حكم قطع الأصبع الزّائدة.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/09/26 الموافق 2018/06/10 - 01:05 م

 

بسم الله, الحمد لله, والصّلاة والسّلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن والاه. أمّا بعد:

فإنّ من بديع صنع الله تعالى, وكمال ربوبيّته وألوهيته, أنّه يفعل ما يشاء في مخلوقاته؛ فيخلق من يشاء بخمسة أصابع في يد واحدة وهو الأكثر؛ ويزيد فيمن يشاء أصبعًا زائدة على تلك الخمسة عدلاً وحكمة؛ فهل لمن زاد ربّ العالمين أصبعا على أصابعه الخمسة أحقيّة وأهلية إزالتها مطلقًا؟ أم ليس له ذلك مطلقًا؟ أم الكلام في ذلك ينبني على تفصيل؟.

نقول وبالله التَّوفيق: الأصبع الزائدة لا يخلو أمرها من حالتين اثنتين, ولكل حالة ما يخصها من أحكام:

الحالة الأولى: أن لا يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها.

الحالة الثَّانية: أن يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها.

أمَّا الحالة الأولى: وهي التي لا يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها. فللعلماء في قطعها رأيان مشهوران:

الرّأي الأوّل: جمهور أهل العلم على أنه إن لم يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها فلا يجوز قطعها. وعلى هذا المالكية[1], والشّافعيّة[2], والحنابلة[3].

قال أبو عبد الله عليش رحمه الله تعالى: يأتي على ما أدخله الطبري في النهي: من خلق له إصبع أو يد زائدة أنه لا يجوز له قطعها ولا نزعها؛ لأنه تغيير لخلق الله تعالى, إلا أن يكون هذا الزائد يؤذيه ويؤلمه, من إصبع أو ضرس فلا بأس بنزعه على كل حال[4].

وقال الشربيني رحمه الله تعالى: فلا يصح استئجار لقلع سن صحيحة؛ لحرمة قلعها، وفي معناها كل عضو سليم من آدمي أو غيره في غير قصاص, أما العليلة فيصح الاستئجار لقلعها إن صعب الألم، وقال أهل الخبرة: إن قلعها يزيل الألم[5].

وقال أبو الحسن المرداوي الحنبلي رحمه الله تعالى: لا تقطع الإصبع الزائدة, نقله عبد الله عن أحمد[6].

وقال صالح ابن الإمام أحمد: قلت الصبي يولد وأصبع له زائدة يقطع؟ فقال: لا يقطع[7].

وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: قال أبو جعفر الطبري: في حديث ابن مسعود[8] دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها, أو أسنان طوال فقطعت أطرافها, وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لأن كل ذلك تغيير خلق الله[9].

وقال القاضي عياض – رحمه الله تعالى – معلِّقًا على كلام الطّبري: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه؛ لأنه من تغيير خلق الله تعالى، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره[10].

الأدلة:

الدّليل الأوّل: أن ذلك يعد من تغيير خلق الله تعالى, وذلك محرم, قال الله تعالى حكاية عن إبليس: {ولآمرنّهم فليغيرن خلق الله}[11].

الدّليل الثّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «لعن الله الواشمات والموتشمات، والمتنمصات والمتفلجات، للحسن المغيرات خلق الله»[12].

الواشمات: جمع واشمة اسم فاعلة من الوشم وهو غرز إبرة أو نحوها في الجلد حتى يسيل منه الدم, ثم يحشى الموضع بكحل أو نحوه فيتلون الجلد, ولا يزول بعد ذلك أبدا.

المتوشمات: جمع موتشمة وهي التي يفعل فيها الوشم.

المتنمصات: جمع متنمصة وهي التي تطلب إزالة شعر وجهها ونتفه, والتي تزيله وتنتفه تسمى نامصة.

المتفلجات: جمع متفلجة وهي التي تبرد أسنانها لتفترق عن بعضها للحسن؛ لأجل الجمال[13].

وجه الدلالة: أن ما في هذا الحديث من اللعن يشمل القطع من غير ضرورة وحاجة تدعو إليه؛ لأنّه يشترك مع المنصوصات في هذا الحديث في أنّ الباعث إلى فعلها تغيير خلق الله تعالى بقصد الحسن والجمال.

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: قال أبو جعفر الطبري: في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها, أو أسنان طوال فقطعت أطرافها. وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لأن كل ذلك تغيير خلق الله[14].

