تبصرة الطّلاب في طرق تحصيل الإخلاص.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/08/14 الموافق 2018/04/30 - 05:55 م

 الحمد لله ربّ العالمين, والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فلمّا كان إخلاص العمل لله تعالى وحده شرط أساسيّ لقبول العمل, ولمّا كان الغالب من حال طالب العلم أنّه يقبِل على طلب العلم لله وحده, ولخدمة دينه الحنيف؛ إلا أن هناك عوائق تحول بينه أحيانا وبين تحقيق ذلك الإخلاص, فيفتتن الطّالب بها أثناء الطّلب, ويظهر من حاله الانسكاب وراء ما ينافي الإخلاص, ومن ذلك الاغترار بالنّفس بأنه على رتبة عالية في العلم والإتقان, وأنّه أفضل أقرانه, وذلك كلّه من وسائس الشيطان الرجيم ودسائسه؛ وليتذكر الطّالب - وكلّ من أقبل على أي عبادة – شرط الإخلاص في كلّ وقت, وليصطحب تعلّمَه وتعليمه, أحببنا في هذه الحلقة تبصير ونذكير الطلاب بطرق تحصيل الإخلاص, ولذلك نقول:

طرق تحصيل الإخلاص:

لتحصيل الإخلاص والاستمرار عليه طرق كثيرة نذكر – بإذن الله تعالى – منها ما يلي:

الأولى: معرفة الطّالب حقيقة الرياء وأنواعه.

وذلك لأنّ الرّياء محبط للعمل، وسبب لغضب اللَّه ومقته، وأنه من المهلكات, ومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله, ومن هذا العلاج الذي يزيل الرياء، ويحصِّل الإخلاص - بإذن اللَّه تعالى - معرفة حقيقة الرياء وأنواعه؛ ومن ثمّ اجتنابه بجميع أنواعه, وسؤال الله تعالى السّلامة منه.

فالريَاء: مأخوذ من الرؤية والسمعة من السماع, وحدّ الرياء المذموم: إرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى[1].

وللرياء أنواع كثيرة منها:

* فعل الطاعات رجاء ورغبة في ثناء النّاس بها, أو رجاء ثواب الله تعالى عليها مع الرغبة في ثناء الناس. قال ابن حجر الهيتمي: ومن الرياء أن يقصد اطلاع الناس على عبادته وكماله حتى يحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء[2].

*الإقبال على طاعة من الطاعات من أجل إظهار الاستقامة والصّلاح للناس؛ فيأتمنونه على أموالهم وأعراضهم, فيودعون عنده الأموال, ويزوجونه بناتهم؛ اعتمادا على ظاهر حاله, وقد لا يكون كذلك إذا كان الغرض من الإقبال على تلك الطّاعة دنيويا خالصًا؛ وقد يكون صالحًا مستقيمًا حقيقة؛ لكن اجتمع فيه غرضان؛ دنيوي وأخروي. قال الغزالي: الثانية أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة؛ كالذي يظهر الحزن والبكاء, ويشتغل بالوعظ والتذكير؛ لتبذل له الأموال, ويرغب في نكاحه النساء فيقصد؛ إما امرأة بعينها لينكحها, أو امرأة شريفة على الجملة, وكالذي يرغب أن يتزوج بنت عالم عابد فيظهر له العلم والعبادة؛ ليرغب في تزويجه ابنته, فهذا رياء محظور؛ لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا[3].

الثانية: الخوف من الرياء المحبط للعمل.

وذلك لأن من خاف أمراً, بقي حَذِراً منه فينجو؛ فإن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة, فينبغي للمرء بل يجب عليه إذا هاجت رغبته إلى آفة حُبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت اللَّه، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم اللَّه وحده[4].

فبالله وحده ثم بالخوف من حبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، وخطر الرياء على الأعمال والطاعات شديد؛ ولعظيم خطره سمّاه النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – شركًا أصغر؛ وذلك فيما أخرجه الإمام أحمد في المسند, من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه، أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة: إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء»[5].

الثَّالثة: النظر في خوف الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - من الرياء.

 وذلك لأنّه إذا قرأ الطالب عن حال سلف الأمّة – من الصّحابة وغيرهم – مع الرياء, وجد أنّ الصحابة والتابعين وأهل العلم والإيمان يخافون من هذا البلاء الخطير، ومن ذلك الأمثلة الآتية:

المثال الأوّل: ما أخرجه ابن ماجه في سننه بسند حسن؛ من حديث أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رسول الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}[6] أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا، يا بنت أبي بكر أو يا بنت الصديق ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، وهو يخاف أن لا يتقبل منه»[7].

