توصية الأطفال بوصايا لقمان.
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/08/08 الموافق 2018/04/24 - 09:19 ص

 

 الحمد لله ربّ العالمين, جعل المال والبنون زينة الحياة الدنيا, والصَّلاة والسّلام على قدوة العالمين في التربية والتعليم, وأسوة الأمّة في الحفاظ على حقوق الأنام, محمّد بن عبد الله المكرَّم, وعلى آله وصحبه الكرام, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أمَّا بعد:

فإنّ المتأمّل في وصايا لقمان الحكيم الواردة في سورة لقمان يجدها أنموذجا تربويا لأصول التربية المستقيمة للأطفال, ولعموم المسلمين؛ وفي تنشئة الأطفال عليها خير للآباء, والمجتمع الإسلامي, ولذلك نريد أن نذكرنا في هذه الحلقة بالفوائد العظام التي تحملها هذه الوصايا؛ لنقتدي بقائلها في إلقائها على الأطفال, وتدريبهم عليها؛ ولذلك نقول وبالله التوفيق:

أوّلاً: من هو لقمان الحكيم؟.

هو لقمان بن باعور بن ناحور بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن مرون، وكان نوبيا من أهل أيلة, وهو ابن أخت أيوب. وقيل: هو ابن خالته، عاش ألف سنة، وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطع الفتوى، فقيل له، فقال: ألا أكتفي إذ كفيت. قال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل، والحكمة التي آتاه الله: هي الفقه، والعقل، والإصابة في القول[1]. واختلفوا في كونه نبيًّا؛ فالذي عليه جمهور السلف الصالح هو أنّه عبد صالح, وليس نبيًّا.

قال الشوكاني: اختلفوا هل هو نبي، أم رجل صالح؟ فذهب أكثر أهل العلم: إلى أنه ليس بنبي. وحكى الواحدي عن عكرمة، والسدي والشعبي أنه كان نبيا، والأول أرجح[2].

وقال ابن كثير: اختلف السلف في لقمان، عليه السلام: هل كان نبيا، أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني[3].

ثم قال بعد أن ساق الآثار الواردة عن السلف في لقمان: فهذه الآثار منها ما هو مصرّح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأنّ كونه عبدا قد مسّه الرّق ينافي كونه نبيا؛ لأنّ الرسل كانت تبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنّه لم يكن نبيًّا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة -إن صحّ السّند إليه[4].

ثانيًا: وصايا لقمان لابنه.

الوصيّة الأولى: غرس العقيدة الصّحيحة في قلب الأولاد, وفي ذلك يقول: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}[5].

قال ابن كثير: يوصي لقمان ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، ثم قال محذرا له: {إن الشرك لظلم عظيم} أي: هو أعظم الظلم, وأكّد النبيّ كون الشرك ظلما عظيما فيما أخرجه البخاري في صحيحه؛ من طريق قتيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}[6]، شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}[7]»[8].

فالبدء بتربية الأولاد على العقيدة الصحيحة مهم جدًّا, لأن نجاة المرء في الدار الآخرة مرتبطة بسلامة عقيدته وصحتها, فإذا صحّت, فيرجى له الفوز العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, كما أن الخلل في العقيدة خلل في بقية الأعمال, وخاصة الإشراك بالله تعالى, فهو ذنب عظيم, بل هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر الله للمتلبّس به إلا بالتوبة والإنابة إليه, وسائر الذنوب تحت مشيئة الله تعالى؛ إن شاء غفر لأصحابها يوم القيامة وإن لم يتوبوا منها قبل الممات, وإن شاء عذّبهم بقدر تلك الذنوب؛ غير أنّهم لا يخلّدون بها في النّار, إن أدخلهم بها النّارَ, قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}[9].

الوصية الثانية: الخوف من الله في السّر والعلن, وأنّه تعالى لا تخفى عليه خافية, وأن الجزاء من جنس العمل, وفي ذلك يقول: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير}[10].

قال ابن كثير: ولو كانت تلك الذرة محصّنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات أو الأرض فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: {إن الله لطيف خبير} أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت, {خبير} بدبيب النمل في الليل البهيم[11].

فتعليم الأطفال هذه الآية الكريمة, وتلقينهم إياها, وشرح ما تحمل من المعاني العظام لهم, يجعلهم نشطين على العبادة من الصغر, متيقنين بأن الله بكلّ شيء عليم, متفطنين إلى أن الله تعالى يجازي بالإحسان إحسانًا, حذرين من الوقوع في الفواحش والمنكرات؛ خوفا من الله تعالى.

الوصية الثَّالثة: البناء العبادي وتهذيب النفوس, وفي ذلك يقول: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[12].

قال ابن كثير: {يا بني أقم الصلاة} أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها.

{وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} أي: بحسب طاقتك وجهدك.

{واصبر على ما أصابك}، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر.

وقوله: {إن ذلك من عزم الأمور} أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور[13].

وقال القرطبي: في الآية ثلاث مسائل وفوائد:

الأولى: قوله تعالى: يا بني أقم الصلاة وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه, ويزدجر عن المنكر، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع.

