بن حميد يكشف عن حقيقة داء التعصب ومظاهره وأسبابه ومنهجيّة علاجه
|
الملتقى الفقهي - متابعات
أضيف فى 1439/08/26 الموافق 2018/05/12 - 01:10 م

 

 (التعصب داء عضال، وخطر داهم، يقضي على معاني الإنسانية، داء يصيب الفرد، والأمة، والمجتمع، وهو داء حينما يستفحل ويتفشّى، فإنه يفتك في الناس فتكًا، وإذا ذر قرنه فإنه لا يفرق بين متعلم وغير متعلم، ومتحضر وغير متحضر، ومتدين وغير متدين): هذه هي مقدّمة الموضوع الّذي دارت حول محوره خطبة الحرم المكّي الشّريف، يومَ أمسِ الجمعة، الخامس والعشرين من شهر شعبان، من هذا العام الهجريّ 1439هـ.

وفي افتتاح الخطبة، وبعد الوصيّة بالتقوى، وشكر الله عزّ وجلّ على ما أنَعَّم به من جزيل النِّعم، أكّد فضيلةُ الشيخ عبد الله بن حميد، إمامُ الحرم المكيّ الشّريف، أنّ التّعصب (هو أحد مصادر الغرور، ومنابع الظلم، وأسباب الكراهية، وطرق الفساد والإفساد)، وأنّه من دعوى الجاهليّة وحميّتها.

وفي سبيل تجلية مفهوم التعصب والعصبيّة، ذكر فضيلة إمام الحرم المكيّ أنّه: (غلوٌّ وتطرُّف، وكراهيةٌ وفرقة، وضلال، وشحناء، وانقياد عاطفي مقيت لتصورات، ومفاهيم، ومسالك تتعارض مع الحق والعدل، والموضوعية)، وذكر فضيلة الشيخ من السّمات الجوهريّة لهذا المفهوم أنّه: (حماسٌ أعمى، ومشاعر جارفة، وأحكام مسبّقة، واستهانة بالآخرين، ... خضوع مطلق، وسيرٌ من غير بصيرة مع الجماعة، أو الفئة، أو الحزب، أو القبيلة، أو الطائفة، أو العرق) .وأنّه (غلوٌّ في التعلق بالأشخاص والتمسك بالأفكار، والإصرار على المبادئ، لا يدع مكانا للتسامح، ولا مجالاً للتفاهم، ولا فرصة للقبول) .

وأوضح العلامة بن حُميد أنّ حقيقة التعصب تتمثّل في: (عدم قَبول الحق ممّن جاء به مع ظهور دليله، بسبب ما في النفس من أغراض، وأهواء، وانحياز، كما أن التعصب دفاع بالباطل حينما يرى المتعصب أنه هو الذي على الحق دائماً بلا حجَّةٍ، ولا برهان، وغيرُه هو المخطئ دائماً، وهو الذي على الباطل ولو كان معه الحجة والبرهان).

وأشار بن حُميد إلى تأثير البيئة في نموّ التعصب وانتشاره، وكذلك في خطورة التّعصّب من حيث قابليّته للانتشار، ذاكراً أنّ العصبية (نعرة مهلكة، تنمو في النفس البشرية في البيئة التي تحتضنُها، يتربى عليها الصغير، ويهرم فيها الكبير، رجالاً ونساء).

وفي معرض ذكره لمظاهر التّعصب، أكّد فضيلة إمام الحرم المكيّ أنّ منها: (احتقار الآخرين، وتنقُّصُهم، وعدمُ الاعتراف بأحقِّيتهم وحقوقهم)، مؤكّداً أنّ (من أظهر مظاهر التعصب: تقديم الولاءات على الكفاءات) .

وفي معرض حديثه عن أضرار التّعصّب، أكّد فضيلة الشيخ بن حميد، أنّ من الآثار الخطيرة التي يؤدي إليها داء التّعصّب، أنّه: (يقود إلى اللَّجاجة، والتقليد الأعمى، ويولد حجابًا غليظًا يصدُّ عن قبول الحق، وقبول الجديد المفيد)، ويمزّق العلاقات الاجتماعية، ويسلب روح الوحدة والألفة، وينشر بذور النفاق والفرقة، ويبدد الطاقات، ويضعف القوى، ويهدم البناء، وفي هذا السياق يستشهد بن حُميد بالإمام الشوكاني وهو يذكر بعض صور التعصب، قائلاً: (ها هنا تُسكب العبرات، ويُناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصبُ على غالب المسلمين. ... فيا لله هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين والرزية).

وباختصار أكّد فضيلة إمام الحرم المكّي أنّ أضرار التعصب وخسائره ومساوئه (قد سودت صحائف التاريخ، وكم واجه الأنبياء عليهم السلام والمصلحون من عوائق في طريق هداية الناس وإصلاح البشرية، وقائد ذلك ورائده التعصب، وقد قال إمامهم ورائدهم الى النار: {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}غافر: ٢٩(..