وفي كتاب أحكام الجراحة الطبية: فتبين من هذا كلّه أنه لا يجوز قطع الأصبع الزائدة التي لم توجد الحاجة لقطعها, وأن قطعها على هذا الوجه يعتبر داخلا في المنهي عنه, الملعون فاعله وطالبه, ومن ثم فإنه يعتبر من كبائر الذنوب والعياذ بالله؛ ولهذا نص الإمام أحمد – رجمه الله تعالى – على حرمة قطعها[15].

الرأي الثَّاني في المسألة: وذهب جمع من علمائنا المعاصرين إلى جواز ذلك ما لم يترتّب على القطع مفسدة. وممن قال بهذا القول العلامة ابن العثيمين, والدكتور محمد عثمان شبير وغيرهم[16].

قال العلامة ابن العثيمين: فالصواب أنّ إزالة الأصبع الزائدة في وقتنا الحاضر جائزة, ولا شيء فيها، وهذا نظير ما قال العلماء في البواسير، قالوا: إن قطع البواسير حرام؛ لأنه يمكن أن ينزف الدم حتى يموت، فيكون متسببا في قتل نفسه، ولكنه في الوقت الحاضر أصبحت هذه العملية عملية بسيطة, وليس فيها أي نوع من الخطر، فلكل مقام مقال، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما[17].

التّعليلات:

التّعليل الأوّل: أنّ قطعها من باب إزالة عيب، وليس من باب التجميل[18].

ونوقش: بأنه لا يسلّم بأنّه من باب إزالة عيب فحسب؛ بل في قطعها جمع بين إزالة العيب والتجميل؛ ولو سلّم جدلاً أنّه من باب إزالة العيب؛ فليس ذلك مبرّرا معتبرًا؛ إذ الشّرع حرّم على المرأة وصل شعرها بشعر؛ ولو كان باعثها إلى ذلك إزالة عيب نقصان شعرها؛ دليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة»[19].

وفي رواية لمسلم, عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمرط شعرها فأرادوا أن يصلوه، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك «فلعن الواصلة والمستوصلة»[20].

التّعليل الثَّاني: ولأنها لا تضمن عند الجناية عليها بالقيمة المقدّرة شرعًا في الأصبع الأصلية؛ وإنّما توجب فيها حكومة[21]. في الجوهرة النيرة: وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل؛ تشريفا للآدمي؛ لأنها جزء من يده, لكن لا منفعة فيها, ولا زينة[22].

ونوقش بالأمور التَّالية:

الأمر الأوّل: أن في قطعها مخالفة لنص الكتاب والسنة المقتضي حرمة تغيير خلقة الله تعالى مطلقًا؛ سواء كان ذلك بسبب التحسين والتجميل, أو بسبب إزالة العيب الموجود في أصل الخلقة.

الأمر الثاني: أن إسقاط بعض الفقهاء ضمان هذه الأصبع الزائدة بالقيمة المعتبرة للأصبع الأصلية لا يوجب إسقاط حرمة الأصبع نفسها؛ بدليل إيجابهم ضمانها بحكومة عدل؛ فهذا إن دل على شيء فإنما يدلّ على اعتبارهم حرمتها, وإنّما يستقيم الاستدلال لو أنهم لم يوجبوا ضمانها بشيء[23].

التّرجيح: يظهر – والله تعالى أعلم – رجحان ما عليه جمهور أهل العلم؛ وهو القول بعدم جواز قطعها, ما لم يتضرر بها الإنسان؛ وذلك لما يلي من الأمور:

الأمر الأوّل: قوة الأدلة التي استدلوا بها؛ وسلامتها من المناقشات والاعتراضات.

الأمر الثَّاني: ولأنّ أصحاب القول الثاني  الذين رأوا أنه من باب إزالة العيب؛ وافقوا أصحاب القول الأوّل في حرمة قطعها؛ إذا كان الباعث إلى القطع التّجميل والتّحسين. قال العلامة ابن العثيمين: لأنّ هذا إزالة عيب، وليس من باب التجميل، ولو كان من باب التجميل لكان حراما، ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم: «النامصة والمتنمصة» لأنها تزيل شيئا خلقه الله للتجميل[24].  وقد سبق التقرير بأن فيه المعنيين؛ إزالة العيب, والتّجميل مع التحسين.

قال العلامة محمد المختار الشنقيطي بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: وعليه فإنه لا يجوز للطبيب, ولا للطالب للقطع القيام بفعل هذا القطع, والإذن به, والله أعلم[25].

وأمّا الحالة الثَّانية: وهي التي يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها.

نقول وبالله التوفيق: يجوز في هذه الحالة لصاحب تلك الأصبع الزائدة قطعها؛ إذ الضّرورات تبيح المحظورات.

