: طليق برأي العين وهو أسير. ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه, وسامه سوء العذاب وصار:

كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب

الفائدة الثامنة: أنه يسد عنه بابا من أبواب جهنم, فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل, وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول, فمتى هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية, فإن النفس في هذا الباب لا تقتع بغاية تقف عندها, وذلك أن لذتها في الشيء الجديد, فصاحب الطارف لا يقتعه التليد وإن كان أحسن منه منظرا وأطيب مخبرا, فغض البصر يسد عنه هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه.

الفائدة التاسعة: أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته, فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب, فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب, ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه لما أطلق بصره, قال الشاعر:

وأعقل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يفكر ما تجني عواقبه

الفائدة العاشرة: أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة, فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة, ويوقع في سكرة العشق كما قال الله تعالى عن عشاق الصور {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}, فالنظرة كأس من خمر, والعشق هو سكر ذلك الشراب, وسكر العشق أعظم من سكر الخمر, فإن سكران الخمر يفيق, وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات[10].

المراجع

[1]  سورة النور: 30-31

[2]  روضة المحبين ص: 92.

[3]  المصدر السَّابق ص: 92.

[4]  تفسير القرطبي 12/223.

[5]  سورة النور: 30-31

[6]  تفسير ابن كثير 6/43.

[7]  صحيح البخاري 8/54 برقم 6243 كتاب الاستئذان/ باب زنا الجوارح دون الفرج. صحيح مسلم 4/2047 برقم 2657 كتاب القدر/ باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره.

[8]  روضة المحبين ص: 93.

[9]  صحيح البخاري 3/132 برقم 2465 كتاب المظالم والغصب/ باب أفنية الدور والجلوس فيها، والجلوس على الصعدات. صحيح مسلم 3/1675 برقم 2121 كتاب اللباس والزينة/ باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه.

[10]  روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص: 97-104.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
وفاة العلامة الشيخ الحاج ولد فحفو أشهر علماء موريتانيا
أعلن صباح الثلاثاء 2018/07/17 عن وفاة العلامة الموريتاني الشيخ الحاج ولد فحفو، وذلك في عن عمر ناهز 110 سنوات قضاها في خدمة العلم، بمحظرته الشهيرة في ولاية تكانت وسط البلاد.
تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحج والعمرة عام 2030
نشرت وزارة الحج والعمرة السعودية مقطع فيديو يصور مستقبل الحج بحلول عام 2030، بعد تفعيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في توفير تجربة حج عالية الجودة والتنظيم.
أولى قوافل الأتراك تنطلق نحو الأراضي المقدّسة لأداء مناسك الحج
توجّهت أمس الأربعاء، القافلة الأولى من الأتراك، إلى الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية، لأداء مناسك الحج، بإشراف رئاسة الشؤون الدينية التركية
الحكم عند خروج شيء من الميّت بعد تكفينه.
فنقول وبالله التوفيق: اختلف أهل العلم في الحكم عند خروج شيء من الميّت بعد تكفينه؛ هل يجرّد من الكفن ويجدّد غسله مطلقًا, أم لا يجرّد من الكفن ولا يجدّد غسله مطلقًا؛ أم في المسألة تفصيل آخر؟ لأهل العلم فيها أقوال كثيرة, أشهرها ثلاثة:
ضوابط الأخذ بالرّخص الفقهيّة.
فإنّ الفقهاء – رحمهم الله تعالى – يجتهدون في كثير من المسائل الفقهيّة المطلقة؛ والتي لا يوجد نصّ صريح في بيان أحكامها؛ فيفتون بإباحة ما تحقق فيها مصالح معتبرة شرعًا, وبحرمة ما كانت مفاسدها مساوية لمصالحها, أو أكثر منها, أو يوجد أصل أو قاعدة شرعيّة معتبرة تعارضها؛ غير أن للأخذ بالرخص الفقهيّة ضوابط لا يتفطّن إليها إلا الأخيار, ولا يعرفها إلا ذو الاختصاص؛ فنريد في هذا الصدد الإفادة بضوابط الأخذ بهذه الرّخص الفقهيّة؛ إذ الأخذ بها ليس جائزًا مطلقًا؛ بل مقيّد بشروط وضوابط لا بدّ من توفّرها قبل الإقدام عليها؛ وعدم توفّرها يؤدّي إلى التّلفيق الممنوع.
أبو جعفر في اصطلاح المذاهب الأربعة.
فإنّ المتأمّل في المصنّفات في المذاهب الفقهيّة الأربعة يلمس أنّ المكنّين بأبي جعفر عند أهل مذهب واحد منها كثيرون؛ فضلا عن المكنّين به عند بقيّة المذاهب؛ ففي هذا الصدد نريد أن نبيّن المعنيّين بتلك الكنية عند فقهاء المذاهب الأربعة؛ وذلك عند الإطلاق, وفي ذلك نقول وبالله التّوفيق:
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م