وذكر فضيلة العلامة بن حُميد أنّ (الكشف عن المرض هو السبيل الأقوم، والطريق الأنجع للعلاج، ومحاصرِة آثار المرض السلبية في المجتمع وفي الحياة، ومن أجل هذا فلا بد من النظر في أسباب ظهور التعصب ومثيرات العصبية)، ثم ذكر  أنّه في مقدمة هذه الأسباب، تأتي (التربية والتنشئة الاجتماعية، فمن نشأ في بيئة تُغذّي العصبية، فإنها تنتج متعصبين)، مؤكدّا أنّ الإنسان لا يولد متعصباً، لكنّه يكتسب ذلك من البيئة التي ينشأ فيها، ثم ذكر أنّ من أعظم الأسباب وأكبرها: (إثارة الخلافات المذهبية، والنعرات القبلية، والتمايزات الإقليمية والمناطقية)، وما يتعلّق بذلك من وقائع وأحداثٍ تاريخية، يتمّ استثارتها ونبشها، لتُحدث من إفساد ذات البين، مستنزفة للقوى ومهدرةً للطاقات.

ثمّ نبّه الشيخ إلى بعض الأسباب الخفيّة للعصبيّة والتعصب، مبيّناً أنّه: (قد يسلك بعضُ الناس مسلك التعصب لإشباع غروره، أو لستر نقص في نفسه، أو خبراته، أو قدراته، أو تسويغ فشله، وقد يوظفه ليجعل له مكانة، أو مركزاً في الدين، أو السياسة، أو الثقافة، سواء كان ذلك في كتابات، أو مؤلفات، أو تكوين أحزاب، وجماعات، وطوائف، ومؤسسات تقوم على الأساس العرقي، أو المذهبي، أو المناطقي، أو القبلي، أو الانتماء الفكري)، منبّهاً في هذا السياق إلى الدور السّلبي الذي تلعبه (بعض القنوات الفضائية وأدوات التواصل الاجتماعي)، مؤكّداً أنّ (الإعلام المشبوه هذه بضاعته، وهؤلاء جنوده) .

وبين يدي التصدي لهذه الظاهرة، ومعالجتها ومواجهة خطرها، ذكر فضيلة إمام الحرم المكيّ أنّ أعظم وسائل العلاج تتمثّل في: (تربية الأجيال في مناهج التربية على التسامح، وحفظ حقوق جميع الناس)، إضافةً إلى (سنِّ الأنظمة التي تحول دون التعصّب، ووضع سياسات واضحة لمحاربة مختلف أشكال التمييز).

وتابع فضيلة الشيخ بن حميد أنّ: (من أكبر وسائل العلاج: تحري الحق، والتسليم له، والسعي إليه وقبوله ممن جاء به. وقد قال نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم، ويقول عليه الصلاة والسلام لأهل بيته: ((لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتون بأنسابكم)) متفق عليه، ويقول لابنته فاطمة وهي بضعة منه وسيدة نساء العالمين رضي الله عنها وأرضاها: ((يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً)) متفق عليه، وقد قال الله لنوح عليه السلام في ابنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} هود: ٤٦).

ثمّ أوضح فضيلة الشيخ عبد الله بن حُميد، أنّه (ليس من العصبية: أن يحب الرجل قومه ووطنه، فالتعصب غيرُ الانتساب للقبيلة، وغيرُ الانتماء للمذهب، وغيرُ حبّ الوطن، فهذه سنّة الله في خلقه، إذ جعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وحبب إليهم أوطانهم وديارهم).

ثمّ ختم فضيلة إمام الحرم المكيّ، خطبته داعياً للأمة الإسلاميّة بالوحدة والتماسك والتسامح، ونبذ التعصب والعصبيّة، حتى تتفرّغ لمواجهة تحدّياتها، وتحقيق أهدافها وغاياتها الكبرى.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"واس" تدشن أيقونتين لنقل حج 1439هـ بـ 5 لغات وأخرى لصور الحج
دشنت وكالة الأنباء السعودية "واس" أيقونتين على موقعها الإلكتروني، الأولى خصصتها للبث الإخباري متنوع القوالب بخمس لغات عن تفاصيل حج 1439هـ، وتحركات حجاج بيت الله الحرام، والثانية لبث صور فوتوغرافية احترافية تجسد دلالات المشهد لرحلة الحج العظيمة منذ لحظة وصولهم إلى المملكة عبر منافذها الجوية، والبحرية، والبرية حتى مغادرتهم سالمين بإذن الله.
د.المطلق: يجوز للمعتدة فترة الحداد الخروج لقضاء حوائجها.. بشرط
قال لا يريد الإسلام تعذيب المتوفى عنها زوجها، وإنما إبراء الرحم وإظهار حق الزوج على زوجته ومراعاة شعور أهله
السديس: نقلة نوعية للحرمين الشريفين بعد موسم الحج
أقامت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اللقاء الإعلامي السنوي، والذي يتم فيه استضافة نخبة من الإعلاميين في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وذلك بحضور الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس.
د.المطلق: يجوز للمعتدة فترة الحداد الخروج لقضاء حوائجها.. بشرط
قال لا يريد الإسلام تعذيب المتوفى عنها زوجها، وإنما إبراء الرحم وإظهار حق الزوج على زوجته ومراعاة شعور أهله
وفاة الشيخ سعيد بن سهيل أحد كبار علماء اليمن بمحافظة مأرب
فجعت محافظة مأرب صباح يوم الجمعة لفقدانها علم من أعلامها الاجلاء في مجال العلم والأخلاق والسلم الاجتماعي، حيث توفي صباح يوم الجمعة الشيخ سعيد عبد الرحمن سهيل أحد أبرز علماء اليمن، ومفتي الديار المأربية.
خطيب المسجد الحرام: تعظيم الله أصل أساسي في تحقيق العبودية
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة فضيلة الشيخ الدكتور ماهر بن حمد المعيقلي المسلمين بتقوى الله عز وجل والعمل على طاعته واجتناب نواهيه.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م