حوار مع الدكتورة وفاء توفيق حول فضل شعبان والاستعداد لرمضان
|
حوار- عماد عنان
أضيف فى 1439/08/06 الموافق 2018/04/22 - 12:48 م

 

ها هي نسائم شهر شعبان تداعب أنوف المشتاقين إلى الجنان، وتطرق أبواب المجتهدين في التقرب إلى الله بالطاعات والقربات،  فلهذا الشهر مكانة عظيمة في الإسلام، ويكفي أنّه كما قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: ((كان أحبَّ الشُّهور إلى رسولِ الله أن يصومَه))، قالت: ((ثم يَصِلُهُ برمضان.))[صحيح أبي داود (2101)].

فلذا يُعدُّ شهر شعبان منحة ربانية، يؤتيها الله للمسلمين قُبيل رمضان، وبين يدي الاستعداد له، ليكون لهم بمثابة دورة تدريبية مكثّفة، يتهيّؤون بها لانتهاز موسم الرحمة في رمضان، حول هذه المعاني، كان لـ "الملتقى الفقهي" هذا اللقاء مع الدكتورة وفاء توفيق، الباحثة المغربية في الفكر الإسلامي، فإلى مضابط الحوار:

*بداية هل يمكن أن تحدثينا عن فضل الصيام في شعبان؟

*يكفي القولُ ابتداء أنّ شعبان شهرٌ يُحبّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان يخصُّه بما لا يخصُّ الشهور الأخرى من كثير الصيام وباقي الطاعات، فإذا كان الصيام في رمضان فرضاً واجبا، فإن الإكثار منه في شعبان سنة نبوية معلومة.

وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصومُ ولا يفطرُ حتى نقولَ: ما في نفسِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنْ يفطر العامَ، ثم يفطرُ فلا يصومُ حتى نقولَ: ما في نفسه أنْ يصومَ العامَ، وكان أحبَّ الصومِ إليه في شعبان))، وعن  أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان))، وفي سياق الحديث عنه قال ابن رجب رحمه الله: (وأما صيام النبي صلى الله عليه وسلم من أشهر السنة، فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور).

*ما الحكمة من تخصيص شعبان بهذا الفضل؟

** أسبابٌ عدّة وراء تفضيل شعبان وتخصيصه عن بقيّة أشهر العام سوى رمضان، منها أن فيه تُرفع أعمالُ العباد إلى رب العباد، كما جاء عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: ((قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: “ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إلى رَبِّ العَالمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عملي وَأَنَا صَائِمٌ)).

إنَّ موقع شهر شعبان بين شهرين عظيمين، هما رجب الحرام ورمضان المعظم يجعله عُرضةً لأن يغفل الناس عن فضله وعن فضل العبادة والقربات فيه. وقد نبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك فقال منبّهاً: ((ذلك شهرٌ يغفل عنه الناس)).

ويُمكنُ القول إنّ شعبان هو الصفحة الختامية والمحطَّة الجامعة لحصاد الأعمال السنوية للعباد، حيث تُعرض على الله تعالى فمن تمام الموافقة أن تُختم الأعمال السنوية للمرء وهو في في حال قربةٍ من صيامٍ أو قيام أو صدقةٍ أو ذكرٍ أو دعاء أو استغفار أو أمر بالمعروف أو نهياً عن المنكر.

كما يُعدّ هذا الشهر هبة ربانية، ففيه ليلة عظيمة هي ليلة النصف من شعبان عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم شأنها بقوله: ((يطِّلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النِّصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشرك أو مشاحن)).

*كيف كان الصحابة يستعدون لرمضان في شعبان؟

**شعبان فرصة عظيمة للتدريب على الصوم والعبادة، استعدادًا لشهر رمضان المعظم، وكما كان النبي -عليه السلام- يجتهد في هذا الشهر، كان صحابته الكرام يسيرون على نهجه، فقد كانوا يستعدّون لشعبان كما يستعدون لرمضان، وكانوا يهتمون به اهتماما خاصّاً لما عرفوا من نفحاته وأسراره، فاجتهدوا في صيام أيامه، وانكبُّوا على قراءة القرآن فيه ومدارسته، وسارعوا إلى إخراج الصدقات، وتنافسوا في فعل الخيرات.

فشعبان منحة من عند الله -عز وجل- حتى ندرب فيه النفس على الإقبال على الله تعالى وعلى الاجتهاد في الخيرات والمبادرة للطاعات، حتى إذا أهلَّ رمضان كنا على أتم استعداد لصيامه وقيامه إيمانا واحتسابا، فلم نشعر بثقل الطاعات وإجهادها.

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: (وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر، وهو أنَّ صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض بذلك النفوس على طاعة الرحمن).

