(حوار)عميد كليّة الشريعة بالأزهر: الفقه الإسلاميّ ملائم لكافة العصور
|
حوار- عماد عنان
أضيف فى 1439/08/23 الموافق 2018/05/09 - 05:00 م

 

 

تصاعدت في الآونة الأخيرة العديدُ من الدَّعاوى التي تستهدف ثوابت الدين وأحكامه المتّفق على صحتها بإجماع العلماء، باسم التّجديد في الخطاب الديني وضرورة مسايرة الفقه لمستجدات العصر الحديث، ولعلَّ ما حدث في تونس مؤخرًا بشأن التظاهرات التي جابت بعض الشوارع هناك تنادي بالمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة واحدة من حلقات هذا المسلسل الخبيث.

علاوة على ذلك فقد كثرت أيضًا سهام التشكيك الموجهة إلى كتب التراث الإسلامي بزعم عدم ملاءمتها لهذا الزمان، لذا كان لـ "رسالة الإسلام" هذا اللقاء مع الأستاذ الدكتور عبدالحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن، وعميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والذي كشف عن أن كافة هذه المحاولات الخبيثة إنما تستهدف الإسلام في المقام الأول، حتى وإن رفعت شعاراتٍ حقوقيّة زائفة.

*بداية دكتور، ماذا تقول فيمن يرى عدم ملاءمة الفقه للعصر الحالي؟

** أولا علينا أن نعرف ما هو الفقه، فالفقه معناه الفهم، والفهم الذى أقصده هنا هو الفهم بمعناه العام، فهم الواقع، فهم مقاصد وجوهر النصوص، والذي يقوم على ذلك هم الفقهاء الذين ندبهم الله -عز وجل- للقيام بهذه المهمة العظيمة، مهمة الكشف عن حكم الله -عز وجل- في الوقائع المستجدة قال تعالى في سورة التوبة : {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122).

هذه الفئة المدربة والمؤهلة والمتمرسة في فقه النصوص ومقاصدها، هى مؤهلة وقادرة على مسايرة واقع الناس، وملاحقة التقدم العلمي في شتى الميادين، ومن يقرأ تراثنا الفقهى يجد الفقهاء القدامى تحدثوا عن صور افتراضية منذ مئات السنين، نرجع إليها اليوم في تأصيل كثير من الأحكام المستجدة، مثلما يتعلق اليوم بقضايا تأجير الأرحام، وبنوك النطف والأجنة، وبنوك اللبن البشرى وغير ذلك.

*تحدثتم أكثر من مرة في مسألة تجديد الخطاب الديني.. ما الدافع؟

**في الآونة الأخيرة تصاعدت الكثير من سحب التشدد والغلو في الدين، ومحاولة حمل الناس على المغالاة في كل شيء، والخروج بهم من روح الشريعة الغراء التي تسع الجميع، إلى نفق التشدد المظلم، الذي يضيق على الناس سبل حياتهم ودينهم، والذي يضيق ذرعا بالآخر، وينفر منه، وينتهي الأمر به إلى حد تكفيره، وإخراجه عن الملة، بل استباحة دمه.

وفي ظل هذه الأجواء وتلك الغيوم المتراكمة بعضها فوق بعض، كانت الحاجة والمطالبة بتجديد هذا الخطاب الدينى، الذي في محاولة للوصول بالدين إلى أحكامه الصحيحة المتفق عليها بعيدًا عن الدخل الذي انتاب بعضها.

*التجديد هنا هل يعني الخروج على ثوابت الدين كما يروج البعض؟

** بالطبع لا، أعي جيدًا تخوف الكثيرين من مصطلح التجديد وتحدث لهم صدمة، بل وربما شلل في التفكير، ظنا منهم أن هذه دعوى لاستبدال الشرع بغيره، أو استحداث دين جديد، وإلغاء ما جاء على لسان الحبيب -صلى الله عليه وسلم- وهذا الزعم باطل من أساسه، فتجديد الخطاب الديني لا يعنى إلغاء ثوابت الدين، فالأحكام الشرعية قسمان:

-قسم لا يمكن تغييره، ولا تبديله، وهو ما يعرف بالثوابت، مثلما شرعه الله من الأحكام المتعلقة بأركان الإسلام كالصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، وتحريم الربا، والزنا، والقتل، والسرقة، وغير ذلك مما اتفقت عليه الشرائع السماوية.