الثانية: قوله تعالى: واصبر على ما أصابك يقتضي حضًّا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر، فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانا, وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل، وهذا قول حسن؛ لأنه يعمّ.

الثالثة: قوله تعالى: إن ذلك من عزم الأمور قال ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره. وقيل: إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور، أي مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج. ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة[14].

الوصية الرابعة: البناء الأخلاقي والسلوكي. وفي ذلك يقول: {ولا تصعّر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور}[15].

قوله تعالى: {ولا تصعّر}. فالصَّعر: الميل بالعنق, والتصعير: إمالة الخد عن النظر عجبا[16]. والصّعَّار: هو المتكبر؛ لأنّه يميل بخده ويعرض عن الناس بوجهه[17].

ومعنى الآية:

قال القرطبي: معنى الآية: ولا تمل خدك للناس كبرا عليهم وإعجابا واحتقارا لهم؛ وهذا تأويل ابن عباس وجماعة. وقيل: هو أن تلوي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، فالمعنى: أقبل عليهم متواضعا مؤنسا مستأنسا، وإذا حدثك أصغرهم فأصغ إليه حتى يكمل حديثه, وقوله تعالى: ولا تمش في الأرض مرحا أي: متبخترا متكبرا؛ وهو النشاط والمشي فرحا في غير شغل وفي غير حاجة. وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في مشيته, والفخور: هو الذي يعدد ما أعطي ولا يشكر الله تعالى[18].

فيحذر الآباء الأطفال من:

* التكبّر.

* والعجب بالنفس.

* والفخر والخيلاء.

ويؤدبونهم ويربّونهم على:

* التواضع.

* الخشوع.

الوصية الخامسة: مزيد البناء الأخلاقي والسلوكي, وفي ذلك يقول: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}[19].

قال القرطبي: في الآية ست مسائل وفوائد:

الأولى: قوله تعالى: واقصد في مشيك لما نهاه عن الخلق الذميم, رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال:{واقصد في مشيك} أي: توسط فيه. والقصد: ما بين الإسراع والبطء، أي لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار.

الثَّانية: قوله تعالى: واغضض من صوتك أي انقص منه، أي لا تتكلف رفع الصوت, وخذ منه ما تحتاج إليه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي, والمراد بذلك كله التواضع.

الثالثة: قوله تعالى: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير أي: أقبحها وأوحشها، ومنه أتانا بوجه منكر, والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة.

الرابعة: في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية.

الخامسة: في الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة.

السادسة: قوله تعالى:{لصوت الحمير} اللام للتأكيد، ووحّد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة؛ لأنه مصدر, والمصدر يدل على الكثرة، وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو صائت. ويقال: صوت تصويتا فهو مصوت, ورجل صات, أي: شديد الصوت, بمعنى: صائت، كقولهم: رجال مال ونال، أي كثير المال والنوال[20].

 المراجع

[1]  فتح القدير للشوكاني 4/273.

[2]  المصدر السّابق

[3]  تفسير ابن كثير 6/333.

[4]  المصدر السّابق 6/334.

[5]  سورة لقمان: 13.

[6]  سورة الأنعام: 82.

[7]  صحيح البخاري 6/114 برقم 4776 كتاب تفسير القرآن/ باب {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}.

[8]  تفسير ابن كثير 6/336.

[9]  سورة النساء: 48.

[10]  سورة لقمان: 16.

[11]  تفسير ابن كثير 6/338.

[12]  سورة لقمان: 17.

[13]  تفسير ابن كثير 6/338.

[14]  تفسير القرطبي 14/69.

[15]  سورة لقمان: 18.

[16]  مقاييس اللغة, مادة: صعر 3/288.

[17]  النهاية في غريب الحديث والأثر 3/31.

[18]  تفسير القرطبي 14/70-71.

[19]  سورة لقمان: 19.

[20]  تفسير القرطبي 14/71-72.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
علماء الجزائر: النقاب ليس مشكلة في البلاد من أجل منعه
قال أكبر تجمع لعلماء الدين بالجزائر، إن النقاب الذي قررت السلطات منعه في أماكن العمل الحكومية محدود الانتشار ولا يشكل مشكلة في البلاد.
ندوة دولية للأزهر عن الإسلام والغرب.. الاثنين المقبل
تنطلق يوم الاثنين المقبل أعمال الندوة الدولية التي تنظمها مكتبة الأزهر الجديدة، تحت رعاية الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، بعنوان "الإسلام والغرب.. تنوعٌ وتكاملٌ"، وذلك بمشاركة عدد من الشخصيات العامة من أوروبا وآسيا، إضافة لنخبة من القيادات الدينية والسياسية والفكرية من مختلف دول العالم.
المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي: استقرار السعودية خط أحمر
أعرب المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي باسم الشعوب الإسلامية، عن تضامنه الكامل مع المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، مُدِينًا المحاولات اليائسة التي تستهدف المملكة من قِبَل لفيف المتربصين، مؤكدًا أن استقرار المملكة وأمنها بالنسبة للعالم الإسلامي خط أحمر.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م