*في لقاء سابق طُلب منكم وضعُ برنامج يومي للمسلم خلال شهري شعبان ورمضان.. ماذا قلتِ؟

** هذا سؤال شبه دوريٍّ يتكرَّر كل عام مع قدوم شهر شعبان، وأنا أعتبره من باب المسارعة نحو الخير، فوضع برنامج يومي للطاعات في هذين الشهرين العظيمين يعني العودة إلى القرآن والسنة، لاستخراج ركائزه الأساسية وعناوينه الكبرى، والتي تنقسم إلى قسمين أساسيين: الفرائض والنوافل، وقد وردا فيما رواه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل حيث قال سبحانه: ((وما تقرب إليَّ عبدي بأحبِّ إلي مما افترضتُه عليه. وما يزال عبدي يتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبّه))(مسلم) فأيُّ برنامجٍ يوميّ للطاعات في هذه الأيام المباركة، يجب أن يتضمن التزام الفرائض بحسن إقامتها وتحرِّي إتقانها وعلى رأس ذلك الصَّلاة، كما يجب أن يهدف إلى تدريب المؤمن على الإقبال على النوافل بهدف المداومة عليها، ومن ذلك قراءة وردٍ قرآنيّ، والحرص على ختم القرآن ولو مرة واحدة، وتخصيصُ وقت أو أوقات لذكر الله تعالى، كذا الغُنم من وقت السحر الذي ينزل فيه الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا للقيام والاستغفار والدعاء، دون أن ننسى تقديم الصدقات وترطيب اللسان بالكلمة الطيبة: “لا إله إلا الله”، وإحياء سنة الاعتكاف والاجتهاد في بر الوالدين والإحسان إلى الجار والسعي إلى قضاء حاجات الناس وتفريج الكرب عنهم.

وفي ختام هذا الحوار، نتوجه بالشكر إلى الباحثة المغربية الدكتورة وفاء توفيق، على ما تفضلت به من التوجيهات والنصائح السديدة، سائلين الله عز وجل أن يوفق المسلمين جميعا ً إلى حسن الاستعداد لشهر رمضان، وذلك بإيلاء شهر شعبان ما يستحقه من الاهتمام.

 

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
علماء الجزائر: النقاب ليس مشكلة في البلاد من أجل منعه
قال أكبر تجمع لعلماء الدين بالجزائر، إن النقاب الذي قررت السلطات منعه في أماكن العمل الحكومية محدود الانتشار ولا يشكل مشكلة في البلاد.
ندوة دولية للأزهر عن الإسلام والغرب.. الاثنين المقبل
تنطلق يوم الاثنين المقبل أعمال الندوة الدولية التي تنظمها مكتبة الأزهر الجديدة، تحت رعاية الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، بعنوان "الإسلام والغرب.. تنوعٌ وتكاملٌ"، وذلك بمشاركة عدد من الشخصيات العامة من أوروبا وآسيا، إضافة لنخبة من القيادات الدينية والسياسية والفكرية من مختلف دول العالم.
المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي: استقرار السعودية خط أحمر
أعرب المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي باسم الشعوب الإسلامية، عن تضامنه الكامل مع المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، مُدِينًا المحاولات اليائسة التي تستهدف المملكة من قِبَل لفيف المتربصين، مؤكدًا أن استقرار المملكة وأمنها بالنسبة للعالم الإسلامي خط أحمر.
حوار حول الابتداع في الحج
الابتداع في الدين من أخطر الأدواء التي أصيب بها المسلمون. فحقيقته: هدم للدين وقدح في جناب سيد المرسلين، ومنازعة لحق التشريع الذي هو من حقوق رب العالمين، وإفساد للعبادة المتقرب بها إلى رب الأولين والآخرين، وتشويه للدين وصد عن سبيله المستقيم، وطريق إلى تشتيت الأمة الإسلامية ووقوع الخلاف والشقاق بين أبنائها وجعلها مزقا وفرقا شتى كل حزب بما لديهم فرحون، وكفى بالبدعة بؤسا وضلالا أنها سبب لطرد محدثها من رحمة رب العالمين.
حوار مع الدكتور عبد الفتاح إدريس حول مداومة الطاعة بعد رمضان
هاهو شهر رمضان يلملم أوراقه استعدادا للرحيل، هاهو موسم الطاعة الأكثر ثراءًا في العام يوشك أن ينتهي، هاهو الضيف العزيز يغادر بيوت المسلمين بعد ثلاثين يومًا قضاها ما بين صوم وصلاة وقيام وتهجد واعتكاف وصدقات وزكاة، لكن يبقى السؤال: هل قبل الله منا صيام هذا الشهر أم لا؟
حوار حول فضل صلاة التراويح في رمضان
صلاة التراويح، واحدة من مكرمات شهر رمضان المبارك، وإحدى أهمّ نوافذ روحانياته العطرة التي يتنسم بها المشمّرون عن الطاعات، الساعون للحصول على البركات، الحالمون برضى رب الأرض والسموات.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م