تصنيفات الحنفيّة لما يُفسد الصّوم ومالا يُفسده
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/09/01 الموافق 2018/05/16 - 04:56 م

الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسَّلام على المبعوث رحمة وهداية للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:

أوّلاً: تصنيفات مفسدات الصّوم عند الحنفيّة.

فمفسدات الصّوم عندهم وغيرهم نوعان[1]: النّوع الأوّل: مفسدات توجب القضاء فقط دون الكفارة. النوع الثّاني: مفسدات توجب القضاء والكفارة.

أمّا النّوع الأوّل: وهو المفسدات التي توجب القضاء فقط دون الكفارة. قال الشرنبلالي الحنفي صاحب مراقي الفلاح: هو عندنا سبعة وخمسون شيئا تقريبا[2]. وتمّ تضبيطها بثلاثة ضوابط:

الضّابط الأوّل: أن يتناول الصّائم ما ليس بغذاء ولا في معنى الغذاء كالدواء والورق: بمعنى تناول كلّ شيء لا يقصد به التغذي عادة ولا يميل إليه الطبع؛ كأن أكل الصائم أرزاً نيّئاً، أو عجيناً ,أو دقيقاً غير مخلوط بشيء يؤكل عادة كالسّمن والدبس والعسل والسّكر، وإلا وجبت بأكله الكفارة، أو أكل ملحاً كثيراً دفعة واحدة، أو أكل طينا غير أرمني لم يعتد أكله؛ لأنّه ليس دواء, أو أكل نواة أو قطنا, أو ابتلع ريقه متغير بخضرة أو صفرة من عمل الإبريسم ونحوه؛ وهو ذاكر لصومه.

أو أكل سفرجلا أو نحوه من الثمار التي لا تؤكل قبل النضج؛ بشرط أن لا يطبخ ولا يملح, أو أكل جوزة رطبة ليس لها لب, أو ابتلع اليابسة بلبها لا كفارة عليه, ولو ابتلع لوزة رطبة تلزمه الكفارة؛ لأنها تؤكل عادة مع القشر.

أو ابتلع حصاة, أو حديدا, أو نحاسا, أو ذهبا, أو فضة, أو ترابا, أو حجرا ولو زمردا لم تلزمه الكفارة؛ لقصور الجناية, وعليه القضاء؛ لصورة الفطر.

أو احتقن أو استعط, والحقنة صب الدواء في الدبر, والسعوط صبّه في الأنف, أو أوجر بصبّ شيء في حلقه على الصّحيح.

أو أقطر في أذنه دهنا فعليه القضاء فقط اتفاقا, أو أقطر في أذنه ماءً فعليه القضاء في الأصح؛ لوصول المفطر دماغه بفعله, فلا عبرة بصلاح البدن وعدمه قاله قاضيخان, وحققه الكمال, وفي المحيط: الصحيح أنّه لا يفطر بإقطار الماء في أذنه؛ لأن الماء يضرّ الّدماغ, فانعدم المفطر صورة ومعنى.

أو أدخل حلقة دخانا بصنعه, أو استقاء ولو دون ملء الفم في ظاهر الرواية؛ وشرط أبو يوسف ملء الفم وهو الصحيح, أو أعاد ما ذرعه من القيء فعليه في ذلك كلّه القضاء دون الكفارة؛ وذلك بشرطين:

الشرط الأوّل:  أن يكون القيء الذي أعاده ملء الفم.

الشرط الثَّاني: أن يكون ذاكرا لصومه.

 الضابط الثاني: أن يتناول الصّائم غذاء، أو دواء؛ لعذر شرعي كمرض, أو سفر, أو إكراه, أو خطأ, أو إهمال, أو شبهة: كأن سبق خطأً ماءُ المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه أو دماغه؛ لوصول المفطر محله, والمرفوع في الخطأ الإثم، أو داوى جائفة - وهي جراحة في البطن - أو آمة - وهي جراحة في الرأس – بدواء؛ سواء كان رطبا أو يابسا, بشرط أن يصل إلى جوفه في الجائفة, أو دماغه في الأمة على الصحيح. أو دخل حلقه مطر أو ثلج في الأصحّ ولم يبتلعه بصنعه؛ وإنما سبق إلى حلقه بذاته.

