التّمييز بين المكيّ والمدني من القرآن وفوائده(1).
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/08/16 الموافق 2018/05/02 - 09:48 ص

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فللعلماء في تمييز المكيّ من المدني, وحدّ المصطلحين مذاهب كثيرة؛ كما أنّ لهم في التّمييز بينهما ضوابط, وبيَّنوا الفوائد والثمرات المجنية من معرفة وتمييز المكيّ من المدني من الآيات القرآنية؛ فلذلك يحسن أن نصنّف هذا العنوان إلى مباحث؛ يتم من خلالها تناول العناصر المشار إليها وغيرها بشيء من التفصيل والبسط؛ فيتكوّن العنوان – بعون الله تعالى وقوته – من ستّة مباحث:

المبحث الأوّل: مذاهب العلماء في التمييز بين المكيّ والمدني.

المبحث الثَّاني: أسباب اختلاف العلماء في التمييز بين المكيّ والمدني.

المبحث الثَّالث: الضوابط المتبعة للتمييز بين المكيّ والمدني.

المبحث الرابع: فوائد معرفة المكي من المدني.

المبحث الخامس: ضوابط السور المدنية وخصائصها.

المبحث السّادس: ضوابط السور المكيّة وخصائصها.

  أمَّا المبحث الأوّل: وهو مذاهب العلماء في التمييز بين المكيّ والمدني.

نقول وبالله التّوفيق: للعلماء في التّمييز بين المكيّ والمدني مذاهب كثيرة؛ أشهرها أربعة مذاهب؛ وهي كالتّالية:

المذهب الأوّل: مذهب من يعتبر مكان النزول.

فيقولون على هذا المذهب: أن المكي ما نزل من القرآن بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكة ضواحيها كالمنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وعرفات والحديبية، ويدخل في المدينة ضواحيها أيضًا كالمنزل عليه في بدر، وأحد، وسلع.

ونوقش هذا المذهب: بأنّه غير جامع ومانع؛ لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة؛ لأنّ هناك آيات نزلت في مواضع غير مكة والمدينة؛ ومنها على سبيل التمثيل ما يلي:

أوَّلاً:  قول الله تعالى: {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشّقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون}[1], فقد قيل بأنها نزلت بتبوك.

ثانيًا: قول الله تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا}[2]، فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. قال ابن جرير الطبري: قال ابن زيد، في قوله: واسأل من أرسلنا من قبلك ... الآية، قال: جمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس، فأمهم، وصلى بهم، فقال الله له: سلهم، قال: فكان أشد إيمانا ويقينا بالله وبما جاء من الله أن يسألهم[3].

ثالثًا: قول الله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين}[4], فإنّها نزلت في سفر هجرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

المذهب الثَّاني: مذهب من يعتبر المخاطبين.

فيقولون على هذا المذهب: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة. قال في فضائل القرآن: ما كان في القرآن {يا أيها الناس} أو {يا بني آدم} فإنه مكي, وما كان فيه {يا أيها الذين ءامنوا} فإنه مدني[5].

ونوقش هذا المذهب بأمرين:

  الأمر الأوّل: أنه غير ضابط ولا حاصر؛ فإنّ في القرآن ما نزل غير مصدّر بما ذكروا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى, ومنها على سبيل المثال ما يلي:

أوّلا: قول الله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما}[6].

ثانيا: قول الله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر}[7].

الأمر الثّاني: أنّ ما ذكروا غير مطرد؛ فهناك سور افتتحت, أو فيها يا ايها النّاس وهي مدنية؛ كالحال في السور التالية:

أولا: سورة البقرة؛ ففيها يا ايها النّاس وهي مدنية؛ قال الله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم}[8].

ثانيا: سورة النساء؛ حيث افتتحت بيا ايها النّاس وهي مدنية؛ قال الله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا[9]. والأمثلة على ذلك كثيرة.

قال الزركشي: وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر؛ فإن سورة البقرة مدنية وفيها: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} وفيها {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} وسورة النساء مدنية وفيها: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} وفيها: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس} وسورة الحج مكية وفيها: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح, ولذا قال مكي: هذا إنما هو في الأكثر وليس بعام وفي كثير من السور المكية {يا أيها الذين آمنوا}[10].

المذهب الثّالث: مذهب من يجمع بين اعتبار الحروف المقطعة, ويا أيها الذين ءامنوا.

فيقولون على هذا المذهب: كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة فهي مكية إلا البقرة وآل عمران.

 كما أنّ كل سورة فيها: {يا أيها الذين آمنوا} فهي مدنية وما فيها: {يا أيها الناس} فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيا كما في البقرة {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}، {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}.

ونوقش: بأنه غير جامع ومانع, بل هو قول غير منضبط.

المذهب الرّابع: مذهب من يعتبر زمان النزول.

فيقولون على هذا المذهب: أن المكي ما نزل من القرآن قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى ولو نزل بغير مكة، أو في طريقه إلى المدينة؛ والمدني ما نزل من القرآن بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة[11].

وهذا القول الأخير أقوى الأقوال في هذه المسألة وأصوبها؛ لما يلي من الأمور:

الأمر الأوّل: أنه ضابط وحاصر ومطرد لا يختلف، واعتمده العلماء واشتهر بينهم.

الأمر الثّاني: أن الاعتماد عليه يقضي على معظم الخلافات التي أثيرت حول تحديد المكي والمدني.

الأمر الثالث: أنه أقرب إلى فهم الصحابة -رضي الله عنهم- حيث إنهم عدوا من المدني سورة التوبة، وسورة الفتح, وسورة المنافقون، ولم تنزل سورة التوبة كلها بالمدينة، فقد نزل كثير من آياتها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في طريق عودته من تبوك، ونزلت سورة الفتح على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو عائد من صلح الحدبية، ونزلت سورة المنافقون عليه، وهو في عزوة المصطلق[12].

