كتاب مختصر خليل
|
الملتقى الفقهي: قاسم عبدالواحد
أضيف فى 1439/07/30 الموافق 2018/04/16 - 04:45 م

 

الحمد لله ربّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيدنا ونبينا محمد الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإنّ كتاب مختصر خليل من أهمّ المتون العلميّة النّفيسة, ومن الكتب المعتمدة لدى المالكيَّة, اعتنى به المالكيّيون اعتناء بليغًا, وأفردوا له شروحات وتعليقات, ممّا يدل على أن الكتاب مهمّ لديهم ومقبول.

مميّزات الكتاب: امتاز الكتاب بمميِّزات عديدة, نذكر منها ما يلي:

أوّلاً: أنّه متن لطيف, صغير الحجم؛ جمّ الفائدة؛ يقول عن هذه الميزة الحطّاب؛ صاحب مواهب الجليل شرح مختصر خليل: هو كتاب صغر حجمه, وكثر علمه, وجمع فأوعى, وفاق أضرابه جنسا ونوعا[1].

 

ثانيًا: الاكتفاء بإيراد المسائل التي عليها المذهب والفتوى عند السّادة المالكيّة؛ دون التطرّق والإشارة إلى التي فيها خلاف غالبًا؛ سواء كان الخلاف من داخل المذهب أو خارجه.

وفي هذا يقول الحطاب: واختص بتبيين ما به الفتوى وما هو الأرجح والأقوى ولم تسمح قريحة بمثاله, ولم ينسج ناسج على منواله[2].

وقال ابن فرحون: قصد فيه إلى بيان المشهور؛ مجرداً عن الخلاف, وجمع فيه فروعاً كثيرة جداً؛ مع الإيجاز البليغ, وأقبل عليه الطلبة ودرسوه[3].

ثالثًا: اختصاصه بمصطلحات علميّة يرجع في معرفة المراد بها إلى ما قدّمه المؤلّف في مقدّمة مختصره أنّه هو مراده بتلك المصطلحات؛ ومن هذه المصطلحات ما يلي:

إذا قال: فيها, أو منها, أو ظاهرها فإنّه يشير بهذه المصطلحات إلى كتاب المدونّة.

وإذا قال: أول فإنّه يشير بها إلى الاختلاف الواقع بين شرَّاح المدوّنة في فهمها؛ أي: فهم المراد منها.

وإذا قال: الاختيار فإنّه يشير بها إلى اختيار الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد اللخمي؛ المتوفى سنة 478هـــــ. غير أنّ بيان ذلك من وجهين:

الوجه الأوّل: إذا ذكر ذلك المصطلح بصيغة الاسم نحو: المختار, والاختيار فإنّه يشير بها إلى اختياره من خلاف لمن تقدّمه.

الوجه الثَّاني: وإذا ذكر ذلك المصطلح بصيغة الفعل نحو:  اختاروا, واختير فإنّه يشير بها إلى اختياره نفسه.

وله في هذا المختصر مصطلحات غير ما ذكِر؛ أشار إليها وإلى مراده بها في مقدّمة كتابه؛ يرجع إليها لمزيد البيان والإيضاح[4].

ترجمة موجزة عن المؤلِّف:

هو أبو محمّد خليل بن إسحاق بن موسى المالكي المعروف بالجندي؛ سمي بذلك لأنه يلبس زيّ الجند؛ كان أبوه حنفيا لكنه يلازم الشيخ أبا عبد الله ابن الحاج؛ فشغل ولده خليل مالكيا بسببه؛ تعلم في القاهرة، وولي الإفتاء على مذهب الإمام مالك, توفي – رحمه الله تعالى – سنة 776هــــ, وقيل: 767هــــ؛ له مصنفات أخرى غير المختصر, منها:

 

التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب؛ في ست مجلدات, انتقاه من شرح ابن عبد السلام وزاد فيه عزو الأقوال وإيضاح ما فيه من الإشكال.

وكتاب المناسك.