أو أفطرت المرأة خوفا على نفسها من أن تمرض من الخدمة؛ أمة كانت أو منكوحة, أو صبّ أحد في جوفه ماءً وهو صائم نائم؛ لوصول المفطر إلى جوفه. أو أكل ما بين أسنانه وكان قدر الحمصة.

أو أكل أو جامع عمداً لشبهة شرعية بعد أن أكل ناسياً أو جامع ناسياً, أو أكل وشرب عمدا بعد ما نوى نيته نهارا؛  ولم يكن قد بيّت نيته ليلا, أو أكل المسافر الذي نوى الصوم ليلاً بعد أن نوى الإقامة، أو أكل أو جامع في حالة السفر بعد أن أصبح مقيماً ناوياً الصوم من الليل، ثم بدأ السفر نهاراً، لشبهة السفر، وإن لم يحلّ له الفطر.

أو أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر وهو طالع، ولا كفارة عليه للشبهة؛ لأن الأصل بقاء الليل.

أو أفطر ظاناً الغروب، والشمس باقية؛ ولا كفارة عليه؛ لغلبة الظن بحدوث الغروب, لكنّ من جامع قبل طلوع الفجر أو أكل، ثم طلع عليه الفجر، فإن نزع فوراً، أو ألقى ما في فمه، لم يفسد صومه.

الضابط الثالث: أن يقضي شهوة الفرج غير كاملة: كأن أنزل المني بوطء ميتة أو بهيمة, أو أنزل بتفخيذ أو بتبطين, أو عبث بالكف, أو أنزل من قبلة, أو لمس؛ فعليه في ذلك كلّه القضاء دون الكفارة.

أو وطئت وهي نائمة, أو بعد طروء الجنون عليها وقد نوت الصّوم ليلا؛ فسد الصّوم بالوطء, ولا كفارة عليها؛ لعدم جنايتها.

أو أقطرت في فرجها على الأصحّ, أو أدخل أصبعه مبلولة بماء أو دهن في دبره, أو أدخلته في فرجها الداخل في المختار؛ أو أدخل قطنة في دبره وغيبها, أو في فرجها الداخل[3].

وأمّا النّوع الثّاني: وهو المفسدات التي توجب القضاء والكفارة عند الحنفيّة. قال الشرنبلالي الحنفي صاحب مراقي الفلاح: وهو اثنان وعشرون شيئاً تقريباً، إذا فعل الصائم المكلف منها شيئاً، مبيتاً النية في أداء رمضان، متعمداً، طائعاً، غير مضطر، ولم يطرأ ما يبيح الفطر بعده كمرض، أو قبله كسفر؛ فعليه في فعليها بتلك الشروط القضاء والكفارة[4], وتمّ تضبيطها بضابطين:

الضّابط الأوّل: أن يقضي الصّائم شهوة الفرج كاملة: وهو الجماع في القبل أو الدبر سواء الفاعل والمفعول به، ولو بمجرد التقاء الختانين وإن لم ينزل، بشرط أن يكون المفعول به آدمياً حياً يشتهى, وتجب الكفارة اتفاقاً إن مكنت المرأة من نفسها صغيراً أو مجنوناً.

الضّابط الثّاني: أن يتناول الصّائم غذاء, أو ما في معناه بدون عذر شرعي: كالأكل والشرب، والدواء، والدخان المعروف، والأفيون والحشيش ونحوهما من المخدرات؛ لأن الشهوة فيه ظاهرة, والأكل يشمل كل ما هو مأكول عادة، من أنواع الشحوم واللحوم المختلفة، النيئ والمطبوخ والقديد، والفواكه والخضروات, ومنها أكل ورق الكرم وقشر البطيخ, والنشويات، ومنها حب الحنطة وقضمها, ولو حبة أو سمسمة أو نحوها من خارج فمه في المختار، إلا إذا مضغت فتلاشت، ولم يصل منها شيئ الى جوفه. ومنها الأكل عمداً بعد أن يغتابَ آخر؛ ظناً منه أنه أفطر بالغيبة, أو بعد حجامة, أو مس, أو قبلة بشهوة, أو بعد مضاجعة من غير إنزال، أو دهن شاربه، ظاناً أنه أفطر بذلك.

ومنها: ابتلاع ريق زوجته أو حبيبه للتلذذ به, ولا تلزمه الكفارة ببزاق غيرهما؛ لأنه يعافه. ومنها: تناول قليل الملح دون الكثير في المختار[5].