 

المثال الثّاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من حديث ابن أبي مليكة أنّه قال: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل»[8].

المثال الثالث: قال إبراهيم التيمي: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا»[9].

المثال الرابع: يذكر عن الحسن أنه قال: «ما خافه[10] إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق»[11].

المثال الخامس: ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع»[12].

المثال السادس: ويذكر عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال: «لئن أستيقن أن الله تقبل منّي صلاة واحدة أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين}[13]»[14].

المثال السابع: ما أخرجه الدارمي في سننه؛ من طريق سفيان، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، يقول: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، «وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا»[15][16].

الرّابعة: معرفة عظمة اللَّه تعالى.

وذلك لأنّ معرفة عظمة اللَّه تعالى, بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن اللَّه وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويعزّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن اللَّه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فسيُثمرُ ذلك إخلاصاً وصدقاً مع اللَّه، فلا بُدَّ من معرفة أنواع التوحيد كلها معرفة صحيحة سليمة[17].

الخامسة: معرفة ما أعدَّه اللَّه في الدار الآخرة.

وذلك لأن معرفة ما أعدَّه اللَّه في الدار الآخرة من النّعيم المقيم للمخلصين لله تعالى وحده, وتذكّره ما يؤول إليه أمر المراؤون يوم القيامة, فإن ذلك كلّه يخوّفه, ويعينه على الاستمرار مع الإخلاص في جميع الطاعات والعبادات.

السَّادسة: الفرار من ذم الله.

 وذلك لأن من أسباب الرياء الفرار من ذم الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذم الله أولى؛ لأنّ ذمه شين؛ ولا شك أنّ العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط الله سخط الله عليه، وغضب وأسخط الناس عليه، فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فالله أحق أن تخشاه إن كنت صادقا[18].

ويستمر حديثنا مع هذه الطرق في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى, وإلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع

[1]  الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي 1/69.

[2]  المصدر السّابق.

[3]  إحياء علوم الدين 3/304.

[4]  الخُلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة, للدكتور سعد القحطاني ص: 33.

[5]  مسند الإمام أحمد 39/39 برقم 23630. قال الألباني: إسناده جيد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين؛ غير محمود بن لبيد، فإنه من رجال مسلم وحده. ينظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/634.

[6]  سورة المؤمنون: 60].

[7]  سنن ابن ماجه 2/1404 برقم 4198 كتاب الزهد/ باب التوقي على العمل.

[8]  أخرجه البخاري معلّقا 1/18 كتاب الإيمان/ باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

[9]  أخرجه البخاري معلّقا 1/18 كتاب الإيمان/ باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

[10]  يعني: الله سبحانه وتعالى.

[11]  أخرجه البخاري معلّقا 1/18 كتاب الإيمان/ باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

[12]  صفات المنافقين لابن القيم  ص: 21.

[13]  سورة المائدة: 27.

[14]  ذكره ابن كثير في تفسيره 3/85.

[15]  سنن الدارمي 1/248 برقم 137. قال الداراني: إسناده صحيح.

[16]  ينظر هذه الأمثلة في كتاب: الخُلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة ص: 34-36.

[17]  الخُلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة ص: 33.

[18]  الخُلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة ص: 36.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
خادم الحرمين الشريفين يرعى غدًا حفل تدشين قطار الحرمين السريع
يرعى بمشيئة الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - يوم غد الثلاثاء حفل تدشين قطار الحرمين السريع.
كانتون سويسري يصوت لمنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة
يصادق كانتون سويسري للمرة الثانية على قانون يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العام، وصوت نحو 67 بالمئة من الناخبين في الكانتون الشمالي الشرقي لصالح القانون الجديد، وفق نتائج رسمية، ما يمهد الطريق أمامه للسير على خطى كانتون تيتشينو الجنوبي الذي أقر قانونا مشابها قبل عامين بدا وكأنه يستهدف النقاب واشكالا أخرى من الحجاب الإسلامي.
الكحوليات تقتل 3 ملايين شخص سنويا!
قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 3 ملايين شخص توفوا عام 2016 بسبب الإفراط في شرب الكحول، مما يعني أن واحدة من كل 20 حالة وفاة في جميع أنحاء العالم مرتبطة بهذا السلوك.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م