العمل عند تعارض المبقي للبراءة الأصليّة مع الرّافع لها.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/09/28 الموافق 2018/06/12 - 02:06 م

 

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإذا وجدنا دليلين متعارضين في شيء معيَّن: أحدهما يتضمن الإبقاء والثبات على البراءة الأصليّة, والآخر يتضمّن النّقل والرّفع عنها, فما هو المرجَّح المعمول به بينهما عند علماء الأصول؟.

نقول وبالله التّوفيق: اختلفت آراء علماء الأصول في هذه المسألة؛ ولهم فيها رأيان مشهوران:

الرأي الأوّل: ذهب جمهور الأصوليّين إلى أنّه يرجّح الدّليل الرّافع للبراءة الأصلية على المبقي لها[1].

في مذكرة أصول الفقه: المشهور عند الأصوليين ترجيح الدّليل الرّافع للبراءة الأصلية على المبقي لها, وعكس بعضهم فرجّح المبقي على الأصل بالبراءة الأصلية[2].

وفي مختصر التحرير: ويرجح على مقرر للحكم الأصلي ناقل عنه عند الجمهور[3].

وقال المنياوي: إذا تعارض حكمان أحدهما مقرر للحكم الأصلي، والآخر ناقل عن حكم الأصل, فالناقل مقدم عند الجمهور[4].

التّعليلات:

التّعليل الأوّل: أن الناقل عن الحكم الأصلي يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في المقرر له[5]؛ إذ المقرّر للبراءة الأصلية لا يستفاد منه شيء؛ فهو عين الحكم المستفاد من البراءة الأصلية[6].

التعليل الثاني: ولأن في الأخذ بحكم الرافع للبراءة الأصلية تقليلا للنسخ؛ بيان ذلك أننا لو قدرنا تأخر المبقي للبراءة الأصلية عن الرافع لها يكون في ذلك تكثير النسخ؛ لأن الناقل حينئذ يزيل حكم الأصل, ثم المبقي يزيل حكم الناقل, فيلزم النسخ مرتين.

وأما لو قدرنا تأخر الناقل وأخذنا به ففيه تقليل النسخ؛ لأن المبقي للبراءة يكون واردا أولا لتأكيد الأصل, ثم يرد الناقل بعده لإزالة حكم المبقي فيلزم النسخ مرة واحدة[7].

ونوقش: بأن دعوى تقليل النسخ بترجيح الناقل على المبقي غير مستقيمة؛ لأن الخبر الرافع لحكم الأصل ليس نسخا؛ إذ النسخ إزالة حكم شرعي سابق؛ ولم يكن قبل الخبر الرافع للبراءة الأصلية حكم شرعي سابق حتى نقول إنه أزاله[8].

القول الثاني: وذهب بعضهم – ومنهم الرازي والبيضاوي والطوفي - إلى أنّه يرجّح الدّليل المبقي للبراءة الأصليّة على المزيل لها[9].

التّعليلات:

التّعليل الأوّل: أن الدّليل المبقي للبراء الأصلية موافق ومعضد بدليل الأصل[10].

التّعليل الثاني: ولأن الحمل على ما لا يستفاد إلا من الشرع، أولى مما يستفاد من العقل[11].

التعليل الثالث: ولأن المبقي متأخر عن الناقل، إذ لو لم يتأخر عنه لم يكن له فائدة؛ لأنه حينئذ يكون واردا حيث لا يحتاج إليه؛ لأن في ذلك الوقت نعرف الحكم بدليل آخر, وهو البراءة الأصلية والاستصحاب، وإذا كان متأخرا عن الناقل كان أرجح منه[12].

التّرجيح: الرّاجح – والله تعالى أعلم- هو ما عليه جمهور الأصوليين؛ وهو القول بأن الأخذ بالنّاقل عن البراءة الأصلية أولى من الأخذ بالمبقي لها؛ وذلك عند التعارض؛ وإمّا أذا أمكن الجمع بينهما فيتعيّن ذلك.

أثر التّعارض بين الدليل المبقي للبراءة الأصلية والرافع لها:

من الآثار المترتبة على الاختلاف في المرجَّح بين الدليل المبقي للبراءة الأصلية والرافع لها اختلاف الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية؛ التي تدور أدلتها المتعارضة بين البقاء على البراءة الأصلية أو الرفع والنقل عنها؛ ومن تلك المسائل على سبيل المثال لا الحصر المسألتان التاليتان:

المسألة الأولى: مسألة مس المتوضئ الذكر, وفيها حديثان:

الحديث الأول: ما أخرجه ابن حبان في صحيحيه – بسند صحيح - من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان عن بسرة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة»[13].

الحديث الثاني: ما أخرجه ابن حبان في صحيحيه – بسند صحيح – من حديث قيس بن طلق، قال: حدثني أبي، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فتصيب يده ذكره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك»[14].

فمن أخذ بالحديث الأوّل؛ وهو حديث بسرة قال بوجوب الوضوء من مسّ الذّكر؛ ترجيحًا للناقل من البراءة الأصليّة على المبقي لها؛ لأنّه يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في المقرر لها. وعلى هذا جمهور أهل العلم من الشافعية والحنابلة وغيرهم[15].