أما القسم الثاني، وهو المتغير، فيُبنى على حسب تغير الزمان والمكان والشخص والحادثة، وهذا النوع من الأحكام المرجع فيه إلى الفقهاء في كل عصر ومصر، يجتهدون في اختيار ما يناسب حال الناس وظروفهم، وبيئتهم، مثلما فعل الإمام الشافعى عندما غير مذهبه القديم بالعراق، إلى الجديد بمصر، لتغير أعراف الناس وعوائدهم، ولهذا يقول الشاعر:

والعرف في الشرع له اعتبار *** لذا عليه الحكم قد يدار.

هذا النوع من الأحكام هو ما يمكن أن يناله التجديد بما يلائم حال الناس، ويخرجهم من الضيق إلى السعة، ومن الغلو والتشدد، إلى المرونة والسعة، بحيث يختار العلماء من الأقوال أيسرها، وأكثرها ملاءمة لحال الناس، وظروفهم.

ومن هنا يمكن القول بأن التجديد المطلوب هو عودة الخطاب الديني لما كان عليه الأمر في عصر النبوة، وعصر نزول الوحى، بحيث يتسم بالمرونة، والسعة التي تسع الناس جميعا، دون تضييق على الناس، أو حملهم على الأشد من أقوال العلماء، كما كان يفعل النبي -عليه الصلاة والسلام_ في خطابه للناس جميعا حيث يقول : ((إنَّ الدّين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) (مسلم).

*أنتم أحد المختارين بقائمة الـ 50 المسموح لهم بالإفتاء في وسائل الإعلام.. هل ترى ضرورة لقصر الفتوى على أناس بعينهم؟

**للأسف هناك حالة من الفوضى انتابت ساحة الفتوى في كثير من المجتمعات، وبتنا نرى على شاشات الفضائيات غير المؤهلين يفتون في الناس بما لا يعلمونه، ما تسبب في إيقاع الكثير من المسلمين في المعصية بسبب فتاوى غير موثقة فقهيًا ولا شرعيًا.

ولقد شرفت باختياري ضمن القائمة التي أعدها الأزهر والأوقاف للظهور على الفضائيات والإفتاء بين الناس، والشروط الموضوعة لاختيار أعضاء تلك القائمة تقوم على العلم والكفاءة والمرونة وليس على شيءٍ آخر، وأنا كنت أحد من طالب بتشريع يحدد من يتصدون للفتوى ويضع شروطًا من يتجاوزها يتصدر ومن لا يُستبعد تماماً؛ حفاظا على المجتمع المسلم داخليًا من جانب وصورة المسلمين خارجيًا من جانب آخر.

*فضيلتكم من أبرز المدافعين عن "القيادة الإدارية" ودورها في تنمية الأمة.. ماذا يقصد بها؟

** القيادة الإدارية – كما يقول علماء الإدارة العامة - هي القدرة على التوجيه والتنسيق ، والاتصال ، واتخاذ القرارات ، والرقابة ، بهدف تحقيق غرض معين ، وذلك باستعمال التأثير والاستمالة ، والإقناع ، إلى جانب استعمال السلطة الرسمية عند الاقتضاء والضرورة .

وهذا النوع من القيادة قليلٌ في حياتنا بل قل -إن شئت– نادر الوجود، لاسيما في هذه الأيام ، التي كثرت فيها القيادات المرتعشة ، التي لا تقدر على أن تتخذ قرارا شجاعا جريئا ، ولا أن تغير واقعا ، ولا أن تطمح إلى مستقبل أفضل ، هذا النوع من القيادات يأتي وجوده وبالا على الناس ، بل على الأمة بأسرها ، لأنه يجرهم إلى الوراء جرا .