ثانيًا: تصنيفات ما لا يفسد الصّوم عند الحنفيّة.

قال الشرنبلالي الحنفي صاحب مراقي الفلاح: وهو عندنا أربعة وعشرون شيئا تقريبا لا تحديدا بالمرة[6], وهي على النّحو التّالي:

الأوّل: الأكل أو الشرب نسيانًا؛ وإن كان للناسي قدرة على الصوم يذكّره به من رآه يأكل, وكره عدم تذكيره؛ وإن لم يكن له قوة فالأولى عدم تذكيره.

الثاني: الجماع نسيانا؛ فإن تذكّر نزع ذكره فوراً، فإن مكث بعده فسد صومه, ولو نزع خشية طلوع الفجر، فأمنى بعد الفجر والنزع، ليس عليه شيء، وإن حرك نفسه ولم ينزع، أو نزع ثم أولج لزمته الكفارة.

الثالث: السّحاق؛ وهو مباشرة المرأة المرأة؛ إذا كان بغير إنزال منهما لا يفسد الصّوم؛ لكنهما يأثمان، ولا يلزم من الحرمة والإثم في ذلك الإفطار.

الرابع: إنزال المني بنظر أو فكر، وإن أدام النظر والفكر؛ لأنّه لم يوجد منه صورة الجماع ولا معناه، وهو الإنزال عن مباشرة وإن كان آثماً.

الخامس: الاحتلام في نهار رمضان.

السادس: القطرة أو الاكتحال في العين، ولو وجد الصائم الطعم أو الأثر في حلقه.

السابع: الحجامة.

الثّامن: السواك ولو كان مبلولا ً بالماء؛ لأنه سنة.

التَّاسع: المضمضة والاستنشاق، ولو فعلهما لغير الوضوء، لكن لا يبالغ فيهما لئلا يدخل شيء إلى الجوف.

العاشر: الاغتسال أو السباحة، أو التلفف بثوب مبتل للتبرد لدفع الحر، وإدخال عود إلى الأذن.

الحادي عشر: الاغتياب مع ثبوت الإثم.

الثّاني عشر: نية الفطر؛ ما لم يفطر.

الثالث عشر: دخول الدخان، أو الغبار ولو غبار الطاحون، أو الذباب، أو أثر طعم الأدوية إلى الحلق، بلا صنع الصائم؛ أي رغماً عنه وهو ذاكر الصوم؛ لأنه لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنها, لكن لو تبخر ببخور فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، ذاكراً لصومه، أفطر؛ لإمكان التحرز عنه.

الرّابع عشر: خلع الضرس، ما لم يبتلع شيئاً من الدم أو الدواء، فإن فعل أفطر.

الخامس عشر: صب ماء أو دهن أو حقنة في الإحليل؛ وهو مجرى البول في قبل الرجل؛ لأن الإحليل ليس بمنفذ مفتوح.

السّادس عشر: دخول ماء في الأذن بسبب خوض نهر، أو إدخال العود في الأذن وإخراج درن الصماخ؛ لأنّ دخول الماء في الأذن للضرورة، ولعدم وصول المفطر إلى الدماغ بإدخال العود للأذن، والأولى ترك ذلك كله.

السّابع عشر: ابتلاع النخامة، واستنشاق المخاط عمداً وابتلاعه؛ لنزوله من الدماغ، لكن الأولى رميه لقذارته.

الثّامن عشر: القيء قسراً عنه أو عودته قهراً؛ ولو كان ملء الفم في الصحيح, لكن لو أعاد ما قاء, وكان أصل القيء ملء الفم، أفطر باتفاق الحنفية, ولا كفارة على المختار، وإن عاد قسراً لم يفطر؛ سواء أكان القيء العائد قليلاً أم كثيراً.

التّاسع عشر: الاستقاءة عمداً بما هو أقل من ملء الفم على الصّحيح.

العشرون: أكل ما بين الأسنان، وكان دون الحمصة؛ لأنه تبع لريقة.

الواحد والعشرون: مضغ مثل سمسمة من خارج فمه، حتى تلاشت ولم يجد لها طعماً في حلقه؛ لعدم ابتلاع شيء.

الثّاني والعشرون: إذا أصبح جنباً ولو استمر يوماً بالجنابة؛ لأن الجنابة لا تؤثر في صحة الصوم على الصحيح.