وكتاب مخدرات الفهوم في ما يتعلق بالتراجم والعلوم.

ومناقب المنوفي[5].

 مكانة المؤلّف العلميّة وثناء العلماء عليه:

فإنّ ممّا لا خلاف فيه بين المالكية هو كون خليل بن إسحاق من أعلام المالكية وأحبارهم, ومن الفقهاء المشهورين المعتبرين؛ شهد بإمامته غير واحد, وأثنى عليه العلماء ثناءات عطرة.

قال ابن فرحون في الديباج: كان خليل بن إسحاق الجندي صدراً في علماء القاهرة المعزية, مجمعاً على فضله وديانته, أستاذاً ممتعاً من أهل التحقيق, ثاقب الذهن, أصيل البحث, مشاركاً في فنون من العربية والحديث والفرائض, فاضلاً في مذهب مالك, صحيح النقل, تخرج بين يديه جماعة من الفقهاء الفضلاء[6].

ثم قال: كان خليل ذا دين وفضل وزهد وانقباض عن أهل الدنيا؛ جمع بين العلم والعمل, وأقبل على نشر العلم فنفع الله به المسلمين[7].

ثم قال: اجتمعت به في القاهرة وحضرت مجلسه: فرأيته يقرئ في الفقه والحديث والعربية, وله منسك وتقاييد مفيدة؛ وله شرح على المدونة لم يكمل وصل فيه إلى أواخر الزكاة[8].

وقال صاحب شجرة النور الزكية: الشيخ خليل هو الإِمام الهمام أحد شيوخ الإِسلام والأئمة الأعلام الفقيه الحافظ المجمع على جلالته وفضله الجامع بين العلم والعمل[9].

وقال صاحب نيل الابتهاج: هو الإمام العلامة العالم العامل القدوة الحجة الفهامة، حامل لواء المذهب بزمانه بمصر[10].

وقال أبو الفضل بن مرزوق الحفيد: تلقيت من غير واحد ممن لقيته بالديار المصرية وغيرها أن خليلًا من أهل الدين والصلاح والاجتهاد في العلم إلى الغاية حتى إنه لا ينام في بعض الأوقات إلا زمنًا يسيرًا بعد طلوع الفجر؛ ليريح النفس من جهد المطالعة والكتب، وكان مدرّس المالكية بالشيخونية وهي أكبر مدرسة بمصر[11].

سبب تأليفه لهذا المختصر:

لم يسكت العلامة المالكي خليل بن إسحاق عن بيان الدّافع والباحث إلى تدوين هذا المختصر؛ بل صرحّ بأنّه يعدّ نتيجة جوابه لسؤال وطلب بعض الأصحاب؛ وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى: فقد سألني جماعة - أبان الله لي ولهم معالم التحقيق وسلك بنا وبهم أنفع طريق - مختصرا على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى؛ مبينا لما به الفتوى, فأجبت سؤالهم بعد الاستخارة[12].

المؤاخذات على هذا المختصر:

لمّا كان هذا المختصر عمل بشرٍ؛ فهو عرضة للخطأ والتّقصير؛ وإنّما الكمال المطلق لرب العالمين, فإذا كان الأمر هكذا, فقد سجّل على هذا المختصر مؤاخذات؛ أظهرها ما يلي:

الأولى: أنّ هذا المختصر مشتمل على عبارات صعبة, وإشارات مبهمة وغير مفهومة, ورموز مجملة.

الثَّانية: إفراطه في الاختصار.

وفي هذا يقول الحطَّاب: إلا أنه لفرط الإيجاز كاد يعد من جملة الألغاز, وقد اعتنى بحل عبارته, وإيضاح إشارته, وتفكيك رموزه, واستخراج مخبآت كنوزه, وإبراز فوائده, وتقييد شوارده, تلميذه العلامة الهمام قاضي القضاة تاج الدين أبو البقاء بهرام بن عبيد الله الدميري القاهري رحمه الله[13].

مشايخه وتلاميذه.