لاشك أن تقدم الدول مرهون باختيار الأكفاء في كل المواقع ، العلمية ، والإدارية ، وغيرها ، فمتى اختير الشخص المناسب في الموقع الذي يناسبه كان ذلك أدعى إلى النجاح ، وتحقيق التقدم المنشود فيه ، فالعلم ، والأمانة ، والكفاية الإدارية ، والقدرة البدنية ، هي الأسس التي يجب أن يبنى عليها أي اختيار ، وطالما لم تراع هذه الأسس في الاختيارات فلا ننتظر أي تقدم في أي مجال ، فعندما نختار مثلا معلما مثاليا ، يجب أن يكون هو الأكثر علما ، والأجدر سلوكا ، وأداء ، وخبرة ، وهكذا في كل المواقع المجتمعية ، فحيث لم تراع هذه الأسس فعلينا ألا ننتظر أي تقدم في أي موقع من مواقع المسئولية ، طالما أن الوساطة ، هي الأسلوب الذي تدار به بعض المواقع.

*تحدثتم أكثر من مرة عن مواجهة التطرف والإرهاب بأنه فرض عين وواجب على الجميع.. ماذا تقصدون؟

**  قسم العلماء الواجب باعتبار من يجب عليه إلى قسمين ، واجب على العين ، وهو ما طلبه الشارع من كل عين ، أي مكلف ، وهو يتناول مجموع طوائف الأمة مثل وجوب الصلاة ، والزكاة ، وغيرها من فروض الأعيان ، وواجب على الكفاية ، وهو ما طلب الشارع حصوله من الكافة ، ويسقط الوجوب ويتأتى بفعل البعض مثل صلاة الجنازة ، ورد السلام ، وغير ذلك .

طفقت الأمة في الحقب الماضية على تكليف رجال الأمن بمهمة قتال أعداء الوطن ، ومواجهة الإرهاب هنا وهناك ، واعتبار هذا التكليف فرض كفاية ، يسقط عن الكافة بفعل البعض المكلفين بهذه المهمة من رجالات الأمن النظاميين، ومن ثم يبدو لي نظرا للظروف الراهنة التي تمر بها الأمة مؤخرا، وتعرضها لموجات متتابعة من الإرهاب الأسود ، كلما خلت موجة تبعتها أختها ،أن مواجهة الإرهاب في هذه الآونة غدت فرض عين على جميع طوائف الأمة ، ولست أعني بهذه المواجهة وجوب حمل السلاح من كل الطوائف لمواجهة هذا العدو ، فهذا غير سائغ ، وليس مطلوبا ، وإنما هو مقصور على رجال الأمن المدربين عليه ، وإنما أقصد مواجهة من نوع آخر تكون جنبا إلى جنب معهم فكريًا ومعنويا ومجتمعيا وتجنيب شبابنا من الوقوع في براثن التطرف والانحلال.

*"أزمة ضمير".. كان هذا عنوان أحد مقالاتكم السابقة، هل ترى أن فعلا أزمة الأمة في ضمير عناصرها؟

** بالفعل، فالناس يطلقون كلمة الضمير ويريدون بها ، الإخلاص في العمل ، وتحري الحلال ، وأداء الواجب والأمانات على النحو الذي يوجبه الشرع والقانون ، وإن شئت قلت : الضمير هو واعظ الله في قلب كل إنسان ، بحيث يحثه على الخير ، ويبعده عن الشر ، ويلومه على ما قصر في جنب الله ، وجنب مجتمعه .

لكن الملاحظ لسلوكيات كثير من الناس في هذه الآونة يجد أنها تخلو من الضمير ، فالكثيرون منهم لا يذهبون لعملهم ، ويطالبون بزيادة رواتبهم ، والبعض لا يعملون أصلا ، إلا في الأوكار الخاصة بهم ، سواء في العيادة ، أو المكتب الاستشاري ، أو الهندسي ، أو مقر الدروس الخصوصية – إلا من رحم ربي – ، أما المؤسسات العامة والحكومية ، فمكان للراحة وليس العمل ، نتعلل أمامه بآلاف الحجج والأعذار بهدف التفلت منه ، وفي المقابل لا تجد بعضا من هؤلاء المعتذرين يتغيب يوما عن مكان عمله الخاص.

**وأخيرًا.. ما تعقيبكم على مطالب المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث باسم التجديد؟

** مسألة تسوية المرأة بالرجل في الميراث التي ينادي بها البعض في تونس أو غيرها من البلدان ، هي مسألة متعلقة بثوابت الشرع والدين ، ويحكمها نص قطعي سواء من ناحية سنده ، أو دلالته على الحكم الشرعي ، وحكمها باق على حاله إلى قيام الساعة ، ولا يمكن تغييره ، أو تعديله ، أو الاجتهاد بصدده ، وسوف يظل على هذا النحو إلى يوم القيامة .