المبحث الثَّاني: أسباب اختلاف العلماء في التمييز بين المكيّ والمدني.

لاختلاف علماء الأمة في تضبيط وتمييز السور المكية من المدنية أسباب عدّة؛ ذكر أهل العلم منها ما يلي:

السبب الأوّل: عدم التنصيص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأمر، فلم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: هذه السورة أو الآية مكية، وتلك السورة أو الآية مدنية.

السبب الثاني: الاختلاف في تحديد مصطلح المكي والمدني.

السبب الثالث: عدم التمييز بين ما هو صريح في السببية وما هو غير صريح فيها؛ بمعنى أنه وقع من بعض الرواة لأسباب النزول إلحاق بعض الآيات المكية في السور المدنية، كما وقع منهم إلحاق بعض الآيات المدنية في السور المكية؛ اعتمادا على تلك الأسباب غير الصريحة؛ وذلك لعدم تمييزهم بين القصة الصريحة في السببية وبين القصة التي ذكرت كتفسير للآية وبيان معناها.

السبب الرابع: توهم قطعية بعض الضوابط وخصائص المكي والمدني، مع أن تلك الضوابط والخصائص مبناها على الغالبية، لا على التحديد القاطع الذي لا يقبل التخلف أو الاستثناء.

السبب الخامس: الاعتماد على الروايات الضعيفة التي لا ترتقي بمستوى الاحتجاج رغم وجود روايات صحيحة في الموضوع[13].

لطيفة حول تلك المذاهب والأقوال السابقة:

ذكر الدكتور محمد الشايع في كتابه المكي والمدني: أنه يمكن اجتماع تلك الاعتبارات والأقوال السابقة في بعض السور والآيات؛ إلا القول باعتبارها بحسب الحروف المقطعة؛ إذ هو قول غريب وضعيف؛ والأمثلة على ذلك ما يلي:

الأول: سورة الأنبياء, فهي مكيّة على جميع الأقوال الواردة في المسألة؛ وتفصيل ذلك ما يلي:

أنها نزلت مكانا بمكة.

ونزلت زمانا قبل الهجرة.

وهي خطاب لأهل مكة بالنظر لموضوعاتها؛ حيث بيّنت موقف كفار مكة من الدعوة, وإصرارهم على الكفر والعناد.

الثّاني: سورة التوبة: فهي مدنية على جميع الأقوال الواردة في المسألة؛ وتفصيل ذلك ما يلي:

أنها نزلت مكانا بالمدينة.

ونزلت زمانا بعد الهجرة.

وهي خطاب لأهل المدينة؛ كشفا لأستار وأسرار المنافقين.

الثالث: سورة النصر: فهي مكية باعتبار مكان نزولها؛ حيث نزلت بمكة عام الفتح, أو أنزلت بمنى عام حجة الوداع, على اختلاف الروايات في ذلك.

وهي أيضا مدنية باعتبار زمان النزول؛ حيث كان نزولها بعد الهجرة؛ كما أنها مدنية أيضا باعتبار موضوع السورة[14].

وفي الحلقة القادمة يستمر حديثنا مع هذا العنوان بإذن الله تعالى؛ وذلك بتناول ما بقي من مباحثه, وإلى ذالكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه؛ والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع

[1]  سورة التوبة: 42.

[2]  سورة الزخرف: 45.

[3]  تفسير الطبري 21/612.

[4]  سورة القصص: 85.

[5]  فضائل القرآن لابن كثير ص: 38, فضائل القرآن للقاسم بن سلام ص: 367.

[6]  سورة الأحزاب: 1.

[7]  سورة الكوثر: 1.

[8]  سورة البقرة: 21.

[9]  سورة النساء: 1.

[10]  البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/191.

[11]  ينظر هذه المذاهب في: ينظر: تفسير ابن كثير 1/18, المكي والمدني من القرآن الكريم للدكتور محمد الشايع ص: 7-14, المكي والمدني لمحمد رباني ص: 2, تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس ص: 28-29, تاريخ التشريع الإسلامي لمناع القطان ص: 55-56.

[12]  المكي والمدني لمحمد رباني ص: 2.

[13]  المكي والمدني من القرآن الكريم للدكتور محمد الشايع ص: 20, المكي والمدني لمحمد رباني ص: 3 بتصرف يسير.

[14]  المكي والمدني من القرآن الكريم للدكتور محمد الشايع ص: 16؛ نقلا من المصحف الشريف, أبحاث في تاريخه وأحكامه.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
"واس" تدشن أيقونتين لنقل حج 1439هـ بـ 5 لغات وأخرى لصور الحج
دشنت وكالة الأنباء السعودية "واس" أيقونتين على موقعها الإلكتروني، الأولى خصصتها للبث الإخباري متنوع القوالب بخمس لغات عن تفاصيل حج 1439هـ، وتحركات حجاج بيت الله الحرام، والثانية لبث صور فوتوغرافية احترافية تجسد دلالات المشهد لرحلة الحج العظيمة منذ لحظة وصولهم إلى المملكة عبر منافذها الجوية، والبحرية، والبرية حتى مغادرتهم سالمين بإذن الله.
د.المطلق: يجوز للمعتدة فترة الحداد الخروج لقضاء حوائجها.. بشرط
قال لا يريد الإسلام تعذيب المتوفى عنها زوجها، وإنما إبراء الرحم وإظهار حق الزوج على زوجته ومراعاة شعور أهله
السديس: نقلة نوعية للحرمين الشريفين بعد موسم الحج
أقامت الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اللقاء الإعلامي السنوي، والذي يتم فيه استضافة نخبة من الإعلاميين في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وذلك بحضور الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م