الثّالث والعشرون: الحُقَن في العضل أو تحت الجلد أو في الوريد، والأولى عند الإمكان تأخيرها إلى المساء.

الرّابع والعشرون: شم الروائح العطرية كالورد أو الزهر والمسك أو الطيب[7].

المراجع

 

[1]  بمعنى أنّ العلماء متّفقون في الجملة على تصنيف مفسدات الصوم إلى النوعين المذكورين؛ إلا أنّ بينهم في التفصيلات والتّفريعات اختلافا كثيرًا؛ وهذا يستدعي ويتطلّب بيانًا مستقلاًّ لهذه المفسدات وغيرها في كلّ مذهب على حدة؛ فبدأنا في هذه الحلقة بذكر هذه المفسدات عند السّادة الحنفيّة؛ ثمّ نتبع ذلك بذكرها عند المذاهب الثلاثة الباقية؛ وذلك في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.

[2]  مراقي الفلاح ص: 251.

[3]  ينظر: مراقي الفلاح ص: 251-255, الفقه الإسلامي وأدلته 3/1705-1708.

[4]  مراقي الفلاح ص: 247.

[5]  مراقي الفلاح ص: 247-249, الفقه الإسلامي وأدلته 3/1708-1709 بتصرّفات يسيرة.

[6]  مراقي الفلاح ص: 244.

[7]  مراقي الفلاح ص: 244-247, رد المحتار على الدر المختار 2/394-396, تبيين الحقائق 1/322-324, بدائع الصنائع 90-91, الفقه الإسلامي وأدلته 3/1710-1712.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
التعاون الإسلامي تندد بالهجوم الدموي الانتحاري في باكستان
نددت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، وبقوة، بالهجوم الانتحاري الذي استهدف تجمعا لإحدى الحملات الانتخابية في جنوب غرب باكستان يوم 13 يوليو 2018 وأسفر عن سقوط ما لا يقل عن 85 قتيلا، وعن جرح 200 آخرين.
المطلق: التعدد ضرورة في هذا العصر.. وعلى قدر لحافك مد رجليك
قال عضو هيئة كبار العلماء المستشار في الديوان الملكي الدكتور عبدالله المطلق، إن تعدد الزوجات ضروري في هذا العصر، وخاصة من المطلقات والأرامل، والعوانس.
د. المطلق محذراً التجار: استحوذ حب المال عليهم فاحتالوا لرفع الأسعار
حذر الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد المطلق المستشار في الديوان الملكي عضو هيئة كبار العلماء التجار ورجال الأعمال من الاحتيال في رفع الأسعار والاحتكار
أبو جعفر في اصطلاح المذاهب الأربعة.
فإنّ المتأمّل في المصنّفات في المذاهب الفقهيّة الأربعة يلمس أنّ المكنّين بأبي جعفر عند أهل مذهب واحد منها كثيرون؛ فضلا عن المكنّين به عند بقيّة المذاهب؛ ففي هذا الصدد نريد أن نبيّن المعنيّين بتلك الكنية عند فقهاء المذاهب الأربعة؛ وذلك عند الإطلاق, وفي ذلك نقول وبالله التّوفيق:
الوقف على المؤسّسات الخيريّة العصريّة الغير مسلمة (2).
فلقد أسلفنا في الحلقة الماضيّة أنّ اهتمام الكفَّار في العصر الرّاهن بالدّعم في المؤسّسات الخيريّة لا يقلّ عن اهتمام المسلمين بالأوقاف الشّرعيّة الخيرية؛ وهذه المؤسّسات الخيرية - كما هو معلوم - منها ما تخدم الهدف الظَّاهر من نشاطها فحسب؛ بمعنى أنّها لا تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات, ومن هذه المؤسّسات ما تخدم أهدافا أخرى غير مباشرة من خلال نشاطها؛ بمعنى أنّها تُبطن خلاف ما تظهر للنّاس أنّه هو الباعث إلى تأسيس تلك المؤسّسات.
المختار من المبيح والمحرِّم عند التّعارض.
فإذا وجدنا دليلين متعارضين في شيء معيَّن: أحدهما يتضمّن تحريمه والحذر منه, والآخر يتضمّن تحليله وإباحته, فما هو المرجَّح المعمول به بينهما عند علماء الأصول؟.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م