قال أبو عبد الله عليش رحمه الله تعالى: يأتي على ما أدخله الطبري في النهي: من خلق له إصبع أو يد زائدة أنه لا يجوز له قطعها ولا نزعها؛ لأنه تغيير لخلق الله تعالى, إلا أن يكون هذا الزائد يؤذيه ويؤلمه من إصبع أو ضرس فلا بأس بنزعه على كل حال[26].

قال الشربيني رحمه الله تعالى: فلا يصح استئجار لقلع سن صحيحة؛ لحرمة قلعها، وفي معناها كل عضو سليم من آدمي أو غيره في غير قصاص, أما العليلة فيصح الاستئجار لقلعها إن صعب الألم، وقال أهل الخبرة: إن قلعها يزيل الألم[27].

 التعليلات على الجواز في هذه الحالة:

التّعليل الأوّل: لأن قطعها والحالة هذه لا يعتبر تغييرًا لخلق الله تعالى.

التعليل الثاني: لمجموعة من القواعد الفقهية التي من أهمها ما يلي: الضرورات تبيح المحظورات, المشقة تجلب التيسير.

لكن يشترط لجواز قطعها والحالة هذه أن يكون علاج ذلك الألم القطع؛ أما لو أمكن إزالة ذلك الألم بدواء أخف من القطع, فإنه يجب المصير إليه, ولا يجوز الإقدام على القطع عند ذلك, والله تعالى أعلم[28].

المراجع

[1]  منح الجليل 7/494.

[2]  مغني المحتاج 3/448.

[3]  الإنصاف 1/125, مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابن أبي الفضل صالح 2/102, الكافي 2/82.

[4]  منح الجليل 7/494.

[5]  مغني المحتاج 3/448-449.

[6]  الإنصاف 1/125.

[7]  مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابن أبي الفضل صالح 2/102.

[8]  سنذكر الحديث في معرض ذكر الأدلة.

[9]  تفسير القرطبي 5/393.

[10]  المصدر السابق 5/393.

[11]  سورة النساء: 119.

[12]  صحيح البخاري 6/147 برقم 4886 كتاب تفسير القرآن/ باب {وما آتاكم الرسول فخذوه}.

[13]  ينظر: صحيح البخاري 6/147 تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر.

[14]  تفسير القرطبي 5/393.

[15]  أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها. تأليف الدكتور محمد المختار الشنقيطي ص: 306.

[16]  الشرح الممتع 8/313, أحكام الجراحة الطبية ص: 306.

[17]  الشرح الممتع 8/313.

[18]  المصدر السابق 8/313.

[19]  صحيح البخاري 7/165 برقم 5934 كتاب اللباس/ باب الوصل في الشعر. صحيح مسلم 3/1676 برقم 2122 كتاب اللباس/ باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات والمغيرات خلق الله, من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.

[20]  صحيح مسلم 3/1677 برقم 2123 كتاب اللباس/ باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات والمغيرات خلق الله.

[21]  أحكام الجراحة الطبيّة ص: 307.

[22]  الجوهرة النيرة 2/132.

[23]  ينظر: أحكام الجراحة الطبيّة ص: 307.

[24]  الشرح الممتع 8/313.

[25]  أحكام الجراحة الطبيّة ص: 307.

[26]  منح الجليل 7/494.

[27]  مغني المحتاج 3/448-449.

[28]  أحكام الجراحة الطبيّة ص: 308.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"السند": إخفاء المرض "غير المعدي" من أنواع الصبر على المصيبة
أكد الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله السند، أنه لا يلزم المسلم من الناحية الشرعية أن يُخبر غيره بما أصابه مرض "غير مُعدٍ". وبرر ذلك بأن "إخفاء المرض من أنواع الصبر على المصيبة، وشكوى إلى الله وحده بهذا المصاب".
زعيم حزب بريطاني يسيء لخاتم النبيين في مسيرة مناهضة للمسلمين
أطلق زعيم حزب الاستقلال البريطاني "يوكيب" عبارات مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، خلال مسيرة مناهضة للمسلمين، نظمهتا مجموعة إلكترونية لحشد مشجعين لكرة القدم ضد الإسلام.
أوقاف "القدس": مستوطنين يقومون باستفزازات في باحات الأقصى
قال متحدث بلسان دائرة الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس، إن مستوطنين إسرائيليين أدّوا صلوات يهودية، وقاموا بأعمال استفزازية خلال اقتحامهم للمسجد الأقصى اليوم الإثنين.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م