أمَّا شيوخه: ذكر ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة أنه تفقه وسمع من جملة من المشايخ؛ وفي ذلك يقول:

سمع خليل بن إسحاق من ابن عبد الهادي عبد الغني.

وقرأ على الرشيدي في العربية والأصول.

 وعلى الشيخ عبد الله المنوفى في فقه المالكية[14].

وعلى أبي عبد الله ابن الحاج صاحب المدخل[15].

وأمَّا تلاميذه: فللإمام خليل تلاميذ كثيرون, نذكر منهم ما يلي:

الأوَّل: أبو البقاء بهرام بن عبيد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوض الدميري القاهري؛ ولد سنة 724 هــــ, وتوفي سنة 805 هــــ[16].

الثَّاني: يوسف بن خالد بن نعيم بن مقدم بن محمد بن حسن بن علَيم بن محمد بن علي جمال الدين البساطي المالكي؛ ولد في حدود 740هــــ, تفقه عَلَى أخيه، وَعَلَى شيخ المذهب المالكي خليل بن إسحاق، ويحيى الرهوني، وابن مرزوق، ونور الدين الحلاوي[17].

الثَّالث: القاضي الفاضل جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسي: الفقيه العالم الإِمام الكامل العمدة الفاضل انتهت إليه رئاسة المذهب والفتوى بمصر, أخذ عن خليل وانتفع به وبغيره, توفي – رحمه الله تعالى - في رمضان سنة 823 هـ[18].

الرّابع: ابن الفرات؛ عبد الخالق بن علي بن الحسن.[19]

أهميّة هذا الكتاب وثناء العلماء عليه:

حظي مختصر خليل بالعناية والاهتمام لدى علماء المالكية, فأفنوا في شرحه وبيان مشكله أنفس الأوقات والأعمار, وأفرغوا في تهذيبه وتنقيحه أنبل الأفكار.

قال أبو العباس التكروري في معرض بيان أهمية هذا المختصر لدى السّادة المالكية: ولقد وضع اللَّه تعالى القبول على مختصره وتوضيحه من زمنه إلى الآن، فعكف الناس عليهما شرقًا وغربًا حتى لقد آل الحال في هذه الأزمنة المتأخرة إلى الاقتصار على المختصر في هذه البلاد المغربية مراكش وفاس وغيرهما، فقلّ أن ترى أحدًا يعتني بابن الحاجب فضلًا عن المدونة؛ بل قصاراهم الرسالة وخليل[20].

من شروح مختصر خليل:

لقد اعتنى العلماء المالكيون بهذا المختصر, وأفردوا له تعليقات وشروحات, من أهمها ما يلي:

الأوّل: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل؛ لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي, المتوفى: 954هــــــ

الثَّاني: شرح على مختصر خليل للثعالبي؛ لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي؛ من كبار المفسرين وأعيان الجزائر وعلمائها, ولد ونشأ بناحية وادي يسر بالجنوب الشرقي من مدينة الجزائر, وتعلم في بجاية وتونس ومصر؛ توفي في 33 رمضان المبارك سنة 875هــــــ, ودفن بجبانة الطلبة في مدينة الجزائر[21].

الثَّالث: تحفة المشتاق في شرح مختصر خليل؛ لأبي إسحاق الزواوي القسنطيني؛ إبراهيم بن فائد بن موسى بن عمر بن سعيد, المولود سنة 796هـــ, والمتوفي سنة 857هــــ[22].

الرَّابع: شرح الخرشي على مختصر خليل؛ لمحمد بن عبد الله الخرشي المالكي أبي عبد الله؛ المتوفى: 1101هــــ.

الخامس: منح الجليل شرح مختصر خليل؛ لمحمد بن أحمد بن محمد عليش، أبي عبد الله المالكي؛ المتوفى: 1299هـــــ.

السَّادس: التاج والإكليل لمختصر خليل؛ لمحمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبي عبد الله المواق المالكي, المتوفى: 897هــــ.

المراجع

 [1]  مواهب الجليل 1/2.