وتكمن فلسفة الشرع في إعطاء الرجل ضعف المرأة من خلال عدم أمور ليس مكانها هنا الآن، لكنها تصب في النهاية في أن الله تعالى أعلم بمن خلق، ويقدر لكل حسب دوره المنوط به، كما أن المفاضلة بين الذكر والأنثى في الميراث ليست مطلقة ، فهناك حالات كثيرة يستوي فيها الذكر والأنثى ، كما في حال وجود الابن مع الأب والأم قال تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11] وتوجد بعض الحالات الأخرى التي يزيد فيها نصيب الأنثى على نصيب الرجل ، أو تقترب منه ، كما لو كانت الأم مع الأب ومعهما أحد الزوجين ففي إحدى هاتين المسألتين تأخذ الأم ضعف نصيب الأب ، وفي الأخرى يقترب نصيبها من نصيبه .

ومن ثم لا يجوز باسم التجديد ، الاجتراء على شرع الله -عز وجل- وهدم ثوابت الدين ، وفق دعاوى باطلة ، ومصالح موهومة ، من شأن الاستجابة إليه هدم عرى الدين عروة عروة ، وضياع مصالح الأمة.

نسأل الله أن يُصلح أحوال المسلمين، وجزى الله خيراً الأستاذ الدكتور عبد الحليم منصور، على ما تفضل به من البيان والتوضيح.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين الشريفين يرعى غدًا حفل تدشين قطار الحرمين السريع
يرعى بمشيئة الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - يوم غد الثلاثاء حفل تدشين قطار الحرمين السريع.
كانتون سويسري يصوت لمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة
يصادق كانتون سويسري للمرة الثانية على قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العام، وصوت نحو 67 بالمئة من الناخبين في الكانتون الشمالي الشرقي لصالح القانون الجديد، وفق نتائج رسمية، ما يمهد الطريق أمامه للسير على خطى كانتون تيتشينو الجنوبي الذي أقر قانونا مشابها قبل عامين بدا وكأنه يستهدف النقاب واشكالا أخرى من الحجاب الإسلامي.
الكحوليات تقتل 3 ملايين شخص سنويا!
قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 3 ملايين شخص توفوا عام 2016 بسبب الإفراط في شرب الكحول، مما يعني أن واحدة من كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بهذا السلوك.
حوار حول الابتداع في الحج
الابتداع في الدين من أخطر الأدواء التي أصيب بها المسلمون. فحقيقته: هدم للدين وقدح في جناب سيد المرسلين، ومنازعة لحق التشريع الذي هو من حقوق رب العالمين، وإفساد للعبادة المتقرب بها إلى رب الأولين والآخرين، وتشويه للدين وصد عن سبيله المستقيم، وطريق إلى تشتيت الأمة الإسلامية ووقوع الخلاف والشقاق بين أبنائها وجعلها مزقا وفرقا شتى كل حزب بما لديهم فرحون، وكفى بالبدعة بؤسا وضلالا أنها سبب لطرد محدثها من رحمة رب العالمين.
حوار مع الدكتور عبد الفتاح إدريس حول مداومة الطاعة بعد رمضان
هاهو شهر رمضان يلملم أوراقه استعدادا للرحيل، هاهو موسم الطاعة الأكثر ثراءًا في العام يوشك أن ينتهي، هاهو الضيف العزيز يغادر بيوت المسلمين بعد ثلاثين يومًا قضاها ما بين صوم وصلاة وقيام وتهجد واعتكاف وصدقات وزكاة، لكن يبقى السؤال: هل قبل الله منا صيام هذا الشهر أم لا؟
حوار حول فضل صلاة التراويح في رمضان
صلاة التراويح، واحدة من مكرمات شهر رمضان المبارك، وإحدى أهمّ نوافذ روحانياته العطرة التي يتنسم بها المشمّرون عن الطاعات، الساعون للحصول على البركات، الحالمون برضى رب الأرض والسموات.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م