قال الماوردي: ومس الفرج هو القسم الخامس من أقسام ما يوجب الوضوء, وبه قال في الصحابة عمر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة[16].

ومن هؤلاء من رجّح هذا المذهب بالقول بأن حديث طلق منسوخ بحديث بسرة؛ لأنه قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبني مسجده أول الهجرة ، ولم يعد إليه بعد.

ونوقش هذه الدعوى بالأمور التالية:

الأمر الأول: أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن.

الأمر الثاني: أن في حديث طلق علة لا يمكن أن تزول، وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع علته، والعلة هي قوله: «إنما هو بضعة منك»، ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بضعة منه، فلا يمكن النسخ.

الأمر الثالث: أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي، أو تقدم أخذه؛ لجواز أن يكون الراوي حدث به عن غيره. بمعنى: أنه إذا روى صحابيان حديثين ظاهرهما التعارض، وكان أحدهما متأخرا عن الآخر في الإسلام، فلا نقول: إن الذي تأخر إسلامه حديثه يكون ناسخا لمن تقدم إسلامه، لجواز أن يكون رواه عن غيره من الصحابة، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث به بعد ذلك[17].

ومن أخذ بالحديث الثّاني؛ وهو حديث طلق قال بإسقاط الوضوء من مسّ الذّكر؛ ترجيحًا للمبقي على البراءة الأصليّة على الرافع لها. وعلى هذا الحنفيّة والحنابلة في رواية ومن وافقهم[18].

قال القدوري في التجريد: قال أصحابنا: لا وضوء في مس الذكر[19].

الترجيح: الحق – والله تعالى أعلم – القول باستحباب الوضوء من مسّ الذكر؛ ويعد هذا من الطرق التي سلكها أهل العلم في الجمع بين الحديثين.

قال ابن العثيمين رحمه الله تعالى: والخلاصة: أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقا، سواء بشهوة أم بغير شهوة، وإذا مسه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدا، لكني لا أجزم به، والاحتياط أن يتوضأ[20].

المسألة الثّانية: الفطر بالحجامة. وورد فيها حديثان:

الحديث الأول: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما -قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم»[21].

الحديث الثاني: ما أخرجه الحاكم في المستدرك؛ من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم، والمحجوم»[22].

فمن أخذ بالحديث الأوّل؛ وهو حديث ابن عباس قال بعدم الفطر بالحجامة, وعدم كراهيّتها للصّائم؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأول: موافقة الدليل الأول للبراءة الأصلية ؛ إذ الأصل عدم الفطر بذلك.

الأمر الثاني: قياس الحجامة على الفصد والرعاف؛ باعتبارها دما خارجا من البدن فأشبه الفصد. وعلى هذا المذهب الحنفيّة والشافعية ومن وافقهم[23].

قال الماوردي: فأما الحجامة، فلا تفطر الصائم، ولا تكره له, وهو قول أكثر الصحابة والفقهاء[24].

ومن أخذ بالحديث الثاني؛ وهو حديث أبي موسى قال بالفطر من الحجامة؛ ترجيحًا للناقل من البراءة الأصليّة على المبقي لها؛ لأنّه يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في المقرر لها. وعلى هذا المذهب الحنابلة[25].

ومن دفع التعارض بين الحديثين جمع بينهما بالقول بأنّ الحجامة مكروهة للصائم وغير مفطرة. وعلى هذا المالكيّة.

قال ابن رشد: وقوم قالوا: إنها مكروهة للصائم وليست تفطر، وبه قال مالك[26].

المراجع

[1]  مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص: 387, شرح مختصر الروضة 3/702, مختصر التحرير 4/687, الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول ص: 576.

[2]  مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص: 387.

[3]  مختصر التحرير 4/687.

[4]  الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول ص: 576.

[5]  مختصر التحرير 4/687.

[6]  مجلة الجامعة الإسلامية, العدد: 154 ص: 194.

[7]  مجلة الجامعة الإسلامية, العدد: 154 ص: 194.

[8]  المصدر السابق.

[9]  مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص: 387, شرح مختصر الروضة 3/702, مختصر التحرير 4/688, نهية السول ص: 386.

[10]  ينظر: شرح مختصر الروضة 3/702.

[11]  مختصر التحرير 4/688.

[12]  نهية السول ص: 386.

[13]  صحيح ابن حبان 3/400 برقم 1116.

[14]  صحيح ابن حبان 3/403 برقم 1120 صححه الألباني. ينظر: التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 2/387.

[15]  الحاوي الكبير 1/190, المغني 1/131.

[16]  الحاوي الكبير 1/190.

[17]  ينظر: الشرح الممتع 1/284.

[18]  المغني 1/131.

[19]  التجريد للقدوري 1/180.

[20]  الشرح الممتع 1/284.

[21]  صحيح البخاري 3/33 برقم 1938 كتاب الصوم/ باب الحجامة والقيء للصائم.

[22]  المستدرك على الصحيحين 1/594 برقم 1567.

[23]  بدائع الصنائع 2/107, الحاوي الكبير 3/461.

[24]  الحاوي الكبير 3/461.

[25]  المغني 3/120.

[26]  بداية المجتهد 2/53.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م