[2]  المصدر السَّابق.

[3]  الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب 1/358.

[4]  مختصر خليل ص: 11-12.

[5]  الدرر الكامنة 2/207, الأعلام 2/315.

[6]  الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب 1/357.

[7]  المصدر السَّابق.

[8]  المصدر السَّابق.

[9]  شجرة النور الزكية في طبقات المالكية 1/321.

[10]  نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأبي العباس التكروري ص: 169.

[11]  المصدر السَّابق.

[12]  مختصر خليل ص: 11.

[13]  مواهب الجليل 1/2-3.

[14]  الدرر الكامنة 2/207.

[15]  شجرة النور الزكية ص: 321.

[16]  المصدر السّابق ص: 345.

[17]  رفع الإصر عن قضاة مصر ص: 475.

[18]  شجرة النور الزكية ص: 346.

[19] نيل الابتهاج بتطريز الديباج ص: 285.

[20]  نيل الابتهاج بتطريز الديباج ص: 171.

[21]  معجم أعلام الجزائر ص: 91.

[22]  المصدر السّابق ص: 160.

 
الإسم 
البريد الالكتروني (لن يتم نشره )  
الدولة 
 
لا توجد تعليقات
مواضيع ذات صلة
لا توجد مواضيع ذات صلة
الأوقاف المصرية تحي فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر
أكد الشيخ طه زيادة، وكيل وزارة الأوقاف المصرية بالدقهلية أن الأوقاف أحيت فكرة الكتاتيب القرآنية على مستوى محافظات مصر.
إقبال الطهاة الیابانیین علی تعلیم طبخ "الحلال"
تنظیم الألعاب الأولمبیة فی الیابان فرصة لمعرفة الطهي الإسلامي وأنواع ثقافة الأکل لمختلف الدول
جامعة جدة تبدأ استقبال المشاركات في مسابقة القرآن الكريم
فتحت جامعة جدة ممثلة في الأمانة العامة لمسابقة القرآن الكريم لطلاب وطالبات التعليم بمحافظة جدة باب استقبال المشاركات في المسابقة للدورة العاشرة لعام 1440هـ، والهادفة للارتقاء بمستوى طلاب وطالبات التعليم علمياً وتربوياً، وتوجيه طاقاتهم نحو القرآن الكريم وحفظه، وإذكاء روح التنافس بينهم فيما هو مفيد ونافع.
حكم لبس السّواد في التعزية.
فالتّعزية: هي التأسية لمن يصاب بمن يعزّ عليه, وحثه على الصبر؛ وهي من العزاء, وهو الصبر وترك التسخط, يقال: عزيت فلانًا: أي أمرته بالصبر.
الأفضل بين تكرار الحجّ والتصدّق بنفقته.
أوّلاً: فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في فضل التنفل بالحج وتكراره, وأن ذلك من أفضل القربات, وأشرف الطاعات والعبادات, وأن الإكثار منه كفارة للخطايا والسيئات, ولقد كان من دأب السلف الصالح تكرار الحج؛ فقد روي أن طاووس –رحمه الله تعالى – حج أربعين حجة, قال ابن شوذب: شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون رحمك الله ابا عبد الرحمن حج اربعين حجة رحمه الله[1]. وروي أن عطاء وسفيان بن عيينة - رحمهما الله تعالى – حجا سبعين حجة, قال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة[2].
إصدارة في النوازل في الحج للشّلعان.
فبين أيدينا في هذه الحلقة العلميّة سِفرٌ عظيم القدر, ثجَّاج النفع, غزير بالفوائد والفرائد؛ يطرق بابًا مهمًّا من الأبواب الفقهيّة؛ وهو النوازل في الحجّ, للمؤلّف: الدكتور عليّ بن ناصر الشلعان؛ عضو هيئة التدريس في كليّة الشريعة, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة؛ الرياض.
12345678910...
لا توجد ملفات مرفقة
الموضوعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة رسالة الإسلام 1432هـ - 2011م